الطفل .. الحلقة الأخطر والأهم في بناء الأمم – صباح هليل صالح

أين هو في المعادلة السياسية المعاصرة ؟

الطفل .. الحلقة الأخطر والأهم في بناء الأمم – صباح هليل صالح

نتابع من سنوات غير قليلة إهتمام العديد من المنظمات المعنية بالطفولة وعدد من الأساتذة المختصين بالشأن الاجتماعي، الذين يتناولون مشاكل الطفولة في العراق كالعنف الأسري والعمالة وغيرها، وهذا جهد يشكرون عليه، ولكن، نادرا ما نجد من قرع جرس الإنذار بضرورة التنبه والإلتفات الى الطفل بوصفه أخطر وأهم حلقة في بناء المجتمعات والأمم، والى أهمية الإستفادة من تجارب الدول التي سبقتنا في وضع آليات تربوية ومناهج علمية مدروسة وطرق تنشئة حديثة، كفيلة برعاية وصقل مواهب وزرع قيم أخلاقية ومبادئ إنسانية إبتداء من رياض الأطفال والمراحل التي تليها، ما يعرف بعملية بناء الإنسان.

فالإنسان صناعة، حاله حال أي منتج آخر، لها قواعدها وتقنياتها وموادها الأولية الداخلة في التصنيع، وتمر بمراحل إنتاج متسلسلة، وقد حقق العراق بعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 نجاحات طيبة في تحضير هذه المواد الأولية، حتى إذا ما بلغنا منتصف القرن العشرين ومقترباته، كانت هناك عناية وإهتمام بتنشئة الأطفال، ما جعل مساحة النخب المتنورة  في إزدياد مطّرد، وما زال فقهاء علم الاجتماع يشيدون بتلك الأجيال التي بلغ ثمار زرعها عقدي الستينيات والسبعينيات، قبل أن تتراجع صناعة الإنسان وتفسد مواده الأولية كنتيجة متوقعة للحكومات الفاشلة في أغلبها.

 عنف يومي

هناك أمران دفعانا لكتابة هذه المقالة، الأول هو إزدياد حالات العنف اليومي والجنايات والجنح وسوء السلوك التي تملأ شوارع العراق، ولا حاجة لتفصيلها وإختيار نماذج منها فوسائل الإعلام على إختلافها تتناولها بشكل يومي، إبتداء من النزاعات العشائرية، مرورا بحوادث اللجوء الى العنف المفرط والتصفية الجسدية التي أصبحت تتكرر كثيرا منذ أعوام غير قليلة، وإنتهاء بالإنحلال الأخلاقي وتفشي وتعاطي المخدرات.

والأمر الثاني هو مطالعتنا في الفترة القريبة الماضية لمقالة نشرها أحد الأساتذة يكشف فيه تجاهل الدولة التام للمؤسسات المعنية بأدب وثقافة الطفل، مبينا الأسباب التي دعت المؤسسات البحثية في الدول المتحضرة منذ ثمانين عام الى إعادة النظر بكل وسائل وطرق التعليم وضرورة الاهتمام بتربية وتنشئة الأطفال، وأستعير هنا مقدمته:

(فور إنتهاء الحرب العالمية الثانية، إتجهت أنظار وإهتمامات المتخصصين بالبحوث الإنسانية والعلوم النفسانية والإجتماعية، الى دراسة ما رافقت هذه الحرب من أهوال ومجازر مروِّعة وبشعة كثير منها كان صادما، لكأن ما كانت تعتقده من تطوّر في العصر الحديث لم يغير شيئا من الطباع البدائية للبشر، بل هي لا تختلف بشيء عن سلوك الإنسان البدائي الذي لم تكن حياته تخلو من العنف والمجازر والوحشية المفرطة التي لازمت صراعاته في العصور القديمة.فأُنشِئَت في ضوء ذلك العديد من المراكز البحثية التي أخذت على عاتقها مراجعة كل تفاصيل تلك الحرب وما لازمها من سلوكيات ووقائع بشعة وفظائع خارجة عما يسمى بقواعد الحرب التقليدية، وتنافيها مع القيم الإنسانية والأخلاقية.

وكانت التوصيات التي أجمعت عليها معظم الدراسات، هي ضرورة الاهتمام بما يسمى «إعادة بناء الإنسان»، من خلال وضع قواعد علمية وتربوية ونفسية جديدة تهتم ببناء الطفل بناءً سليمًا خاليًا من الفطرة الحيوانية البدائية التي تتضمن في جانب منها الجنوح نحو «الوحشية والعنف»، فأصبح الطفل هو الهدف الأول في هذه المعادلة، وفي أية عملية إصلاح إجتماعي)(1).هناك واقعة تاريخية مهمة نود سوقها هنا، لأنها تؤشر وتختصر بوضوح ما نسعى له من هذه الكتابة، فهي تعكس أهمية بناء الإنسان منذ الطفولة ونتائج هذا البناء، وما يؤسف له أن معظم المهتمين بالعلوم الاجتماعية لم يتنبهوا لها، جاءت تلك الواقعة يوم غابت السلطة في روسيا لعدة أيام عام 1991 إثر إنهيار الإتحاد السوفياتي، فبرغم غياب السلطات الأمنية، وبرغم ضيق الأحوال المعيشية لعامة الشعب الروسي، لم تسجل أية حوادث إعتداء أو نهب أو عبث بالممتلكات العامة والخاصة، كالتي نشاهدها في معظم بلدان العالم خلال الإنفلات الأمني، وذكرتنا تلك المفاجأة الكبرى يومها، بما رواه مؤلف كتاب (موسكو عاصمة الثلوج) في السبعينيات: (إذا أردت أن تعرف من هو الملك في روسيا، فستتفاجأ بأنه الطفل)، بمعنى أنهم نجحوا ببناء إنسان سوي تقوده منظومته الأخلاقية الذاتية، وليس سلطتي الدولة والمجتمع، لذلك لم ينفلت المواطن الروسي أو يتهور ساعة إنفلات عقال السلطة وأدواتها الأمنية.وعطفا على ما جاء المقال المذكور، نذكر أن إهتمام الدولة العراقية بالطفل وإن جاء متأخرا، لكنه كان بداية مشرفة، ففي مطلع السبعينيات تأسست دار ثقافة الأطفال ومكتبة عامة للطفل ومدرسة الموسيقى والباليه، وتبعتها بعد سنوات إنشاء صالة للعروض السينمائية خاصة بالأطفال (سينما الفانوس السحري)، فضلا عن ضخ برامج تلفزيونية هادفة من بينها (سينما الأطفال)، وبغض النظر عن إختلافنا وخلافاتنا مع حزب السلطة آنذاك، إلا أنه بشكل عام كان حزبا محسوبا على المدنية وراعيا للقيم المدينية، فخصصت ميزانيات كبيرة لهذه المؤسسات، وعلى سبيل الإيضاح، فاق توزيع مطبوعات دار ثقافة الأطفال كل المجلات والإصدارات العراقية الأخرى، فهي لم تغطِ مساحة العراق وحسب، بل وصل توزيعها الى عدة بلدان عربية، وكانت هذه الدار قد إنتدبت خيرة الكتاب والأدباء والفنانين المتخصصين بأدب وثقافة الأطفال من عراقيين وعرب، حدث كل ذلك قبل أن يبتلى العراق بسلسلة الحروب والحصار، ما جعل هذه المؤسسات تدخل بما يشبه الموت السريري.

فوضى عامة

لكن المؤسف والغريب أن الدولة العراقية بعد العام 2003، التي كانت ولا تزال تعيش فوضى عامة وصراعات سياسية وسلطوية لا تتوقف، ناهيكم عن اليد الطولى للإسلام السياسي، ليس بين متنفذيها وأصحاب القرار فيها، من تذكَّر أن هناك مهمة أخلاقية وإنسانية وتنموية تسمى بناء الإنسان، والذي يبدأ حتما من بناء الطفل.

وبالعودة الى دار ثقافة الأطفال، فوجئنا بعد التحري أن هذه المؤسسة العريقة والمهمة فقيرة بكل شيء، بأدواتها ومستلزماتها وأثاثها، الى الحد الذي أصبحت فيه عاجزة حتى عن طباعة إصدارتها، برغم أنها تحولت من إسبوعية الى شهرية؟!

بل أننا وجدنا بعد التقصي أيضا، أن هذه الدار أصبحت منذ شهور عدة مشلولة تماما، فهي مدينة ماليا لدار الطباعة التي تتولى طباعة مجلاتها (الشهرية)، ومدينة الى الجهات الراعية لمعارض الكتب، وعاجزة عن تسديد إجور كتّابها المعتمدين، قبل أن تتوقف عن الإصدار.

والمؤسف، بل والخطير أيضا، أننا إكتشفنا من متابعاتنا الميدانية، أن كارثة تشويه (صناعة) الطفل العراقي لم تتوقف عند هذا الحد، بل أن هناك جهات نافذة إستغلت فوضى المناخ السياسي، فهي لم تكتفِ بأساليب التجهيل وتخريف الأذهان الممنهج الموجه للفتيان والشباب، بل عمدت الى نشر تلك الأساليب في مدارس الأطفال الصغار! والمؤكد هنا ودائمًا، أن الحكومات المتعاقبة وليس أحدا غيرها، هي من تتحمل كل هذه الإنهيارات المجتمعية وإنتشار أساليب العنف والتطرف والإنحراف والإنحلال التي نشاهدها يوميا، والمؤكد الآخر ان ثمار هذا الزرع المشوه للأجيال سيستمر الى أبعد من المستقبل المنظور.

  (1): سامر أكرم محمد الخفاجي/ إعادة بناء ثقافة الطفل/ جريدة الصباح 24 تموز 2025.