الطبقة الوسطى..ما لها وما عليها- الدكتور ابراهيم خليل العلاف

‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬أراء‭ ‬وتفسيرات‭ ‬استاذنا‭ ‬الدكتور‭ ‬علي‭ ‬الوردي‭ (‬1913‭_‬1995‭) ‬عالم‭ ‬الاجتماع‭ ‬العراقي‭ ‬المعروف‭ ‬وأهمية‭ ‬كتاباته،‭ ‬حول‭ ‬طبيعة‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي،‭ ‬وتفسيره‭ ‬لهذا‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬النظريات‭ ‬الثلاثة‭ ‬المعروفة‭ :‬‮»‬‭ ‬نظرية‭ ‬البداوة‭ ‬والحضارة‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬‭ ‬نظرية‭ ‬التناشز‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭ ‬و‮»‬‭ ‬نظرية‭ ‬ازدواجية‭ ‬الشخصية‭ ‬العراقية‮»‬،‭ ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬نعرفه‭ ‬عن‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬وعقده‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬وعلاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬العراقي‭ ‬بالبيئة،‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالسلطة،‭ ‬وظاهرة‭ ‬العنف‭ ‬الدموي،‭ ‬وظاهرة‭ ‬التشبث‭ ‬بالكراسي،‭ ‬وثقافة‭ ‬التسلط‭ ‬والاستبداد‭  ‬والانا،‭ ‬ونزعة‭ ‬التغلب،‭ ‬والحدية‭ ‬في‭ ‬التعامل،‭ ‬والأحادية‭ ‬في‭ ‬النظرة‭ ‬إلى‭ ‬الحياة‭ ‬والكون‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬يتصف‭ ‬به‭ ‬مجتمع‭ ‬الموصل‭ ‬من‭ ‬تحضر،‭ ‬وفردية،‭ ‬وعدم‭ ‬رضا‭ ‬عن‭ ‬السلطة،‭ ‬وهوس‭ ‬في‭ ‬النظافة،‭ ‬وثنائية‭ ‬العروبة‭ ‬والإسلام‭. ‬وثنائية‭ ‬الوطنية‭ ‬والقومية‭ . ‬وبغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬ما‭ ‬قاله‭ ‬الملك‭ ‬فيصل‭ ‬الأول‭ ‬ملك‭ ‬العراق‭ ‬مؤسس‭ ‬دولته‭ ‬الوطنية‭ ‬الحديثة‭ (‬1921‭_‬1933‭) ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬من‭ ‬انه‭ ‬لم‭ ‬يجد‭ ‬شعباً‭ ‬عراقياً،‭ ‬بل‭ ‬وجد‭ ‬كتلاً‭ ‬متنافرة‭ ‬لا‭ ‬يوحدها‭ ‬شعور‭ ‬وطني‭.. ‬أقول‭ ‬إن‭  ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬9‭ ‬نيسان‭ ‬2003‭ ‬،‭ ‬كان‭ ‬زلزالاً‭ ‬لم‭ ‬يترك‭ ‬أثاره‭ ‬السلبية‭ ‬على‭ ‬الدولة‭ ‬والجيش‭ ‬والمؤسسات‭ ‬وحسب‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬المنظومة‭ ‬القيمية‭ ‬والأخلاقية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وحتى‭ ‬اللغوية‭ ‬في‭ ‬العراق‭ .. ‬وها‭ ‬نحن‭  ‬وبعد‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬السنوات‭ ‬لازلنا‭ ‬نعيش‭ ‬أجواء‭ ‬الانقسام،‭ ‬وأجواء‭ ‬العنف،‭ ‬وأجواء‭ ‬التشدد،‭ ‬وأجواء‭ ‬القسوة،‭ ‬وأجواء‭ ‬الفساد،‭ ‬وأجواء‭ ‬الرشوة‭.. ‬فما‭ ‬الذي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نفعله؟‭ ‬وكيف‭ ‬نعيد‭ ‬إلى‭ ‬المجتمع‭ ‬وئامه؟‭ ‬وكيف‭ ‬نحقق‭ ‬التعايش‭ ‬السلمي‭ ‬بين‭ ‬أبنائه؟‭  ‬والاهم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬هذا‭ ‬كيف‭ ‬ننهض‭ ‬؟‭ .‬

وقبل‭ ‬الإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬كله‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬أطمأنكم‭ ‬بأن‭ ‬العراقيين‭ ‬شعب‭ ‬الكبرياء‭.. ‬شعب‭ ‬العنقاء‭.. ‬كلما‭ ‬احترق‭ ‬لهذا‭ ‬الطائر‭ ‬الأسطوري‭ ‬جناح‭ ‬،‭ ‬تسامى‭ ‬شامخاً‭ ‬في‭ ‬السماء‭ ‬وارتفع‭.. ‬لقد‭ ‬اثبت‭ ‬العراقيون‭ ‬أنهم‭ ‬شعب‭ ‬غير‭ ‬قابل‭ ‬للقسمة‭.. ‬وان‭ ‬عراقهم‭ ‬يجب‭ ‬إن‭ ‬يكون‭ ‬واحداً‭ ‬موحداً،‭ ‬وأن‭ ‬تاريخهم‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬حرباً‭ ‬أهلياً،‭ ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬حدثت‭ ‬ولن‭ ‬تحدث‭ ‬فإنها‭ ‬ستكون‭ ‬ليس‭ ‬بين‭ ‬كتلة‭ ‬وكتلة،‭ ‬وبين‭ ‬مدينة‭ ‬ومدينة‭ ‬بل‭ ‬بين‭ ‬غرفة‭ ‬وأخرى‭.. ‬وتاريخنا‭ ‬الطويل‭ ‬والعريق‭ ‬لم‭ ‬يشهد‭ ‬يوما‭ ‬حربا‭ ‬أهلية‭.. ‬كانت‭ ‬الحكومة‭ ‬عبر‭ ‬التاريخ‭ ‬العراقي‭ ‬تواجه‭  ‬المذهب‭ ‬الفلاني‭.. ‬وتواجه‭  ‬الحزب‭ ‬الفلاني‭ ‬،‭ ‬وتواجه‭  ‬القومية‭ ‬الفلانية‭ ‬وتواجه‭  ‬العشيرة‭ ‬الفلانية‭ ‬ولكن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬المذهب‭ ‬ولا‭ ‬الحزب‭ ‬ولا‭ ‬القومية‭ ‬ولا‭ ‬الدين‭ ‬ضد‭ ‬الدين‭ ‬الأخر‭ ‬أو‭ ‬القومية‭ ‬الاخرى‭ ‬مطلقا‭ . ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يشجعنا‭ ‬ويجعلنا‭ ‬متفائلين‭ ‬إزاء‭  ‬مستقبل‭ ‬شعبنا‭ ‬في‭ ‬العراق‭..‬

أن‭ ‬مايريده‭ ‬مجتمعنا‭ ‬لكي‭ ‬ينهض‭ ‬هو‭ (‬المنهج‭) .. ‬هو‭ ‬الطريق‭ ‬ولا‭ ‬أرى‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬منهجا‭ ‬،‭  ‬وطريقا‭  ‬يساعده‭ ‬في‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬عنق‭ ‬الزجاجة‭ ‬سوى‭ ‬المنهج‭ ‬الوسط‭  .. ‬والشيء‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬كله‭ ‬أن‭ ‬لدينا‭ ‬في‭ ‬تراثنا‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬مقومات‭ ‬النهوض‭.. ‬فالوسطية‭ ‬،‭ ‬والاعتراف‭ ‬بالأخر،‭ ‬والحكم‭ ‬الراشد‭ ‬مفاهيم‭ ‬ليست‭ ‬جديدة‭ ‬علينا‭ ‬،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬مفاهيم‭ ‬عرفتها‭ ‬حضارتنا‭   ‬،‭ ‬الكرامة‭ ‬والحرية‭ ‬والعدل‭ ‬والمساواة‭ ‬والسلام‭ ‬قيم‭ ‬أكد‭ ‬عليها‭ ‬الإسلام‭ ‬ودعا‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬بموجبها‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬تتعارض‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬المبادئ‭ ‬وتطيح‭ ‬بالتعايش‭ ‬الاجتماعي‭ ‬اثنان‭ ‬منها‭ ‬داخليان‭ ‬هما‭ ‬الاستبداد‭ ‬والظلم‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وثلاثة‭ ‬خارجية‭ ‬هي‭: ‬الاحتلال‭ ‬الأجنبي،‭ ‬والسيطرة‭ ‬الصهيونية،‭ ‬والهيمنة‭ ‬الثقافية‭ ‬الغربية‭ . ‬وألان‭ ‬،‭ ‬ماالوسطية؟

  ‬أقول‭ ‬أن‭ ‬مما‭ ‬يسود‭ ‬عراقنا،‭ ‬وحتى‭ ‬عالمنا‭ ‬العربي‭ ‬اليوم،‭ ‬من‭ ‬سلبيات،‭ ‬وإشكالات،‭ ‬وعقد‭ ‬واحباطات،‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬يفقدنا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ( ‬رؤية‭ ‬الهدف‭) ‬و‭( ‬تعلم‭ ‬الوسائل‭) ‬و‭(‬صولا‭ ‬إلى‭ ‬النتائج‭ ‬المتوخاة‭) .. ‬ولعل‭ ‬من‭ ‬ابرز‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نعمل‭ ‬من‭ ‬اجله‭ ‬هو‭ ( ‬توفر‭ ‬الهمة‭) ‬،‭ ( ‬وقوة‭ ‬العزم‭) ‬،‭ ( ‬وصدق‭ ‬الإرادة‭) ‬،‭ ‬والاهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالأطفال‭ ‬والشباب‭ ‬والتعليم‭ ‬،‭ ‬وانتهاج‭ ‬الطريق‭ ‬السلمي‭ ‬المرتكز‭ ‬إلى‭ ‬الموعظة‭ ‬الحسنة‭ ‬،‭ ‬والرحمة‭  ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬المشاكل‭.‬

    ‬إن‭ ‬الغلو‭ ‬،والتشدد‭ ‬،‭ ‬والتطرف،وعدم‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالأخر،‭ ‬والغلظة‭ ‬في‭ ‬التعامل،‭ ‬وغياب‭ ‬الرحمة‭ ‬،‭ ‬والخشونة‭ ‬،‭ ‬وسوء‭ ‬الظن‭ ‬،ورفض‭ ‬الأخر‭ ‬،‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬عرفها‭ ‬مجتمعنا‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬عصور‭ ‬الازدهار‭ ‬والنهوض،‭ ‬والفكر‭ ‬العربي‭ ‬والإسلامي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬جانبه‭ ‬السياسي‭ ‬والديني،‭ ‬فكر‭ ‬منفتح،‭ ‬متوازن‭ ‬معتدل،‭ ‬عملي‭ ‬،‭ ‬متسامح،‭ ‬عقلاني‭ ‬وواقعي‭. ‬والإسلام‭ ‬،‭ ‬كدين‭ ‬وثقافة،‭ ‬ثورة‭ ‬على‭ ‬الظلم‭ ‬والاستبداد‭ ‬ودعوة‭ ‬الى‭ ‬العدل‭ ‬والمساواة‭ ‬والصراع‭ ‬المستقيم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ميادين‭ ‬الحياة‭. ‬والاعتدال‭ ‬يتجسد‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬جانب‭ ‬العقيدة‭ ‬وحسب‭ ‬بل‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬جوانب‭ ‬العبادات،‭ ‬والمعاملات،‭ ‬والتشريعات‭ ‬وعلى‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬،‭ ‬فالوسطية‭ ‬ليست‭ ‬تيارا‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬،‭ ‬بل‭( ‬طريق‭) ‬،‭ ‬و‭( ‬منهج‭ ‬للتغيير‭ ‬والاستقرار‭)..‬

  ‬والوسطية‭ ‬كمنهج‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬،‭ ‬هي‭ ‬الناظم‭ ‬الرئيسي‭ ‬لمعادلات‭ ‬العيش‭ ‬الواحد‭ ‬وتوازنات‭ ‬الحكم‭ ‬وهي‭ ‬الضامن‭ ‬الحقيقي‭ ‬للوحدة‭ ‬الوطنية‭ ‬والوئام‭ ‬الاجتماعي‭ ‬فالحق‭ ‬المطلق‭ ‬ليس‭ ‬مع‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬ولابد‭ ‬للغة‭ ‬الاعتدال‭ ‬والمنطق‭ ‬أن‭ ‬يسود،‭ ‬والوسطية‭ ‬على‭ ‬هذا‭ ‬الأساس‭ ‬صنو‭ ‬الاعتدال‭ ‬والاديان‭ ‬والأعراف‭ ‬تأمر‭ ‬بالاعتدال،‭ ‬وتنهى‭ ‬عن‭ ‬التزمت‭ ‬والتعصب،‭ ‬وتنادي‭ ‬بالتسامح‭ .‬كما‭ ‬أن‭ ‬الوسطية‭  ‬تمثل‭ ‬اتجاها‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬النهضة‭ ‬،والتغيير،‭ ‬ومراعاة‭ ‬الواقع‭ ‬والزمن‭.. ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬التوسط‭ ‬أو‭ ‬التعادل‭ ‬بين‭ ‬طرفين‭ ‬متقابلين‭ ‬بل‭ ‬تعني‭ ‬اختيار‭ ‬الأفضل‭..‬‮»‬لتكونوا‭ ‬شهداء‭ ‬على‭ ‬الناس‮»‬‭ ‬أي‭ ‬ليكون‭ ‬لكم‭ ( ‬حضور‭) ‬و‭( ‬موقف‭) ‬ايجابي‭.. ‬ومعنى‭ ‬هذا،‭ ‬أن‭ ‬الوسطية‭ ‬ليست‭ ‬تسليماً‭ ‬بالواقع،‭ ‬وإنما‭ ‬هي‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الواقع‭ ‬لتغييره،‭.. ‬أنها‭ ‬تؤمن‭ ‬بالتدرج،‭ ‬واقتراح‭ ‬البدائل‭.. ‬إنها‭  ‬العمل‭ ‬المتواصل‭ ‬على‭ ‬تقديم‭ ‬النماذج‭ ‬الصالحة‭ ..‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬التشدد‭ ‬الذي‭ ‬يميل‭ ‬الى‭ ‬الانعزال‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭ ‬أو‭ ‬المواجهة‭ ‬العنيفة‭ ‬مع‭ ‬الواقع،‭ ‬فأن‭ ‬الوسطية،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تحمل‭ ‬مشروعا‭ ‬للتغيير‭ ‬ورفض‭ ‬الخضوع‭ ‬للأجنبي‭ ‬ورفض‭ ‬واقع‭ ‬التخلف‭ ‬والتجزئة‭.. ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تمثل‭ ‬الوسط‭  ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والباطل‭ ‬وإنما‭  ‬هي‭ ‬انحياز‭ ‬للعدل‭ ‬واحقاق‭  ‬للحق‭ .‬أنها‭ ‬لاتبرر‭ ‬الخضوع‭ ‬والاحتلال‭ ‬بل‭ ‬تبرر‭ ‬المقاومة‭ ‬لقوى‭ ‬الاحتلال‭ ‬والهيمنة‭ ‬الخارجية‭ . ‬وما‭ ‬لم‭ ‬ينته‭  ‬الحرمان‭ ‬،وينتهي‭ ‬الاستبداد،‭ ‬والظلم‭ ‬والبطالة‭ ‬والإقصاء‭  ‬والعدوان‭ ‬والاستعمار‭ ‬لن‭ ‬يهدأ‭ ‬الإنسان‭ ‬ولن‭ ‬يهدأ‭ ‬المجتمع‭ .. ‬ويقيناً‭ ‬أن‭ ‬الوسطية‭ ‬أذا‭ ‬ما‭ ‬أنتهجت‭ ‬فإنها‭ ‬ستؤدى‭ ‬إلى‭ ‬الاستقرار،‭ ‬والسلم‭ ‬السياسي‭ ‬والأهلي‭ ‬،‭ ‬فلا‭ ‬تنمية‭ ‬بدون‭ ‬استقرار،‭ ‬ولا‭ ‬استقرار‭ ‬بدون‭ ‬وسطية‭.. ‬

بقية‭ ‬المقال‭ ‬على‭ ‬الموقع

      ‬أن‭ ‬المنهج‭ ‬الوسطي‭ ‬يؤمن‭ ‬بالآخر،‭ ‬ولا‭ ‬يرفضه‭ ‬ويسعى‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تأمين‭ ‬نقاط‭ ‬التقاء‭ ‬مع‭ ‬الآخرين،‭ ‬ومن‭ ‬ثمار‭ ‬الوسطية‭ ‬زرع‭ ‬الثقة‭ ‬بين‭ ‬أبناء‭ ‬البلد‭ ‬الواحد،‭ ‬وهذا‭ ‬مما‭ ‬يشيع‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬المودة،‭ ‬وبناء‭ ‬علاقات‭ ‬اجتماعية‭ ‬ايجابية‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬التعصب‭ ‬والحقد‭ ‬والعنف‭ ‬وهذه‭ ‬تساعد‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتحقيق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬التي‭ ‬تهيئ‭ ‬المجال‭ ‬للتفاعل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الصحيح‭.‬

ولتتساءل‭ ‬أخيراً‭ ‬ومن‭ ‬هم‭ ‬المؤهلين‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬لقيادة‭ ‬منهج‭ ‬الوسطية‭ ‬والسعي‭ ‬باتجاه‭ ‬تحقيق‭ ‬الاستقرار‭ ‬والسلم‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة؟‭.. ‬وأقول‭ ‬وبكل‭ ‬صراحة‭ ‬أنهم‭ ‬أبناء‭ (‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭) ‬،‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬خلال‭ ‬الـ‭ (‬50‭) ‬سنة‭ ‬الأخيرة‭ ‬للتفكك‭ ‬،‭ ‬والذوبان‭ ‬والانهيار‭ ‬نتيجة‭ ‬استقطاب‭ ‬المجتمع‭ ‬الى‭ ‬قلة‭ ‬تحكم‭ ‬وتملك‭ ‬كل‭ ‬شئ‭.. ‬وكثرة‭ ‬لا‭ ‬تحكم‭ ‬ولا‭ ‬تملك‭ ‬شيئاً‭..‬

لقد‭ ‬تعرضت‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬التي‭ ‬قادت‭ ‬حركة‭ ‬التغيير،‭ ‬والتحرر،‭ ‬والاستقلال،‭ ‬وأسهمت‭ ‬في‭ ‬ترصين‭ ‬أسس‭ ‬وركائز‭ ‬المجتمع‭ ‬العراقي‭ ‬الى‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬التحديات،‭ ‬وانحسر‭ ‬دورها‭.. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬طبقة‭ ‬رأسمالية‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الغربي،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬طبقة‭ ‬اجتماعية‭ ‬متماسكة‭ ‬أحتل‭ ‬فيها‭ ‬المثقفون‭ ‬جزءاً‭ ‬ديناميكياً‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬دعوتها‭ ‬الى‭ ‬التحرر‭ ‬السياسي،‭ ‬والاجتماعي‭ ‬ونشاطها‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬قاعدة‭ ‬صناعية‭ ‬وطنية‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬قيود‭ ‬الحكومات‭.. ‬وتدخلاتها‭.‬

إن‭ ‬الوسطية‭ ‬ترتكز‭ ‬في‭ ‬أساسها‭ ‬على‭ ‬نمو‭ ‬وازدهار‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬خاصة‭ ‬ان‭ ‬حجم‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬يمثل‭ ‬مقدار‭ ‬العدالة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭.. ‬فهي‭ ‬المؤشر‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬السياسي،‭ ‬وهي‭ ‬الدالة‭ ‬على‭ ‬الاستقرار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي،‭ ‬وكلما‭ ‬اتسعت‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬وانتشرت،‭ ‬وازداد‭ ‬بعد‭ ‬المجتمع‭ ‬عن‭ ‬الفقر،‭ ‬والحرمان،‭ ‬والتطرف،‭ ‬والاحتقان‭ ‬لقد‭ ‬حدد‭ ‬الدكتور‭ ‬الفرد‭ ‬سوفي‭ ‬Sauvy‭ ‬في‭ ‬كتابه‭ ‬بالفرنسية‭ ‬الموسوم‭:‬

Theorie‭ ‬General‭ ‬de‭ ‬la‭ ‬population‭ ‬الصفحة‭ ‬242‭ ‬وفي‭ ‬دورية‭ ‬population  (‬العدد‭ ‬الرابع‭ ‬عام‭ ‬1951‭) ‬معايير‭ ‬للتخلف‭ ‬وقال‭ ‬أنها‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬عشرة‭ ‬معايير‭ ‬أبرزها‭: ‬1‭.‬ضعف‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬2‭.‬والنظام‭ ‬السياسي‭ ‬المستبد،‭ ‬،‭ ‬3‭.‬ونسبة‭ ‬الأمية‭ ‬العالية،‭ ‬4‭.‬وسيادة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الزراعي،‭ ‬5‭.‬والبطالة،‭ ‬6‭.‬وخضوع‭ ‬المرأة،‭ ‬7‭.‬وتشغيل‭ ‬الأطفال،‭ ‬8‭.‬وسوء‭ ‬التغذية،‭ ‬9‭.‬ونسبة‭ ‬الوفاة‭ ‬العالية‭ ‬بين‭ ‬الأطفال،10‭.‬والخصوبة‭ ‬المرتفعة‭. ‬ويقيناً‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬معايير‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬اقتصادي‭ ‬وسكاني‭ ‬وسياسي‭ ‬واجتماعي‭. ‬ويعلق‭ ‬الأستاذ‭ ‬الدكتور‭ ‬حافظ‭ ‬التكمجي‭ ‬في‭ ‬أطروحته‭ ‬للدكتوراه‭ ‬الموسومة‭:‬‮»‬‭ ‬مساهمة‭ ‬في‭ ‬دراسة‭ ‬مشكلة‭ ‬التخلف‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬العراق‮»‬‭ ‬،‭ ‬والتي‭ ‬ناقشها‭ ‬في‭ ‬كلية‭ ‬الحقوق‭ ‬والاقتصاد‭ ‬بجامعة‭ ‬باريس‭ ‬سنة‭ ‬1957‭ ‬على‭ ‬قول‭ ‬الفرد‭ ‬سوفي‭ ‬بأنه‭ ‬يؤيده‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬بأن‭ ‬التخلف‭ ‬ينطوي‭ ‬دائماً‭ ‬على‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬التبعية‮»‬‭.‬

إن‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬اهتماماً‭ ‬بالحفاظ‭ ‬على‭ ‬قيم‭ ‬المجتمع‭ ‬وأعرافه،‭ ‬وكذلك‭ ‬على‭ ‬السلم‭ ‬الأهلي،‭ ‬والنظام‭ ‬السياسي،‭ ‬والتطور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬،من‭ ‬خلال‭ ‬تمسكها‭ ‬بالمنجزات‭ ‬التي‭ ‬تحققها‭ ‬والتوازنات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التقليل‭ ‬في‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬فئة‭ ‬وأخرى،‭ ‬ومجلة‭ ‬وأخرى‭ ‬ومجموعة‭ ‬وأخرى‭.‬

إن‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬هي‭ ‬المحرك‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وهي‭ ‬المحرك‭ ‬الثقافي‭ ‬للمجتمع‭.. ‬وهي‭ ‬العقل‭ ‬المفكر‭ ‬فيه،‭ ‬الذي‭ ‬يسعى‭ ‬باستمرار‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬مصالح‭ ‬الوطن‭ ‬وتطويره‭ ‬وترسيخ‭ ‬مفاهيم‭ ‬المواطنة‭ ‬وتحمل‭ ‬المسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬المجتمع،‭ ‬وزيادة‭ ‬معدلات‭ ‬الدخل‭ ‬فيه‭ ‬ورفع‭ ‬مستوى‭ ‬معيشة‭ ‬الناس‭.. ‬كما‭ ‬أنها‭ ‬هي‭ ‬الطبقة‭ ‬الأكثر‭ ‬استهلاكاً‭ ‬لإنتاجه‭ ‬الوطني‭.. ‬وهي‭ ‬الطبقة‭ ‬الأكثر‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬التقدم‭.. ‬أنها‭ ‬تسعى‭ ‬لأن‭ ‬يأكل‭ ‬الناس‭ ‬أحسن‭ ‬الأكل،‭ ‬ويشربون‭ ‬أفضل‭ ‬الشرب‭ ‬ويلبسون‭ ‬أجمل‭ ‬الملابس‭ ‬ويسكنون‭ ‬أحلى‭ ‬السكن‭.. ‬وينعمون‭ ‬بالرفاهية‭ ‬والحياة‭ ‬الكريمة‭..‬

لذلك‭ ‬؛‭ ‬فإن‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬نجاح‭ ‬التعايش‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬،‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يشمل‭ ‬في‭ ‬منطلقاته‭ ‬معايير‭ ‬انتشار‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى،‭ ‬وخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التكامل‭ ‬بين‭ ‬مصلحة‭ ‬الفرد‭ ‬ومصلحة‭ ‬المجتمع‭ ‬وصولاً‭ ‬الى‭ ‬إيجاد‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التوازن،‭ ‬ونماء‭ ‬المجتمع‭ ‬وتطوير‭ ‬قدراته‭.. ‬وإذا‭ ‬ما‭ ‬أردنا‭ ‬لمنهج‭ ‬الوسطية،‭ ‬ولدعوة‭ ‬التعايش‭ ‬والوئام،‭ ‬والاستقرار‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬والنجاح‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إحياء‭ ‬وتوسيع‭ ‬قاعدة‭ ‬الطبقة‭ ‬الوسطى‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وإفساح‭ ‬المجال‭ ‬لها‭ ‬لأداء‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬إحداث‭ ‬التغيير‭ ‬المطلوب‭.‬

اختم‭ ‬حديثي‭ ‬هذا‭ ‬بقول‭ ‬الفيلسوف‭ ‬والشاعر‭ ‬والكاتب‭ ‬المهجري‭ ‬الكبير‭ ‬ميخائيل‭ ‬نعيمة‭ ‬1889‭-‬1988‭ ‬،وهو‭ ‬يخاطب‭ ‬بني‭ ‬قومه‭ :‬

إن‭ ‬لم‭  ‬تكن‭ ‬بئراً،‭ ‬فكن‭ ‬دلواً،

أو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬دلواً‭ ‬فكن‭ ‬حبلاً،‭ ‬

أو‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬حبلاً‭ ‬فكن‭ ‬بكرة‭ ‬في‭ ‬الأقل،

ولاتكن‭ ‬حجراً‭ ‬يطرحه‭ ‬العابثون

في‭ ‬البئر‭ ‬ليسمعوا‭ ‬ضجة‭ ‬الماء‭ ‬فيها‭ ‬

مؤرخ‭ ‬وكاتب‭ ‬عراقي

‭ ‬

     

     

‭ ‬

مشاركة