الطبقة السياسية الزئبقية

365

عبد‭ ‬الهادي‭ ‬كاظم‭ ‬الحميري

وضعت‭ ‬المعارضة‭ ‬العراقية‭ ‬سابقا‭ ‬والحاكمة‭ ‬الآن‭ ‬حجر‭ ‬المحاصصة‭ ‬في‭ ‬مؤتمرات‭ ‬لندن‭ ‬وصلاح‭ ‬الدين‭ ‬قبل‭ ‬التغيير‭ ‬ونصحت‭ ‬به‭ ‬بعده‭ ‬الحاكم‭ ‬الأمريكي‭ ‬بول‭ ‬بريمر‭ ‬فشرعنه‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الحكم‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬لغمت‭ ‬الدستور‭ ‬بمصطلح‭ ‬المكونات‭ ‬وضببت‭ ‬صلاحيات‭ ‬الحكومة‭ ‬الاتحادية‭ ‬والاقليم‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمصدر‭ ‬قوت‭ ‬الشعب‭ ‬الرئيسي‭ ‬النفط‭.‬

ثم‭ ‬جاءت‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬الديمقراطية‭ ‬فذهب‭ ‬الشعب‭ ‬الى‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع‭ ‬متحدياً‭ ‬الرصاص‭ ‬والمتفجرات‭ ‬وبدلا‭ ‬من‭  ‬أن‭ ‬تنمو‭ ‬الديمقراطية‭  ‬ويشتد‭ ‬عودها‭ ‬عقرتها‭ ‬الطبقة‭ ‬الحاكمة‭  ‬بحرمان‭ ‬الكتلة‭ ‬العابرة‭ ‬للطائفية‭ ‬من‭ ‬شرف‭ ‬محاولة‭ ‬تشكيل‭ ‬حكومة‭ ‬وذهبت‭  ‬الى‭ ‬بناء‭ ‬تكتل‭ ‬طائفي‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات‭  ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جذر‭ ‬المحاصصة‭ ‬بأبشع‭ ‬أشكالها‭ ‬وأوصل‭ ‬القيادات‭ ‬الطائفية‭ ‬السنية‭ ‬والشيعية‭ ‬الى‭ ‬درك‭ ‬توزيع‭ ‬المغانم‭  ‬والوظائف‭ ‬على‭ ‬الأقارب‭ ‬والأتباع‭ ‬وحماية‭ ‬الفساد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مفاصل‭ ‬الدولة‭ ‬وبيع‭ ‬المناصب‭  ‬وترك‭ ‬الشعب‭ ‬يقارع‭ ‬العوز‭ ‬والهوان‭  .‬

‭ ‬والأدهى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬العراقية،‭ ‬إقتدت‭ ‬بديمقراطية‭ ‬الدولة‭ ‬الجارة‭ ‬وتقاليدها‭ ‬في‭ ‬قمع‭ ‬الشعب‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬حفاظ‭ ‬الطبقة‭ ‬الحاكمة‭ ‬فيها‭ ‬بالسلطة‭ ‬والأسلاب،‭ ‬حيث‭ ‬إستبدلت‭ ‬دكتاتورية‭ ‬الفرد‭ ‬بدكتاتوريتها‭ ‬وإلتصقت‭ ‬بالسلطة‭ “‬كجيرة‭ ‬بزبون‭ ‬أبيض‭” ‬كما‭ ‬يقول‭ ‬المثل‭ ‬العراقي‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬تستلهم،‭ ‬الديمقراطية‭ ‬من‭ ‬منبعها‭ ‬الأصيل،‭ ‬بريطانيا‭ ‬في‭ ‬تقاليدها‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬سيادة‭ ‬البلاد،

في‭ ‬الديمقراطية‭ ‬البريطانية‭ ‬قدم‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬البريطاني‭ ‬الشاب‭ ‬ديفيد‭ ‬كاميرون‭ ‬إستقالته‭ ‬في‭ ‬تموز‭ ‬2016‭ ‬نظرا‭ ‬لتصويت‭ ‬الشعب‭ ‬البريطاني‭ ‬بفارق‭ ‬ضئيل‭ ‬لصالح‭ ‬خروج‭ ‬بريطانيا‭ ‬من‭ ‬الاتحاد‭ ‬الأوربي‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هناك‭ ‬أي‭ ‬إلزام‭ ‬قانوني‭ ‬أو‭ ‬اخلاقي‭ ‬أو‭ ‬حزبي‭ ‬يوجب‭ ‬هذه‭ ‬الاستقالة‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬الإستفتاء‭ ‬حراً‭ ‬لجميع‭ ‬المؤهلين‭ ‬من‭ ‬أفراد‭ ‬الشعب‭ ‬دون‭ ‬تبني‭ ‬أحزاب‭ ‬الحكومة‭ ‬أو‭ ‬المعارضة‭ ‬موقفاً‭ ‬بشأن‭ ‬الموضوع‭ ‬وبرر‭ ‬ذلك‭ ‬بقوله،‭ ‬إن‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬تتطلب‭ ‬قيادة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭.‬

وفي‭ ‬الماضي‭ ‬الأبعد‭ ‬وتحديدا‭ ‬في‭  ‬5‭ ‬آذار‭ ‬عام‭ ‬1982‭ ‬استقال‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬البريطاني‭ ‬اللورد‭ ‬كارنغتون‭ ‬ووزراء‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬وزارته‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬غزت‭ ‬الأرجنتين‭ ‬جزر‭ ‬الفوكلاند‭ ‬التابعة‭ ‬لبريطانيا‭  ‬حيث‭ ‬اعتبر‭ ‬أن‭ ‬حدوث‭ ‬هذا‭ ‬الغزو‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تتوقعه‭  ‬وزارته‭ ‬أو‭ ‬تمنعه‭ ‬تقصير‭ ‬في‭ ‬عمل‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬البريطانية‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬وانه‭ ‬يعتبر‭ ‬المسألة‭ ‬مسألة‭ ‬شرف‭ ‬رغم‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تخطأ‭ ‬الأرجنتين‭  ‬وتحسب‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬البريطانية‭ ‬بقيادة‭ ‬المرأة‭ ‬الحديدية‭ ‬مارغريت‭ ‬تاتشر‭ ‬ستقبل‭ ‬هذه‭ ‬الإهانة‭ ‬،‭ ‬ولم‭ ‬يسحب‭ ‬اللورد‭ ‬كارينغتون‭ ‬إستقالته‭ ‬رغم‭ ‬طلب‭ ‬مارغريت‭ ‬تاتشر‭ ‬منه‭ ‬ذلك‭ ‬مبينة‭ ‬له‭ ‬أنها‭  ‬أمرت‭ ‬الأسطول‭ ‬البريطاني‭ ‬أن‭ ‬يبحر‭ ‬مع‭ ‬المد‭ ‬البحري‭ ‬الصباحي‭ ‬من‭ ‬ميناء‭ ‬بورتسموث‭ ‬لإستعادة‭  ‬جزر‭ ‬الفوكلاند‭ .‬

الطامة‭ ‬الكبرى‭ ‬أن‭ ‬رجال‭ ‬السياسة‭ ‬والقيادة‭ ‬عندنا‭ ‬تعدَّوا‭ ‬مادة‭ ‬الزئبق‭ ‬في‭ ‬إفلاتهم‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأصابع‭ ‬من‭ ‬أية‭ ‬مسؤولية،‭ ‬فهم‭ ‬مشاركون‭ ‬في‭ ‬السلطة‭ ‬ومعارضون‭ ‬لها‭ ‬وما‭ ‬يدمي‭ ‬القلب‭ ‬حنقاً‭ ‬اليوم‭ ‬أنهم‭ ‬مع‭ ‬الشباب‭ ‬الثائر‭ ‬على‭ ‬الظلم‭ ‬وعلى‭ ‬الشباب‭ ‬بقنصه‭ ‬أو‭ ‬بالسماح‭ ‬بقنصه‭ ‬وضربه‭ ‬بالقنابل‭ ‬الصربية‭ ‬والإيرانية‭ ‬المصممة‭ ‬لقتال‭ ‬العسكر‭.‬

‭ ‬بدون‭ ‬لف‭ ‬أو‭ ‬دوران‭ ‬أو‭ ‬حوار‭ ‬أو‭ ‬لجان،‭ ‬بل‭ ‬بشجاعة‭ ‬الفرسان‭ ‬أيها‭ ‬الرؤساء‭ ‬الثلاثة‭ ‬فكّوا‭ ‬وثاقكم‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬وقولوا‭: ‬من‭ ‬هم‭ ‬القتلة‭ ‬وماذا‭ ‬ستعملون‭ ‬لوضع‭ ‬البلد‭ ‬على‭ ‬المسار‭ ‬الإنساني‭ ‬الديمقراطي‭ ‬الصحيح‭ ‬وكم‭ ‬يستغرق‭ ‬ذلك‭ ‬وما‭ ‬هو‭ ‬الموعد‭ ‬المتوقع‭ ‬للانتخابات‭ ‬المبكرة‭.‬

‭ ‬

‭ ‬

مشاركة