العتبات النصية في قصة عين لندن لفاتح عبد السلام – فيصل سوري حمد

العتبات النصية في قصة عين لندن لفاتح عبد السلام – فيصل سوري حمد

اللون علامة على المحتوى الموازي

أولاً: العتبات النصية، المصطلح والمفهوم

 للعتبات النصية أهمية بارزة في الدراسات الحديثة، إذ لا يمكن تجاهلها والتعرج إليها في فهم وتأويل الدلالية الكلية للنص الأدبي، والتي لا تقل أهميتها عن المتن، النص المركزي، بوصفها موجهات سيميائية تمد القارئ  بإشارات وعلامات مضاعفة تساعده على فهم النص وتوجيه مقصديته، فأي نص أدبي لابد أن يعتمد على جملة من المصاحبات ((اللفظية أو الأيقونية، التي تعمل على إنتاج معناه ودلالته، كاسم الكتاب والعناوين والإهداء، والألوان،….))( )،وهذه العتبات المتعددة والمحيطة بالنص الأصلي، تساعد على((تشكيل الدلالة وتفكيك الدوال الرمزية، إيضاح الخارج قصد إضاءة الداخل))( )،إنها بمثابة نصوص محيطة بالنص المركزي، مما يجعلها تدخل معه في علاقات جدلية تسهم في إنتاج مزيد من الدلالات، فيدخل ضمنها كل ((العناصر النصية أو العلامية أو الشكلية التي تحيط بالنص السردي داخل محيط الكتاب، ومنها العنوان والعنوان الفرعي والإهداء والتصدير والمقدمة والحاشية والهوامش والعناوين الداخلية، والملحق النقدي، ومقدمة الناشر، والرسوم، والتعريف بالمؤلف وعنوان التسلسلية الأدبية وقائمة أعمال المؤلف وآراء النقاد والمشاهير))( )، فهذه العتبات تعد بوابة رئيسة يمكن الدخول عبرها إلى مضامين النص الأساس، تأخذ بيد القارئ إلى الولوج داخل متاهات النص واقتحام فضاءاته، والكشف عن دلالاته، ولم يتجلَ الاهتمام بالعتبات النصية في الدراسات النقدية إلا في المدة المتأخرة، لقد تم التركيز عليها لما تكتنزه من إشارات وعلامات مهمة لا يمكن التغافل عنها، بوصفها مناطق دالة ومشعة دلالياً، فضلاً عن ذلك فإن العتبات النصية ليست محصورة بجنس أدبي محدد فهي صاحبت الأجناس الأدبية جميعها ولم تختص بجنس أدبي دون غيرها، لأنها عُدت ((مدخلاً لكل شيء وأول ما يقع البصر عليها، وتدركه البصيرة بوصفها نصوصاً انتقالية نحو الأهم ألا هو النص المركزي وبالتالي فإن أفضل طريقة للاستفادة من إمكاناتها الفنية تكمن في ضرورة التعامل معها من مستواها الخادم للنص المركزي، وليس من صورتها التي تتحول فيها إلى موضوع معزول عنها))( )، ذلك أن كل ما يحيط بالنص من عناوين وأشكال وألوان جاء عن نية مقصودة من طرف المؤلف ومتأسس عن وعي قصدي مسبق، ومن هنا كان لابد من الوقوف عندها، لأنها محددات أولية تمنح القارئ مفاتيح الدخول وتضيء له دهاليز الوقوف على كشف بؤر النص. فالاهتمام بها ليس من قبيل اللعب والعبث والزخرف الخارج عن الأدبية، و((ما من عتبة إلا وتحمل دلالة ما وتضطلع بوظيفة من الوظائف ولا يمكن لها أن تكون بريئة في وضعها وموقعها وتركيبها، مادام يتعين عليها أن تواجه بياض الصفحة الأولى وتعمل على تخفيف حدة التوتر الذي يعتري القارئ وهو يشرع في تلقي الأثر الأدبي))( )، ولاسيما فإن العتبات النصية ليست ثابتة، فهي متغيرة بتغير العصر والنوع الأدبي وثقافة الكاتب وتطور اساليب النشر، فضلاً عن كونها لا تشكل جزءاً حقيقياً من النص بل عتبة تفصل بين النص وخارجه (ما هو مكتوب عن النص ) للتأثير في الجمهور سعياً وراء استقبال أفضل للنص وفهم يوافق مقصدية الكــاتب( ).

ويرتبط مصطلح العتبات بمصطلح النص الموازي، فالنص الموازي بـ((أنماطه المتعددة ووظائفه المختلفة هو كل نصية شِعرية أو نثرية تكون فيها العلاقة، مهما كانت خفية أو ظاهرة بعيدة أو قريبة بين نص أصلي هو المتن ونص آخر يقدم له أو يتخلله مثل العنوان المزيف والعنوان والمقدمة والإهداء، والتنبيهات والفاتحة النصية والملاحق والذيول والخلاصة والهوامش والصور والنقوش وغيرها من لواحق نص المتن))( )، أي أنها عبارة عن ((مجموع العناصر النصية وغير النصية التي لا تندرج في صلب النص السردي، لكنها متعلقة وفيه تصب، ولا مناص له منها، فلا يمكن أن يصلنا النص السردي مادة خاماً عارياً دون نصوص وعناصر علامية وخطابات تحيط به))( )، إذ عدّ (جيرار جينيت) النص الموازي بأنه نمط من (التعالي النصي)، فهو يرتبط بالمجموع الذي يشكله النص الأدبي ويرتبط المعنى بعلاقة مع ما يسميه بـ(النص الموازي) الذي يمثله العنوان والعنوان الفرعي والعنوان الداخلي والديباجة والتذيلات والتصدير والعبارة التوجيهية والرسوم ونوع الغلاف..( )، ويرى (جاك دريدا) بأن الاستهلالات والمقدمات تسهم في جعل النص مرئياً قبل أن يكون مقروءاً، فيما حدد (فيليب لوجون) أهداب النص بـاسم الكتاب، والعنوان، والعنوان الفرعي، واسم الناشر وغيرها من المتعاليات النصية، ويعرف (مارتان) المناص: بأنه مجموع تلك النصوص التي تحيط بالنص أو جزء منه، تكون مفصولة عنه مثل عنوان الكتاب وعناوين الفصول والفقرات الداخلية في المناص، ينتقل المناص إلى المسرح الناص في محاولة تحديد الكتابة المحيطة بأنها منطقة تواسط بين خارج النص والنص( )،ومن هنا عُدّ سؤال العتبات من بين الموجهات الرئيسة في أفق التلقي وتأثيره على الصبغة الدلالية القبلية التي يستشرف المتلقي بشغف سيادتها في المتن الحكائي، فهي تسهم إسهاماً فعلياً في إضاءة الجوانب الغامضة، وتساعد على توضيح الإلتباس الذي قد يشكل القارئ، كما أنها تشير للنص الرئيس بطريقة مباشرة أو غير مباشرة( )،وبهذا تتأسس العتبات النصية بوصفها نصوصاً تكميلية للنص الأصلي في توسيع دلالته وفك شفرته من قبل القارئ، إنها مناطق مكثفة تبرز خلفها إمكانات الكاتب التي لا يمكن تجاوزها دون المرور بها والوقوف عليها.

ثانياً: النصوص الموازية والمصطلح المزاحم.

أ- عتبة العنوان :

            لقد تم التركيز في الفترة الأخيرة على العنوان بوصفه بؤرة مشعة دلالياً، فضلا عن الدلالة الكلية التي يحملها المتن،  ومن ثمّ فهو علامة دلالية قد تستقطب القارئ وتلفت نظره للعبور نحو الدلالة الكلية للنص، ولما كان مجيء العنوان كعتبة نصية تحمل استدلالاً معيناً وليس اعتباطياً؛ لذلك وجب الوقوف عنده وتأويل مقصدية الكاتب فيه، لأن ((موقعه في أعلى النص يغدو نظيراً للسيطرة وتكريساً لاستقبال القارئ وتمكينه من الاهتداء إلى ما تحته من نصوص))( )، إذ إنه يشكل عالماً خاصاً ونصاً موازياً ضمن العتبات المحيطة به، فمن خلال العنوان نستطيع أن نقتحم أغوار النص، وفضاءه الدلالي لما يحمله من حمولات دلالية شديدة الثراء. ومن هنا وصف العنوان بأنه عتبة مهمة ومركزية فهو لم (( يعد عنصراً زائداً، وإنما هو عتبة أولى من عتبات النص، وعنصر مهم في تشكيل الدلالة، وتفكيك الدوال الرمزية، وإيضاح الخارج قصد إضاءة الداخل ))( )، فالعنوان يقوم على قصدية متبعة من طرف الكاتب، لأنه((يؤسس أولاً لعلاقة بخارجه، سواء أكان هذا الخارج واقعاً اجتماعياً عاماً، أو سيكولوجياً، وثانياً لعلاقة العنوان ليس بالعمل فحسب، بل بمقاصد المرسل من عمله أيضاً، وهي مقاصد تتضمن صورة افتراضية للمستقبل على ضوئها كاستجابة مفترضة، يشكل العنوان لا كلغة، ولكن كخطاب))( )، اذ ((يؤسس لشِعرية من نوع ما، حيث يثير مخيلة القارئ، ويلقي به في مذاهب أو مراتب شتى من التأويل، بل يدخله في دوامة التأويل، ويستفز كفاءته القرائية من خلال كفاءة العنوان الشعرية( )،فقراءة العنوان بعيداً عن دلالة المتن تجعل منه نصاً مستقلاً متعدد الاحتمالات التأويلية لدى كل قارئ، ولكن تتحدد زاوية الدلالة فيه حين يتم ربطه بالمتن الذي يفرض على القارئ أن يتلقاه داخل سياق كلي. فهو يعد مؤشراً وموجهاً دالاً يبين ملامح النص من الوهلة الأولى، وقد يحمل حمولات وظائف عدّة منها الإغراء للدخول إلى المتن، وهذا ما جعل النقاد وبعض الدارسين يولونه أهمية ومكانة خاصة لا تقل شأناً عن العتبات الأخرى.

يشير عنوان المجموعة القصصية (عين لندن) لفاتح عبد السلام، إلى محتوى النص/ المتن، فهو من العناوين المكانية التي سعى الكاتب فيه إلى ضخ أكبر حزمة دلالية قصدية ونقل عبره تجربة ومجموعة صور وأحداث عن مكان غربي معروف (لندن)، تنسب إليه محل إقامة الكاتب، فقراءة العنوان بعيداً عن المتن بوصفه خطاباً ونصاً متكاملاً يأخذ مستوى بلاغياً وبعداً تشخيصياً عبر عملية الاضافة. فالعين إحدى وظائف الكائن الحي، وهي البؤرة التي تتضح معالم الأشياء عبرها من خلال وظيفة الرؤية/ البصر، تمت إضافتها لفضاء مكاني متشح بكل ما هو براق وجميل وعصري، لبث الحركة والحياة فيه، بل إن العنوان هنا اصبح النافذة والبؤرة التشخيصية لنقل جماليات المكان / لندن. كما أن هذا العنوان تتعمق دلالته حين يفسح المجال للرؤية والتأويل وينفذ إلى صلته التداولية من خلال ربطه بالمتن/ النص السردي وفاعلية الكلام، فهناك تشظي لمفردة العنوان في المتن المدروس لا سيّما وإنه جاء مشابهاً لعنوان إحدى قصصه في المتن والمعنونة بـ(عين لندن). أي أن العنوان الأصلي حضر بقوة في المتن السردي، وقد اسهم ذلك في كشف العلاقات وفهم الدلالة وتأويلها لدى القارئ، فعندما نقرأ العنوان منفصلاً عن المتن بوصفه نصاً مستقلاً يوحي بعدد من القراءات والإحالات التي لا تخلو من شِعرية ولكن حين يتم ربطه بالمتن تتضح دلالته ويتكشف مغزاه لتصبح دلالته أقرب إلى سياق نصي محدد. كما تتكشف الدلالة المركزية له وتصبح أكثر مباشرة وتقريرية حين نتبين بأن العنوان جاء نسبة على الحقيقة لا المجاز من خلال الحوار الذي دار في القصة الأولى بين الفتاة الغربية ويوسف الذي مثل وجه الانسان الشرقي وهما داخل الناعور / عين لندن:

((هذا الدولاب العظيم، الذي يذّكرني بنواعير العيد في أيام طفولتي في بلدي، وكأنه ناعور فعلاً يغرف بعيونه المتتابعة الماء من التيمس ويغسل به وجه المدينة في كل حين /- قالت: أمّي هذا خياري، أريد أن أصعد إلى عين لندن / – قالت: الدولاب بطيء الحركة /- قلت: لا أدري فهذه المرة الأولى لي مع عين لندن / رنَّ جرس من داخل الكابينة، ثم تحدث صوت قائلاً : نتمنى لكم أطيب الأوقات معنا والاستمتاع بمشاهدة لندن من عينها الجميلة))( ).

ومن هنا نتبين أن العنوان الرئيس له صلة عميقة مع ما جاء في المتن وخصوصاً القصة الأولى منه والتي تحمل العنوان نفسه. تدور أحداث القصة حول لقاء مغترب عربي بفتاة غربية تم التعرف عليها، وهما صاعدان في الدولاب/ عين لندن، والذي تتضح صورة المدينة/المكان/لندن من خلاله، وتتكشف مفاتنها المكانية البراقة الدالة على حداثتها ووجها العصري الجميل، كما يقول:

((ارتفع الدولاب درجة أخرى ، وصرنا في منتصف ارتفاعه تقريباً وبدت لندن كعروس تنزع عن كتفيها شالاً، فيبين جمال كتفيها وصدرها)) ( ).

ويستمر الحوار الذي أتكأ عليه القاص في تنمية فاعلية الكلام وتنمية وتيرة الحدث عبره، لتتكشف ثقافة الآخر الغربي الانسان( الفتاة)، والمكان(لندن)، ورؤيتها الاستشرافية نحو المستقبل. لقد حقق العنوان وظيفة ثقافية وإحالية استدعائية مكن القارئ من التقاط الدلالة المختزلة فيه، والتي بنى عليها الدلالة الكلية للنص.

ب- عتبة الغلاف:

عُد الغلاف من العتبات النصية المهمة والأساسية، فهو بمثابة بوابة رئيسة، أول ما تطالع عين القارئ وتستفز خبراته العقلية والذهنية، وتغريه لفك مدلولاته العميقة، بوصفه مجموعة من العلامات البصرية الأيقونية والشكلية التي تدعم القارئ بتأويل مناسب لما يتشظى في المتن النصي، فضلاً عن ذلك فهو ((يحيط بالنص ويغلفه ويحميه، ويوضح بؤره الدلالية من خلال عنوان خارجي مركزي أو عبر عناوين فرعية، تترجم لنا أطروحة النص أو مقصديته أو ثيمته الدلالية العامة))( )، فالغلاف عبارة عن ((فضاء مكاني؛ لأنه لا يتشكل إلا عبر المساحة، مساحة الكتاب وأبعاده، غير أنه مكان محدد ولا علاقة له بالمكان، الذي يتحرك فيه الأبطال، لأنه مكان تتحرك على الأصح فيه عين القارئ، إنه بكل بساطة فضاء الكتابة الرواية باعتبارها طباعية))( )، فهو أول ما يلفت ويشد انتباه القارئ ويجذبه إليه، لاشتماله على عدد من الايقونات تحمل دلالات ترتبط بالنص السردي ومن بينها العنوان وصورة الغلاف واللون، هذه العناصر التي تشكل محيطاً له أهمية تعادل المتن السردي، ولا يمكن بأي حال تجاوز صفحة الغلاف لما تحتوي عليه من أهمية بالغة ووظائف متعلقة بالنص والمتن( )،إذ تتحول هذه العناصر المتعددة ضمن إطار الغلاف إلى ما يشبه الشفرة الثقافية الموازية لدلالات المعطى اللفظي في النص، ولذلك نجد المؤلف مع الناشر يحرصان على تنفيذ التصميم الفعّال للغلاف، الذي يلفت انتباه القارئ ويثير إهتمامه، لأن(( الإخراج الطباعي يمارس الضغط على الدلالة البصرية لتكون سنداً للدلالة المضمونية وليس مغيباً لها، فهو ليس حلية شكلية كما يتوقع البعض، وإنما هو نص رديف أو محيط بالنص الأساسي يؤثر ويتأثر بما حوله))( )، لذا ينزاح الغلاف عن وظيفته التزيينية إلى الوظيفة الخطابية ليشكل رؤية مؤيدة لما يرتضيه الكاتب لنصه بوصفه دالاً بصرياً، فنحن بصدد تمازج بين شعرية المكتوب وشعرية البصري، لأن العين هي النافذة الأكثر إتساعاً التي ندرك عبرها تشكيلات النص. وينقسم الغلاف في أي عمل تأليفي إلى قسمين أساسيين:

-القسم الأول: يحتوي على الواجهة الأولى الأمامية، التي يدوّن فيها اسم الروائي واسم العنوان والمؤشر الجنسي( شعر، قصة، رواية )، والصور والرسومات واحياناً بيانات النشر

– القسم الثاني: يحتوي على الواجهة الخلفية، التي قد تختلف وتتباين ما بين عمل وآخر، فهناك من يدرج السيرة الذاتية للمؤلف، وهناك من يضع مقتطفات من العمل، والبعض يستحضر شهادات إبداعية ونقدية للعمل المنشور أو لمؤلفه، إلى غيرها من الحقول والاشهارات المختلفة( ).

ومن خلال النظر في غلاف المجموعة القصصية (عين لندن) تتضح لنا مجموعة من الايقونات أو العناصر الشكلية التي تحمل دلالات مكانية تشير إلى الفضاء الغربي  لندن مثل صورة / الناعور/ عين لندن، واللون ، هذا إلى جانب اسم المجموعة والمؤلف الذي دون أيضاً باللغة الانكليزية إلى جانب اللغة العربية. في حين تم تحديد نوع العمل الأدبي، وكشف جنسه بـ( القصصي) وبهذا فقد أبرم الكاتب  بتلقي كتابه على أنه مجموعة قصصية وليس رواية أو شعر, كما الزم القارئ بتأويل وقراءة كتابه ضمن حدود الجنس القصصي والدوران في فلك تقنياته المعروفة سلفاً بين الطرفين المؤلف والقارئ. وأول هذه الايقونات البارزة في الغلاف/ الواجهة الأمامية التي تلفت نظر القارئ  اللون:

اللون :

            يشكل اللون عنصراً مهماً من عناصر الغلاف الخارجي، وعلامة مهمة من علامات النص الموازي، يتعين على الباحث تلمس أبعاده وتأمل دلالاته وإشاراته، فهو يمثل أيقونة بصرية لها دور فعّال في قراءة النص وفك شفراته. ويمتلك سيمياء تشكيلية تؤدي دورها في إنتاج المعنى، وله خصائصه الانفعالية والدلالية التي يستجيب لها البصر من الوهلة الأولى،( ).

 اعتمد القاص فاتح عبد السلام على اللون الأزرق الذي طغى على الجزء الأكبر من مساحة الغلاف، ولاشك أن لهذا اللون دلالته المرتبطة بالنص الموازي أو بالمتن القصصي وإيحاءاته الدلالية، إذ يرتبط اللون الأزرق بدلالات عدّة فهو يشكل مساحة كبيرة في الاهتداء الطبيعي، لمناظر الدنيا الفسيحة، فالإنسان بطبيعته يميل إلى البحث عن صفاء الروح وراحة البال التي يجدها في اللون الازرق، فهذا اللون ينقلنا إلى عالم الصفاء والشفافية لاتصاله بعالم السماء، فضلاً عن الغموض والرهبة لاتصاله بعالم المحيطات والبحار، ومن هنا تتوقف دلالة اللون الازرق على السياق الذي يرد فيه، فأحياناً يخرج إلى معانٍ سلبية تتصل بالمرض والتعب والموت.( ) فهو يحمل أكثر من ايحاء ودلالة ومن الناحية النفسية فإن اللون الازرق يمثل الهدوء الذهني ويساعد على الارتخاء؛ لذلك يحرص النفسيون على ارتداء الملابس الزرقاء للتأثير في العواطف والمشاعر من أجل خلق الاحساس بالاتزان النفسي واستقراره، كما يدل على النفوس الحساسة التواقة لعالم من الهدوء والتركيز بعيداً عن عالم الصخب( ) .

 فعندما نتجول داخل متن المجموعة نجد أن هذا اللون أعطى فضاءً جمالياً مع عين لندن، ودلالته السيميائية على خصوصية المكان لندن، ونهرها العظيم.

 جاء في القصة:

((هنا العيون تتأمل المكان وتمسك بالأشياء لا تدعها تمر بسرعة، كأنها تبحث عن شيء مفقود. والآذان كذلك تحب أن تسمع كل شيء، والشفاه باسمة هامسة، رفعت عيني إلى أعلى عبر النهر، كانت البنايات العالية كجدات يرتدين معاطفهن الصوفية ويحنون على حفيداتهن في ليلة ينقصها الدفء)) ( ).

 ومن هنا اعتمد الناشر على منح المجموعة عين لندن لوناً مستلاً من فضائها الواقعي والذي اخذ مساحة واسعة في الغلاف الخارجي، في حين جاء عنوان المجموعة واسم المؤلف باللون الابيض ولهذا اللون دلالته التي لا يمكن تجاهلها ايضاً في حضورها النصي، إذ يرتبط اللون الابيض بمعاني الوضوح والنقاء والجمال، ويدل على قيمة صاحبه ومركزه الاجتماعي لما له من دلالة على المستوى الشخصاني البروتوكولي. وهكذا نجد أن المجموعة القصصية تخللها مساحات وعوالم تشكيلية تفاعلت مع المتن والعتبات الداخلية لها.

-اللوحة :

            إذا كان الغلاف هو الواجهة الرئيسة للكتاب، فإن الصورة المرسومة عليه – في الغالب- هي التي تشد القارئ وتجذبه، فهي من أكثر العتبات البصرية التي تلفت الإنتباه، إذ تشكل ظاهرة تواصلية  بصرية( ) ، كما تشكل  قراءتها عملية ثقافية ومعرفية يهدف من خلالها القارئ الى تحليل واستنتاج دلالاتها التي تشير إليها.

             يمكننا القول بأن القارئ بإمكانه قراءة لوحة الغلاف بوصفها نصاً مستقلاً تنتج شِعريته من خلال علاقته بالعنوان، فضلاً عن اسم المؤلف الذي يسهم في إضاءة هذه القراءة( )، ومن هنا تعدّ لوحة الغلاف (( أيقونة بصرية وعلامة تصويرية وتشكيلية، فهي عبارة عن رسومات كلاسيكية واقعية رومانسية وأشكال تجريدية ولوحات فنية لفنانين مرموقين لعالم التشكيل البصري أو فن الرسم، بغية التأثير في المتلقي والقارئ والمستهلك))( )، إذ تتسم عملية تفعيل المناخ النصي، مفرداته، شخوصه، حركيته، موضوعه بوساطة الرسم لإنجاز عمل صوري يوازي العمل اللغوي ويقترن به في عملية ترجمة متبادلة حيث تتحول عملية نقل الرسام من كونها تجسيداً لإحساساته وإرهاصاته الذاتية المحايدة إلى عملية تجسيد مرتبط بالنص( ).

تعد الصورة من أكثر العتبات التي تشد الانتباه، وتعبر عن المدلول اللغوي، فهي ظاهرة بصرية، وقد اختزلت صورة غلاف المجموعة القصصية لفاتح عبد السلام دلالة الفعل الحكائي للمجموعة، فصورة الناعور (عين لندن) جاءت بوصفها أداة تعبيرية مترجمة للعنوان وللمتن، علامة تشكيلية تندرج ضمن الرسم الفوتوغرافي المستوحاة من صورة المكان الغربي لندن. إنها تمثل وجه المدينة الأكثر بهاءً وتحضراً، والتي تزينها الاضواء البراقة والاشجار المزينة كما نشاهده في صورة أعياد الميلاد، ومن هنا أتت اللوحة  الناعور ( عين لندن) بلون فضي وسط فضاء الغلاف المرسوم باللون الأزرق الغامق، منحها بروزاً واضحاً ، إذ تظهر  لندن عبر هذه اللوحة بوجهها المشرق والأكثر رومانسية وأناقتها التي أعطت مساحة بصرية تثير ذهن القارئ وتستفزه للدخول إلى مضامين المتن السردي. ومن هنا تبلورت اللوحة المرسومة عن عين لندن/ الناعور، بوصفها البؤرة والمركز الذي تنطلق منها أحداث المجموعة والقصة الأولى التي تحمل عتبة العنوان الرئيس، إذ تنبع أهمية اللوحة وحضورها الدلالي بوصفها موجهاً قرائياً يمنح المتلقي ويغريه بالدخول نحو فضاءات المتن وكشف فحواه لما علق في ذهنه بعض من اشارات اللوحة ودلالة العنوان.

            وقد ساندت هذه الصورة فكرة ومضمون المجموعة وجاءت منسجمة معها، حيث تشير إشارة رمزية إيحائية للمتن القصصي، وتحمل علاقة وثيقة بدلالات النص، وهذا ما جعلها تستفز المتلقي وتثير هواجسه من أجل الدخول إلى عالم المجموعة وكشف فحواها. ذلك لأن الكاتب عمد إلى توظيف لوحة غلاف دالة من الناحية السيميائية بما تختزنه من وحدات دلالية صغرى تمثل معاني سردية وفعلية .

-المؤلف:

            يعد اسم المؤلف من العناصر الرئيسة في عتبة الغلاف، والتي لا يمكننا تجاهله، لكونه يسهم في تثبيت هوية الكاتب ويعرف به. ذلك أن إعلان انتساب النص إلى صاحبه باسمه الصريح يعمل على تحقيق عددٍ من الأهداف والوظائف، ولعلَّ من أبرزها وظيفة التسمية التي تعمل على تباين هوية العمل للكاتب، وكذلك وظيفته التي تحفظ الحقوق القانونية والأدبية دون تنازع أو خلاف، فضلاً عن الوظيفة الاشهارية التي تعد الواجهة الإشهارية للكتاب ، وصاحب الكتاب الذي يكون اسمه عالياً مخاطباً بصرياً لشرائه وإقتنائه( ).

لقد جاء اسم المؤلف مدون باللغتين العربية والانكليزية وهو( فاتح عبد السلام) قاص عراقي وروائي مشهور، يقيم حالياً في مدينة لندن، يحمل شهادة الدكتوراه في الأدب العربي، صدرت له أعمال روائية ومجاميع قصصية وكتب نقدية متعددة.وقد تموضع اسم المؤلف فاتح عبد السلام في أعلى صفحة الغلاف بخط أبيض بارز، بينما جاء اسمه باللغة الانكليزية مدون باللون الازرق الباهت التي لا يكاد يبصره القارئ إذ لم يركز على الغلاف بتأني، فضلاً عن ذلك ورد اسمه بدرجة أقل بروزاً من خط العنوان، ربما جاء هذا التصميم من قبل الناشر في اعطاء العنوان مكاناً أكثر وضوحاً من اسم المؤلف على اعتبار أن اسم المؤلف مشهور تداولياً ومعروف لدى المثقف العربي والوسط الأدبي ولا سيّما في مجال القصة. وما كان حضور اسم المؤلف فاتح عبد السلام قبل العنوان سوى رغبة لإبرازه لدى القارئ وجعله يعرف بالمؤلف قبل اسم المجموعة، لان هناك من القراء  كثيراً ما تشغله الاسماء الادبية  باقتناء مؤلفاتها قبل عناوين الكتب، كما جاء اسم المؤلف بصيغته التعريفية الثنائية( فاتح عبد السلام)، نظراً لشهرته وعدم وجود اسماء مشابه له لكي تشكل على القارئ فاكتفى الناشر بحضور اسمه الثنائي، كما هو مشهور في عالم النشر.

 ثبت المصادر والمراجع

أولاً: الكتب

_ ألوانك دليل شخصيتك، فدوى حلمي، دار اليازوري العلمية للنشر والتوزيع، عمان – الأردن، الطبعة العربية، 2007.

_ بنية النص السردي من منظور النقد الأدبي، حميد لحمداني، المركز الثقافي العربي، المغرب، ط3? 2000.

_ تداخل الفنون في القصيدة العراقية الحديثة، دراسة في شعر ما بعد الستينيات، كريم شيغدل، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد – العراق، ط1? 2007.

_ سيمياء العنوان، بسام قطوس، وزارة الثقافة ، عمان- الأردن، ط1? 200

_ سيميائية الخطاب الغلافي في الرواية العربية- الغلاف عتبة ضرورية لفهم النص الإبداعي، جميل حمداوي، مجلة عتبات الثقافية.

_ شعرية النصوص الموازية، عتبات النص الأدبي، جميل حمداوي، منشورات المعارف، المغرب، 2014.

_ عتبات جيرار جينيت من النص إلى المناص، عبد الحق بلعابد، الدار العربية للعلوم ناشرون، الجزائر، ط1? 2009.

_ عين لندن( قصص)، فاتح عبد السلام، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت-لبنان، ط1? 2011.

_ معجم مصطلحات نقد الرواية، د. لطيف زيتوني، مكتبة لبنان، ناشرون، دار النهار للنشر، بيروت – لبنان، ط1? 2002

_التشكيل البصري في الشعر العربي الحديث(1950-2004)? محمد الصفراني، المركز الثقافي العربي، بيروت- لبنان، ط1? 2008.

_التعالق النصي بين الرواية والتاريخ رواية “موت صغير” لمحمد علوان- نموذجاً، جابر محمد النجادي، دائرة الثقافة، الشارقة، ط1? 2019.

_العنوان وسيموطيقيا الاتصال الأدبي، د. محمد فكري الجزار، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة- مصر، 1988.

_ثريا النص، مدخل لدراسة العنوان القصصي ، الموسوعة الصغيرة (396)? محمود عبد الوهاب، دار الشؤون الثقافية العامة، وزارة الثقافة والإعلام، بغداد- العراق، 1995.

_عتبات الكتابة في الرواية العربية، د. عبد الملك أشبهون، دار الحوار للنشر والتوزيع، اللاذقية- سورية، ط1? 2009.

_معجم السرديات ، محمد القاضي وآخرون، دار محمد علي للنشر، تونس، ط1 2010.

ثانياً: الدوريات

_ السيموطيقيا والعنونة، جميل حمداوي، مجلة عالم الفكر ، مج(25)? ع (34)? س(1997).

_ في التعالي النصي والمتعاليات النصية، محمد الهادي المطوي، المجلة العربية للثقافة والعلوم ، السنة السادسة عشر ، ع(32)? س(1997).

_ مفهوم الرواية السيرية، عمر الطالب، مجلة صوت نينوى، ع(1)? س(1997).

_أطراس الأدب في الدرجة الثانية، جيرار جينيت، ترجمة: المختار حسني، مجلة فكر ونقدww.aljabriabad.com

ثالثاً: الرسائل الجامعية

_شعرية الألوان في النص الشعري الجزائري المعاصر فترة (1988-2007)? صديقة معمر، رسالة ماجستير، كلية الآداب واللغات، قسم اللغة العربية، جامعة منتوري- قسنطينة- بإشراف: يحيى الشيخ صالح، 2010.

{ ناقد وأكاديمي

مشاركة