العاشق بالهالة البرتقالية

العاشق بالهالة البرتقالية

(1 )

ظل محدقا بصورته بعينٍ من حديد، لاهياً عن الأرواح التي تحلقت حوله وقد تناهى الى سمعها خبر الوافد الجديد، بالوهج البرتقالي، كان غريباً عليهم أن يروا هالة بهذا اللون، كانوا رأوا سابقا وافدين بهالاتٍ بيض،ناصعةٍ أو خافتة، أما بهذا اللون فشيئٌ يدعو للاستغراب حقاً ..

وقصة صاحبنا مع البرتقالي قصة صداقة وأنس، فقد رافقته بذلة العمل بهذا اللون اغلب اوقاته ، حتى صار يأنس له، ولايرتاح لغيره، ويتذكرُ انه كركر كثيرا حين اهدته امه أحد الايام ، بذلة رياضية من ( بالات ) الباب الشرقي ، وكان لونها برتقاليا أيضاً.. وكأن هذا اللون مقدرٌ له ، ومقاسٌ عليه..

تهجأ الكلمات المحفورة على شكل قوس أعلى صورته ،، ” ببالغ الحزن والأسى ينعى مدير عام بلدياتO . فقيدهم المأسوف على شبابه محمد طاهر جساب ، الذي راح ضحية عمل إرهابي جبان ” ، وتذكر كم كان الذي ينعاه بهذه اللافتة الفخمة جذلاً وقت تشييع جنازته ،كانت روحه قادرة على قراءة الافكار، وكان سيادته حسبها في باله جيداً ، كل ضحية من عماله ترحل للرفيق الأعلى تعني سنة إضافية له على كرسيه الوثير الناعم، اذ ليس من المعقول أن تعفي الحكومة مسؤولا عن منصبه، قدم في سبيل الوطن ارواحا شابة من منتسبيه، والجود بالنفس .. لذا بالغ الأخير في الاعتناء باللافتة الضخمة التي علقت على واجهة الدائرة، وابدل بذلة عامل النظافة التي كان يرتديها ( محمد جساب) الى بذلة رسمية فخمة، وربطة عنق أنيقه..

قاطع يديه على صورته بالطول والعرض، وفكر انه لو أهمله القدر ستة شهور أخرى لكان استطاع ان يشتري مثل هذه البذلة، بفخامة اقل طبعا، يتبختر بها امام ناهدة، حبيبته الودودة، ويحها حينئذ أن تدعوه البرتقالة كما كانت تمازحهُ دائماً ..

أحس هذه الأثناء بشوقٍ حارٍ لها، وهي التي أحبته دون أن تعرف اسمه الكامل حتى، أو عنوان منزله، كيف هي الآن وهي المعتادة على رؤيته فجر كل يوم، يتكلم بحزم ورجولة معها، بعيننين مغمضتين عن جسدها، وقلب مفتوحٌ الى روحها المحبة المرحة، وتمنى ان يراها الآن،ولم يستوعب بعدُ إن الأمنيات في هذا العالم تُجاب ..

تذكر، فيما تذكر، انه عاهدها عند خضر الياس، في الموعد الأول حين التقاها هناك، انه لن يفارقها، واذا حدث وكان ذلك، فسوف يقدم لها عذراً للفراق يليق بقلبها المترع بحبه..

(2)

في الجانب الآخر من العالم الآخر، كانت تنتظره بلهفة أم، يوم ، يومان ،اسبوعان ، وكانت لاتتجرأ أن تسأل العامل الجديد، ذو الشعر الأشيب،عنهُ، لا لخجل ، فلهفة الشوق امضى واكثر إيلاماً من مجرد خجلٍ عابر، لكنها خشيت أن يكون حيثُ يسرحُ عقلها أحياناً، فترد افكارها السود هذه بما تبقى لها من قلب .. اذ كانت طالعت في عاجل لأحد القنوات ان ارهابياً فجّر نفسه في حشدٍ من عمال النظافة، وقت استلام اجورهم الشهرية الزهيدة..

في الأسبوع الثاني، قبل الفجر حتى، فاض بها الشوق، حتى ملأ مقلتيها، لم تكن تظن إن فراقه سيهدمُ روحها بهذا الشكل المخزي، بدشداشتها وبنعلها البيتي، غبشت نحو خضر الياس، هو كان اول شاهدٍ على لقائهم الأول، قالت له حينها “انها ستكون مع امها، فليحذر من أي ( وكاحة ) ” ، وبينما كانت ارجلهم تغرق في ماء دجلة، حلفته بخضر الياس ان لايفارقها ابداً، واذا حدث وكان ذلك، فليقدم لها عذراً للفراق يليق بقلبها الصغير الناعم، الذي لايتحملُ قسوة الرجال،وحلف ..

كان صوتُ وخط نعالها على البلاط الأسمر واضحاً، لم تكن قادرة على رفع قدميها وهي تمشي كي تسكت الصوت، كانت منهكة حد الإعياء، وهي تغذ الخطى كانت تبكي كثيراً وتضحكُ مرات مثل المخبولة، تبكي لفراقه وتكركر حين تتذكر ( سوالفه المملوحة ) ، ،كان يبدو لها ان الطريق يستطيل امامها، رغم انها كانت تقطع المسافة بدقائق وهي مع امها حين تزور المقام وتدفع لوح الشموع في شط دجلة، ناذرةً من أجل حبها كل ماتملك، استندت لحائط المقام الأخضر، باستهُ ومسحت خدها عليه، وقبلّت اكف الحناء المنثورة على إمتداد الحائط،( ياخضر الياس، دخيلك )، دموعها كانت تحرق قلبها الحلو، ثم نحت الى حيث كان لقاؤهم الأول،قرب الجرف، ومدت رجليها في الماء المنساب بعذوبة،احست بلفحة بردٍ منعشة ونسيمٌ بعطرِ الياس، كانت قادرة أن تحلف انها لم تكن نائمة حين أحسّت بيد تمسحُ على رأسِها، وشعورٌ كأنهُ إلتقاء شفتينِ حارتين جبينها الواسع، وحين انتبهت، كانت الشمس تطلع على استحياء، وكان الفجرُ وقتها لها وحدها، أحست بسعادةٍ مفاجئة تغمر روحها الملتاعة، وتلاطمت الأمواجُ عند قدميها، كأنها تداعب قدميها وحدها، انفرجت شفتاها بحبٍ وفرح، فقد كان لونُ الفجر المحيطُ ببغداد في تلك اللحظة، باللون الذي عشقته وستعشقه طول عمرها، كان الفجرُ بلون البرتقال ..

عقيل عبدالله  – الديوانية