
العراقيون.. مواقف مشرّفة – علي العكيدي
يحلو للبعض أن يتكلم عن الشعب العراقي بما يسيء لهذا الشعب ،وللاسف ومن العراقين أنفسهم مرات تأتي هذه الأساءة ،هذا الأمر ليس بجديد، الأسلوب والكلام قديمان وهناك بعد تاريخي يمتد الى مئات السنين سببه المباشر هو السلطات الأموية التي كان العراق مركزا فكريا وسياسيا معارضا لوجودها ، فأشاعت حينها مثلبة (العراق بلد الشقاق والنفاق) ومن هذا المنطلق أخذ الناس من العراقين أو غيرهم بالحديث عن العراق بما يسيء لهم ويقلل من شأنهم في الوقت الذي هم أفضل بكثير من غيرهم في العديد من الخصائص والسمات ،وهذه المثلبة التي التصقت بالعراقين لم تكن ملامسة للحقيقة بل متجافية لها تماما ،ومصادر التاريخ أثبتت ان قائل هذه المقولة غير المنصفة هو الحجاج بن يوسف الثقفي وليس كما يدعي البعض من إنها من مقولات الامام علي بن ابي طالب (عليه السلام)، وقد كتبت بحثا علميا في ذلك ونشرته في احدى المجالات المتخصصة، وربما سأعيد نشره هنا في صحيفة (الزمان) الغراء لاحقا ان شاء الله .
هذه المقدمة جاءت لأطرح موضوع يتعلق بالسلوك الجمعي العراقي وكيف كان مميزا رغم الظروف الصعبة والحرجة التي يمر بها العراق طيلة أربعين عاما من تاريخه المعاصر المملوء بالنكبات.
طرح قضية
على مواقع التواصل الاجتماعي تم طرح قضية مفادها إن عراقيا وهو في السعودية أغمى عليه ونُقل الى إحدى المستشفيات وفي المستشفى إحتاج الى دواء وهو لايملك ثمنه , فقال للذين حوله من الأطباء والممرضين أعطوا هذه الوصفة الطبية لأي عراقي تشاهدونه خارج المستشفى ،وهو سيتكفل بالموضوع (الكلام هنا منقول عن لسان أحد الأطباء السعودين ) يقول: فخرج ممرض من المستشفى وسلم الوصفة الطبية لرجلين عراقيين شاهدهما في الشارع العام , وقال لهما إن عراقيا كذا وضعه ،وهو راقد في الردهة رقم كذا وكذا ثم عاد ، وبعد فترة وجيزة من الوقت واذا بالرجلين العراقيين وقد جلبا الدواء الذي يحتاجه العراقي المريض , وقد كان ثمنه باهضا ما يعادل أكثر من مائة دولار أمريكي وهو رقم عالي قياسا باسعار الدواء بشكل عام ،ودخلا على الرجل المريض وتكلما معه واعطوه الدواء مع كيس أخر يحتوي على فواكه وعصائر , وتحدثا معه برهة من الزمن ، وعندما خرجوا أعطوه مبلغا من المال يساعده على تجاوز أزمته المالية. هذا الكلام كما قلت منقول عن طبيب سعودي وهو يتحدث بتعجب ،نادما على عدم مساعدته هو للمريض العراقي كي يُسجل الموقف بأسمه يتباهى به في الدنيا ويؤجره الله تعالى عليه في الأخرة كونه موقف إنساني نبيل ،هذا موقف من مئات المواقف التي تحدث يوميا في العراق لكن لا أحد يشير لها فتندثر كأي شيء ثمين لا أحد يعرف قيمته الا من يعرف تفاصيله .
وفي موقف أخريشار له بالبنان عرضت وسائل الاعلام المرئي قبل أيام لقطات لخياطيين عراقيين قاموا بخياطة كمامات بعد ظهور فايروس كورونا وتوزيعها على الناس مجانا في الوقت الذي عجزت فيه الحكومة عن توفيرها للناس حتى جراء مبلغ من المال ،وحين سأل مقدم البرنامج الخياط عن سبب عدم بيعه للكمامات طالما يصرف على عملها أموالا وجهدا، قال (نحن نوزعها للناس كي نساعدهم على تجاوز الأزمة الصحية ونريد بذلك رضا الله تعــــالى).
عطل سيارة
زميل لي محترم حدثني ذات مرة عن حالة صادفته حين عطلت السيارة التي يقودها على طريق بغداد واسط وذلك عام 2007 حين كان الطريق محفوفا بالمخاطر بعد شيوع الطائفية التي صنعتها وبكل دقة جهات خارجية بمباركة الطبقة السياسية الحاكمة في العراق، وبعد أن ترجل زميلي عن سيارته ووقف ينتظر أن يحدث شيء ما يعينه على تجاوز ما هو فيه من موقف حرج ،واذا برجل يقف بسيارته ( سيارة أجرة) وسأله ماذا تحتاج نحن في الخدمة وبعد أن عرف سبب عطل السيارة قام بمساعدته على الفور واخذه بسيارته الى الميكانيكي وقام بأعادة سيارته كما كانت ولم يكتفي بذلك بل هو من قام بدفع المبلغ المالي الخاص بأصلاح العطل ولم يكتف أيضا بذلك بل أصر على أن يأخذ زميلي الى داره ويقوم بواجب الضيافة له ،هذا غيض من فيض والقائمة تطول وتطول، واذا أردنا ان نعد مواقف هذا الشعب الطيب الإيجابية فلن نحصيها أبدا , وما يجري اليوم في ساحات التظاهر وهذا التكاتف الذي أبهر الناس ورسم مشهدا غاية في الروعة حيث شباب العراق يضحون بأرواحهم وأجسادهم واموالهم من أجل ان يكون هناك موقف يُسجل يصب في خدمة الصالح العام ودون مقابل يذكر في الوقت الذي يعانون من العوز والفقر والحاجة للعمل ، المهم هذا الحراك الرائع وهذا التكاتف والتأزر والتعاون كلها مواقف وصور غاية في الروعة يُسجلها شباب العراق يوميا وتفصيليا وهم يرقصون على أكتاف الموت ، فرحون بما يقدموه من مواقف لوطنهم بعد أن تيقنوا بأن من يقودوه يريدون أن يضحوا به فأصروا على إعادته الى حضن إبنائه , فكان لهم ماأرادوا وسيكون لهم مايريدون ويتمنون في قابل الأيام ومن الله التوفيق.



















