العراقي الهاشمي – ياس خضير البياتي

497

شهق الناس

العراقي الهاشمي – ياس خضير البياتي

بغداد … لا أَنتَ أَنتَ وَلا الدِيارُ دِيارُ

هكذا لخص واقعَ الوطن شهيدُ الكلمة والعراق، هشام الهاشمي، في تغريدة تويتريه قبل استشهاده بأيام، وهو يودع مكان الولادة والصبا والعشق، بوداع يليق بالأبطال وأصحاب الرأي الحر، حيث ترك موروثا كله ضجيج في حب الوطن. كتب وقال كما يرى وليس لمن يريد أن يرى. غادرنا صاحب الرأي الشجاع، ليس ذوداً عن تراب وطنه فقط، وإنما ذوداً عن فقراء بلادي، وذوداً عن الرأي الحر، بأيدي غدر تبزّ الروح والجسد، خسيسة العرق والمنبت، وعميلة الهوى والانتماء. جاهلة بأن الشهادة في سبيل الحق والوطن ليست مصيراً سيّئاً، بل هي خلود في موت رائع. والذي يعرف الهاشمي يدرك جيداً معنى وأهمية أن يكون للعراق (شهداء مفكرون)، وفرسان كلمة، وناطقون باسم الشعب، لا ناطقون للسلطة، ولا ناطقون للدول والطوائف والقوميات، ناطقو وطن يطرزون الوطن بأجمل ألوان البهاء والتضحية، ونخوة وإيثاراً بالنفس! يبدو أن قدَرنا في العراق صار قدراً محتوماً أن نودِّعَ الأحبة وأصحاب كلمة الوطن كل يوم بالرثاء والموت والقبور، بدلاً من الحلم بوطن سعيد، وحياة كريمة، ومستقبل مليء برياحين الأمل والعيش الكريم، بل صار قدرنا منهجاً تعليميّاً مقرراً من أصحاب الكاتيوشا وكواتم الصوت، انتظارا لقادم الأيام ومتوالياتها لتابين المزيد من شهداء الحرف والرأي، في وطن قزمه السفلة والعملاء وقطاع طرق الموت والنفايات السياسية، وجعلوه علامة فارقة بين الأمم يكنّى بعراق (أكبر المقابر في العالم)، وهو وطن الأنبياء والعلماء والثقافة والتاريخ والأمجاد الوطنية، لا أوطان الأقزام والقتلة والمأجورين والرعاع.  الذي قتل هشام هو نفسه الذي خطف مازن لطيف وتوفيق التميمي، وقتل نزار ذنون وعلاء مجذوف وأحمد عبد الصمد وصفاء غالي وفاهم الطائي وغيرهم من شهداء الكلمة والرأي، وهو الذي قتل 600 شهيد في انتفاضة الشباب، وقتل آلافاً من البشر باسم الطائفية، هو نفسه صاحب الدراجة النارية وكواتم الاغتيال الذي اغتال الإعلامي والناشط وأصحاب الراي في وطن العبث، وهو نفسه الذي قتل الدولة والقائد العام للقوات المسلحة وهيبة الدولة، وضرب صورة القائد العام بالحذاء، وقتل وطناً نصفه شهيد ونصفه لاجئ وفقير والباقي ينتظر!وقصة اغتيال الشهيد، سيناريو مترجم من الأرجنتينية إلى العربية، مدبلج بلغة الدم ومخرجه معروف النسب ،وأبطاله من خريجي أكاديمية القتل والاغتيال ،والفيلم جاهز العرض منذ اشهر، لكن توقيت القرار والعرض كان بعد حادثة  خلايا الدورة والكاتيوشا، عندما بدأ يظهر الشهيد في الفضائيات ليفضح المليشيات علنا وبقوة هذه المرة ،ويعري أهدافها في ابتلاع الدولة وتقزيمها وتدمير هيبتها، مما عجل بقرار تنفيذ الاغتيال، فسرب فيلماً قصيراً من صنع قناة عراقية موالية لبعض الأحزاب قبل يومين من مقتله، وتم تشويه صورة هشام بنكهة طائفية مقززة، والتلاعب بالمعلومات بهدف تضليل الناس البسطاء، والقبول بالانتقام منه كمتمرد على الطائفة، وقدم الرجل كخائن وعميل للأجنبي الأمريكي، وداعشي الفكرة  من اجل شرعنه قتله وقبول الآخر بالأمر الواقع ،حيث تم قتله بدم بارد أمام أسرته وأولاده بهمجية لامثيل لها.

المفارقة أن الشهيد كان بطلا في مواجهة داعش الإرهابي بالمعلومات وكشف مخططاتهم، وفضح ممارساتهم الإجرامية، وخبيرا في المؤسسات الأمنية الرسمية بمختلف مسمياتها، وكذلك للحشد الشعبي. كان مقاتلا في أحلك سنوات مقاتلة داعش، ومصدرا مهما لوسائل الإعلام العربية والعالمية. لذلك ظلم شهيد الوطن باغتياله بدم بارد ضريبة لوطنيته وعشقه للعراق، مثلما ظلم في تشييعه، فلا السلطة حاضرة كأنها من أهل الكهف، ولا نواب الشعب وحمايتهم في توديع ابن الشعب البار، بل اكتفوا نفاقا في ذكر محاسن الشهيد، والبكاء عليه في الفضائيات لاستعطاف الجمهور لانتخابات قادمة، مثلما اختفى الأصدقاء وزملاء المهنة، فلم يكن بينهم سوى أصدقاء الموقف والوفاء كنجم القصاب وسرمد البياتي واللواء سعد معن كما رأيتهم في فلم التشييع.

لم يكن التشييع لحظة غائبة بقدر ما كانت حاضرة بشدة في أعين المشيعين، ومع كل ذرة تراب توضع عليك يا هشام كانت عيناك الغائرتان تنظران إلى أفق بعيد، حيث الوطن وفقراؤه، والزوجة والأولاد، ومكان الولادة، وشوارع الأحياء، ومذاق رطب العراق وبرتقاله.

وحدك كنت شجاعاً ترسم لنا خرائط الوطن، مثلما كنت حزيناً على الديار وأنت تقف وسط الوطن متباهياً بعراقتيّك، فأنت استثناء تولده أسطورة حب الوطن. فليس من قبيل الشعر إن قلت إن العراق كان يبكيك يوم غدر بك دعاة الطائفة، وهي براء منهم، وأنت هاشمي النسب، ومن بيت آل البيت الكرام، وأنت فتى فتيان الوطنية والرأي الحر.  كان الهاشمي محللاً سياسيّاً حقيقيّاً، ومتفرداً بين زملائه بأنه يقدم معلومات ثرية مترابطة الفكرة، ويجتهد في بناء الموقف واستشراف الأحداث بعقلية باحث علمي بمنهجية المستقبليات، وبرؤية شمولية في فهم الإسلام السياسي والجماعات الإسلامية المتطرفة، والمليشيات العراقية وأسرارها، وقدرة على التحليل والربط والاستنتاج، وبصيرة واعية بحركة السياسة والمجتمع والظواهر، والاتساق والتنظيم والربط السليم بين الظواهر والأحداث والمعرفة، ومعها صفات كاريزماتية قادرة على الإقناع. لم يكن محللاً غوغائيّاً أو استعراضيّاً أو إنشائيّاً، كما هو حال الكثير من المحللين والاستراتيجيين الذين نراهم في الفضائيات يتناسلون ويتكاثرون في الصولات والجولات إلى حد التقزز والاشمئزاز، مثلما كان صاحب قضية وانتماء، صوته أقوى من الرصاص رغم نبرته الهادئة المتزنة، وأدبه الجم وكلامه الموزون، لذلك قتلوه بغدر الجبان، وعقلية الرعاع، وهمجية القتلة، لإسكات صوته الوطني! لم يترك الصديق الشهيد في رحيله وجعَ الفقد، بل تعويضا لأرواحنا عما ينقصها من طمأنينة، وأي سبيكة ذهب صاغت نفس البطل وهو يقارع الباطل بالرأي بصوت عال، وهم يقارعونه بالكواتم الصامتة الجبانة. هناك الفرق بين شجاعة الموقف والمبدأ، وقوة القلم الحر والصوت الوطني، وبين نذالة وخسة الغادرين، وصناع الرصاصة الغادرة وحقد العميل.لا نريد الشكر على الشكر، ولا أصوات الاستنكار المخزي بلا أفعال من قبل الرئاسات الثلاث، فقد تعودنا على ضجيج الإدانات المنافقة طيلة السنوات الماضية، وتعلمنا منها الدرس الكبير (أسْمَعُ جَعْجَعَة، وَلَا أَرَى طَحْناً)، مثلما تعلمنا على لغة الخداع والمخادعة، والمناورة المكشوفة لامتصاص نقمة الشارع، وهي كلها محض ضجيج أجوف، وكتابة على الماء فقط. اليوم نريد من الكاظمي أن يثأر للهاشمي العراقي بالأفعال التي تنصب المفعولين، ويقدم الجناة لعدالة الوطن، وان يثأر لهيبة الدولة ومقدساتها وجيشها عندما داست الأقدم المأجورة على رمز الدولة وهيبة الجيش!

أيها الصديق العاشق، أنت الحي وعدوك الميت، ذهبت عراقيا شجاعاً وشهيداً، فما قيمة الحياة بدون وطن وقضية؟! وعندما تذهب إلى النوم كل مساء سنحرسك بأجفان عيوننا ونقول لك: تصْبحُ عَلَى وَطَن.

{ اكاديمي وكاتب عراقي

مشاركة