الطفولة العفوية – إلهام ألعبيدي

416

الطفولة العفوية – إلهام ألعبيدي

شاهدته يتوسد الحجر في شارع تفيض أرضه بكنوز من الذهب الأسود. وهو يفترش الأرض ويلتحف الشمس اللاهبة التي حولت حمرة خدوده إلى قشور سوداء ذابلة في هذا الوطن الذي دمر الفساد والتخريب الإداري والاقتصادي والاجتماعي . كان والده يسكن في هيكل من الأعمدة البالية وبقايا علب الزيت والصفيح الخاوي الذي يمزقه الهواء وقت ما يشاء . ومع هذا كان مقتنعا بهذا الواقع البائس الذي يحرق ويمزق القلوب , ومع هذا تلاحقه المظاهر الحضارية للأقسام البلدية لأن منظره يسيء لجمالية الشارع الذي تلعب به الأزبال وأكوام القاذورات الآتية من ترف أولئك الأقزام الذين يعيشون على معاناة الأمة القائمة على الظلم والفقر والجوع والعطش . هكذا تعيش أغلب العوائل الجائعة التي ينتشر أولادها من الإناث والذكور في شوارع المدن … لأن الأطفال يتوسدون الحجر على أرصفة المترقين تحرق وجوههم الشمس اللاهبة وتمزق أجسادهم حرارة الأرض الحارقة . وغيرهم يتباهون بوسائد من الذهب و أفرشة من الحرير المزخرف بخيرات العراق التي ضاعت بداخله واستثمرت بخارجه . ومع كل هذه المأساة التي يعاني منها أغلب الناس يعتزون بوطنهم , ويهوائه ومنه , بأهله وخيراته حتى أقسموا أن بقاءهم في وطنهم نعمة لا تضاهيها قصور الفاسدين وع?ش المترفين , لأن الوطن باق مهما جار الزمن , ومهما شاع الفقر والعوز وقهر المستبدين الفاسدين . فالأرض أرضي والعراق عراقي . مهما جار علينا الزمان وطغى الطغاة واستبد الفاسدون والعملاء.

مشاركة