
الطالباني .. زعيم الجسور في السياسة العراقية – محمد علي الحيدري
يمثل جلال طالباني (1933 – 2017) إحدى الشخصيات الأكثر تأثيراً في تاريخ العراق الحديث، ليس بوصفه زعيمًا كرديًا فحسب، بل كفاعل سياسي وطني لعب دورًا محوريًا في صياغة مسار الدولة العراقية بعد عقود من الصراعات الداخلية. لقبه الشعبي “مام جلال” لا يقتصر على دلالة المحبة.
انتماء قومي
بل يختصر صورة الزعيم الذي استطاع الجمع بين الحزم والقدرة على التفاوض، بين الوطنية والانتماء القومي، وبين الحداثة والتقاليد السياسية.
منذ بداياته، تميز طالباني بقدرته على الجمع بين الانتماء الكردي والعمل الوطني، وهو ما تجلّى بشكل واضح في تنظيم المعارضة العراقية لنظام صدام حسين. هنا لم يقتصر دوره على الدفاع عن الحقوق القومية فقط، بل تجاوزها إلى بناء شبكة سياسية تضم مختلف أطياف المعارضة، لتشكيل جبهة وطنية يمكن أن تمثل خيارًا بديلاً عن الاستبداد، مع احترام التنوع الإثني والمذهبي. هذه الخبرة في المعارضة شكلت قاعدة لرؤيته لاحقًا عن ضرورة المصالحة والتفاوض كآلية لتثبيت الدولة.تأسيسه لـ الاتحاد الوطني الكردستاني لم يكن مجرد حدث حزبي، بل كان إعلانًا عن رؤية سياسية تقوم على التعددية والحوار. وبعد عام 2003، عندما أصبح أول رئيس للجمهورية من القومية الكردية، لم يكتف طالباني بتمثيل شعبه، بل سعى لأن يكون جسراً بين بغداد وأربيل، وبين المكونات العراقية المختلفة، ليؤكد أن السلطة ليست امتيازًا بل مسؤولية تتطلب التوازن والحكمة.
في قراءة أعمق لدوره، يظهر أن طالباني مثل نموذج الزعامة التي لا تكتفي بالقوة أو الهيمنة، بل تسعى لفهم الخصم واحتواء الخلافات. قدرته على المصالحة بين الفرقاء السياسيين، وخصوصًا في الفترات العصيبة بعد سقوط النظام السابق، تثبت أن السياسة الفاعلة لا تقوم على الانتصار اللحظي، بل على القدرة على بناء المشترك الوطني وحماية الدولة من الانقسام. إضافة لذلك، ظل طالباني مثقفًا واسع الاطلاع، قارئًا ومتابعًا للأحداث الإقليمية والدولية، ما منحه بُعدًا استراتيجياً في التعامل مع الملفات الداخلية والخارجية. هذا المزج بين الخبرة السياسية والرؤية الثقافية جعل منه شخصية فريدة في المنطقة، شخصية تستطيع أن تجمع المختلفين وتبني جسورًا بين النزاعات المستحكمة. رحيله في 2017 لم يقتصر على فقدان كردي عراقي، بل كان خسارة للعراق ككل. إن إرثه السياسي يظل درسًا واضحًا في أن الزعامة الحقيقية ليست في الانتصار الفردي أو الصراعات القصوى، بل في قدرة السياسي على الإصـــــــــغاء، وبناء التوافق، وحماية الدولة من التفكك، مع الحــــــــــــــــفاظ على الهوية القومية والمصلحة الوطنية في آن واحد.



















