
مركزية مصر ولا مركزية العراق .. لماذا ؟ (4)
العثمانيون قسّموا العراق ووسّعوا مصر – منقذ داغر
في المقال السابق أستعرضت أول سببين بيئيين أثرا على مزاج وأجتماع المصريين والعراقيين وبالتالي السياسة في مصر والعراق وهما جغرافية الأنهر وطوبغرافيتهما. لم تكن الأختلافات بين جغرافيا وطوبوغرافيا الأنهر في العراق ومصر هما السببان الوحيدان في أختلاف السلوك الأجتماعي(وبالتالي السياسة) لشعبَيهما،بل كانت هناك أسباب جغرافية أخرى مؤثرة جداً في سياسة البلدين قديماً،وربما حاضراً.
- خصوبة الأرض وأمتدادها. ذكرت سابقاً أن كل الحضارات القديمة من الصين الى النيل مروراً بالرافدين هي حضارات رسوبية أو غرينية. بمعنى أنها تتشكل بأمتداد الأنهر وفيضاناتها. ففيضان النهر يؤدي وظيفة مهمة جداً للزراعة لأنه يجلب الغرين وكثير من المواد العضوية والمعادن من قاع النهر الى سطح الأرض. ولأن العراق لديه رافدان ومجموعة شبكات أنهر كثيرة من جهة ولأن فيضان رافدَيه أقوى بكثير ،مقارنةً بمصر،فقد كانت مساحة الأراضي المغمورة بالفيضان وبالتالي سهله الرسوبي أكبر بكثير حيث يشكل ربع مساحة العراق الكلية. وفي الوقت الذي تتشابه فيه ضفاف أنهر النيل ودجلة والفرات في خصوبة أراضيها،الا أن الأراضي التي تبتعد عن الأنهر تختلف في خصوبتها.
مناطق السهوب
ففي العراق تمتد مناطق السهوب أبعد كثير من مناطق الضفاف. وهذه المناطق أما يأتيها المياه سيحاً(بالسقي) أو ديماً(بالأمطار والتي هي أكثر في العراق من مصر). كما أن طوبوغرافية العراق تضم جبال وأهوار وهضاب وهي جميعها تمثل حواجز طبيعية بين التجمعات السكانية المختلفة. أن هذه الطبيعة المتنوعة سمحت بتنوع أكبر في المهن والأقتصاد العراقي قديماً،مقارنةً بمصر التي ظلت الزراعة الضفافية هي المهنة الأساسية. هذا التنوع سمح بالتكامل الأفقي horizontal integration بين التجمعات السكانية في العراق بعكس التجمعات السكانية المصرية التي تكاملت عمودياً Vertical Integration فقط على طول مجرى النيل. هذا سهّل مهمة الحكم المركزي في مصر مقارنةً بالعراق. ففي مصر تحتاج لحكم مجاميع أكثر أنتشاراً(أفقياً وعمودياً)،وأكثر أنفصالاً بالحواجز الطبيعية،وأكثر تنوعاً في مهنهم ومصادر رزقهم مقارنةً بالمصريين. كما سهلّت هذه الطبيعة على الحكام المحليين في العراق عبر التاريخ(سواءً كانوا شيوخ قبائل أو رؤساء أو ملوك…الخ) أيجاد حلفاء أقوياء ومكتفين ذاتياً يمكنهم مواجهة السلطة المركزية والتمرد عليها. من هنا نفهم لماذا كان الحكم المركزي في العراق صعبا بأستمرار مما يجبر حكّام العراق على اتسلّط والتجبّر أكثر مقارنة بمصر. لاحظ أن النمرود لم يكتفِ بمحاججة إبراهيم(ص) بربّه،بل أمر بوضعه في النار لأنه يشتت وحدة أتباعه. أما فرعون مصر،فقد حاجج موسى(ص) بطريقة أكثر ليونة وأعطاه أكثر من فرصة للنقاش، وأثبات أن ربه هو الله الواحد القاهر،كما حصل في يوم (الزينة) ومحاولة السحرة أثبات أن موسى ساحر وليس نبي. لا بل أن موسى بقي في مصر يدعو بني إسرائيل للتمرد على فرعون دون رد عنيف وفوري من فرعون تجاه موسى. ثم سمح له بالخروج مع بني إسرائيل(بحسب التوراة) من مصر قبل أن يطارده بجيشه ثم يغرق. وعلى الرغم من أن إبراهيم لم يكن له أتباع يُخشى منهم كأتباع موسى الكُثُر،الا أن النرود لم يصبر عليه ولم يمنحه أية فرصة وأمر بوضعه في المنجنيق ورميه في النار! ثم لاحظ الفرق الهائل في السطوة والقوة والتجبّر بين سياسة الحجاج في العراق وسياسة عمرو ابن العاص في مصر! أليس مثيرا للأنتباه أنهم ذات العثمانيين الذين حينما حكموا مصرَ زادوا عليها السودان ضمن نفس الولاية،في حين أنهم عندما حكموا العراق (الأصغر مساحةً بكثير) قسمّوه الى ثلاث وأحياناً أربع ولايات؟! وأخيراً هل لاحظتم كم أنقلاب وحرب دارت في العراق في العصر الحديث مقارنةً بمصر؟وحتى الأنقلاب العسكري(الوحيد) في مصر لم تُرَق خلاله قطرة دم واحدة وجرى ترحيل الملك فاروق من مصر على متن يخته بكل أحترام ولياقة،في الوقت الذي قتل فيه الأنقلابيون الملك وسبوا عائلته وقتّلوها،وسحلوا رئيس الوزراء والوصي على العرش في شوارع بغداد!! وحينما ثار الشعب على حكم مبارك لم نشهد (حواسم) كالتي شهدناها في العراق حينما سقطت الدولة على يد المحتل في 2003، ولم يتم التنكيل بمبارك وعائلته ولا (أجتثاثهم) كما حصل في العراق!! واضح أن هناك أحترام للسلطة المركزية حتى وأن كانت فاشلة أو غير محبوبة، وهنا كُره لها ومحاولة للأنقضاض عليها والتنكيل بها عند أول فرصة!
جغرافية النيل
- تأثير النقل والأتصال. لقد أتاحت جغرافية النيل وطوبغرافيته المنسابة بهدوء أمكانية كبرى لأستخدامه في النقل والأتصال عبر كل مجرى النهر الممتد لأكثر من 1500 كم. كما أن النيل ومجراه يتمتعان بعمق وخلو من العوائق يسمحان بالأبحار عبره بالسفن الصغيرة والمتوسطة على طول جريانه من جنوب مصر لشمالها. أن أهم شروط المركزية الكفؤة والفعالة هي تواجد وسائل نقل وأتصال عبر كل أرجاء الدولة يسهلان على المركز أدارة الأطراف والسيطرة عليها، وهذا حرفياً ما كان النيل يتيحه لمن يحكم مصر. هذا فضلاً عن أن مثل هذا التواصل السهل عبر مجرى النهر يسهّل التجارة البينية للمدن والقرى الواقعة على ضفتيه وبالتالي يعزز الروابط بينها،كما أنه يتيح للدولة موارد أقتصادية أكبر (عبر الضرائب) تتيح لها أمكانية أكبر على الحكم المركزي. بأختصار فأن النيل(الذي لا منافس له في مصر) يوحّد المصريين. أما في العراق فالوضع مختلف تماماً مع وجود دجلة والفرات والأنهار الكبرى والأصغر المتاحة للعراقيين(مثل شط العرب وديالى..الخ). بمعنى أن العراقيين لم يعتمدوا على مصدر واحد للمياه(والحياة) كما هو حال المصريين. بالتالي فليست هناك واسطة مركزية واحدة للتنقل والتواصل. بالعكس تماماً فأن كثرة الأنهر تؤدي الى الأعتمادية المحلية أكثر من المركزية. من جانب آخر فأن عمق مجريي دجلة والفرات وشدة أنحدارهما وكثرة الغرين المحمول معهما يؤديان الى صعوبة الأبحار والتنقل الا في مسافات معينة ولسفن صغيرة فحسب. وحينما حاول الأنكليز أستكشاف أمكانية الأبحار في الفرات غرقت سفينتهم المسماة «دجلة» في أعالي الفرات وقُتل 20 من طاقمها.
أن التاريخ واضح بخصوص أنماط الحكم الممكنة في مصر والعراق. لذا سأحاول في المقال القادم أستخلاص العِبرة التاريخية لنمط الحكم المناسب للعراق علّها تفيد في وسط فوضى الحكم الطاغية في عراق اليوم.


















