الطاقة البشرية – عبد الحق بن رحمون

282

زمان جديد

أعظم‭ ‬طاقة‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬هي‭ ‬الطاقة‭ ‬البشرية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كلّ‭ ‬الطاقات‭ ‬التي‭ ‬اكتشفها‭ ‬الإنسان‭ ‬أو‭ ‬التي‭ ‬تمت‭ ‬صناعتها‭ ‬ضرورية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الطاقة‭ ‬البشرية‭ ‬نعمة‭ ‬من‭ ‬نعم‭ ‬الله‭ ‬العظمى‭. ‬

قد‭ ‬تنفذ‭ ‬الطاقة‭ ‬المصنعة،‭ ‬إلاَّ‭ ‬أن‭ ‬طاقة‭ ‬الانسان‭ ‬لا‭ ‬تنفد،‭ ‬مع‭ ‬إيمان‭ ‬هذا‭ ‬الانسان‭ ‬بالوجود،‭ ‬والايمان‭ ‬بالطاقة‭ ‬التي‭ ‬وضعها‭ ‬الله‭ ‬أمانة‭ ‬في‭ ‬قلبه‭ ‬وقلبه،‭ ‬ثم‭ ‬الايمان‭ ‬بتفكير‭ ‬شمولي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬تفكيره‭ ‬وعقله‭ ‬كل‭ ‬الانسانية‭.‬

لكن،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬منظمات‭ ‬عالمية‭ ‬بيئية‭ ‬وحكومات،‭ ‬تنادي‭ ‬وتشدد‭ ‬بضرورة‭ ‬المحافظة‭ ‬على‭ ‬الطاقات،‭ ‬والدعوة‭ ‬إلى‭ ‬استغلال‭ ‬الطاقات‭ ‬البديلة‭ ‬الريحية‭ ‬والحرارية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الانسان‭ ‬يبقى‭ ‬هو‭ ‬محرك‭ ‬هذه‭ ‬الطاقات‭ ‬بالعقل‭ ‬والارادة،‭ ‬لكن‭ ‬تجعل‭ ‬منه‭ ‬السياسات‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬المتفرج‭ ‬أو‭ ‬يكون‭ ‬الاستعلاء‭ ‬عليه‭ ‬والاستغناء‭ ‬عنه‭ ‬،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الأدمغة‭ ‬والأطر‭ ‬العليا،‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬كفاءات‭ ‬بالامكان‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بدور‭ ‬فعال‭ ‬وناجع،‭ ‬لو‭ ‬أتيحت‭ ‬لها‭ ‬الفرصة،‭ ‬وأعطيت‭ ‬لها‭ ‬الامكانيات‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬اختصاصها،‭ ‬لقدمت‭ ‬للإنسانية‭ ‬ثمار‭ ‬ما‭ ‬حصدته‭ ‬من‭ ‬علوم‭. ‬

وللأسف‭ ‬فالعقل‭ ‬العربي،‭ ‬وطاقاته‭ ‬البشرية‭ ‬مصيرها‭ ‬الأرشيف،‭ ‬وثلاجة‭ ‬‭-‬‭ ‬التَّجميد‭ ‬‭-‬‭ ‬ووضعها‭ ‬في‭ ‬قوائم‭ ‬رهن‭ ‬الاشارات‭ ‬والانتظار،‭ ‬فكم‭ ‬من‭ ‬أطر‭ ‬عليا‭ ‬يتم‭ ‬توظيفها‭ ‬في‭ ‬أقسام‭ ‬الحالة‭ ‬المدنية‭ ‬أو‭ ‬سجنها‭ ‬في‭ ‬مكاتب‭ ‬وإخضاعها‭ ‬تحت‭ ‬الحراسة‭ ‬النظرية،‭ ‬وعليها‭ ‬احترام‭ ‬مواعيد‭ ‬الدخول‭ ‬والخروج،‭ ‬وفق‭ ‬الدوام‭ ‬اليومي،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬يجب‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬مكان‭ ‬هذه‭ ‬العقول‭ ‬البشرية؛‭ ‬العمل‭ ‬في‭ ‬الميدان؛‭ ‬وفي‭ ‬مراكز‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬العطاء‭ ‬والإبداع‭ ‬العلمي‭.‬

أين‭ ‬تذهب‭ ‬هذه‭ ‬الطاقة‭ ‬البشرية‭ ‬العربية،‭ ‬لما‭ ‬يتم‭ ‬وضعها‭ ‬في‭ ‬رفوف‭ ‬الاحتياط‭ ‬و‭ ‬مواقع‭ ‬الأشغال‭ ‬الشاقة؟‭ ‬إذن‭ ‬تبقى‭ ‬الهجرة‭ ‬هي‭ ‬البديل،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إثبات‭ ‬الذات‭ ‬وتحقيق‭ ‬الطموح‭ ‬وضمان‭ ‬مستقبل‭ ‬للعيش‭ ‬الكريم‭.‬

والتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الطاقة‭ ‬البشرية‭ ‬العربية‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬الحيف‭ ‬واللامبالاة‭ ‬هي‭ ‬عقدة‭ ‬وراثية،‭ ‬لكن‭ ‬الغرب،‭ ‬يقتنص‭ ‬الطاقة‭ ‬البشرية‭ ‬ويوظفها‭ ‬لصالحه،‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬فالغرب‭ ‬هو‭ ‬المتفوق‭ ‬علينا،‭ ‬وقد‭ ‬تلام‭ ‬الحكومات‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬أنفقت‭ ‬أموالا‭ ‬طائلة‭ ‬لتكوين‭ ‬طاقات‭ ‬بشرية‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف‭ ‬تتقاعس،‭ ‬وتترك‭ ‬ثروتنا‭ ‬وطاقاتنا‭ ‬البشرية‭ ‬تهاجر،‭ ‬وتستقر‭ ‬حسب‭ ‬هواها‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬همشت‭ ‬ووجدت‭ ‬أن‭ ‬طاقتها‭ ‬وطموحها‭ ‬يهدران‭ ‬سدى‭.‬

ولتصويب‭ ‬أخطاء‭ ‬الحكومات‭ ‬وأصحاب‭ ‬القرار،‭ ‬فالقاعدة‭ ‬تقول‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬مجال‭ ‬للعقد‭ ‬النفسية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطاقة‭ ‬البشرية‭ ‬الخلاقة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬توفير‭ ‬كفاءات‭ ‬عليا‭ ‬لأي‭ ‬بلد‭.‬

لماذا‭ ‬نجد‭ ‬المواطن‭ ‬العربي‭ ‬يتفوق‭ ‬لما‭ ‬يهاجر؟‭ .. ‬أين‭ ‬الخطأ‭ ‬لنصححه؟‭ ‬هل‭ ‬فينا‭ ‬أم‭ ‬في‭ ‬استراتيجيات‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬العربية‭ ‬التي‭ ‬هي‭ ‬عرجاء‭ ‬وضريرة‭ ‬؟‭.‬

هناك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الاطار،‭ ‬عدة‭ ‬قضايا‭ ‬تهم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬جذري‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ارتفاع‭ ‬صارخ‭ ‬للفوارق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمجالية‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬وهذه‭ ‬كلها‭ ‬أسباب‭ ‬تعرقل‭ ‬الارتقاء‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬ولعل‭ ‬السبب‭ ‬الرئيسي‭ ‬لما‭ ‬تشهده‭ ‬بعض‭ ‬البلدان‭ ‬من‭ ‬تدفق‭ ‬للهجرة‭ ‬السرية‭ ‬عبر‭ ‬قوارب‭ ‬الموت‭ ‬نحو‭ ‬الضفة‭ ‬الأخرى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نلخصه‭ ‬في‭ ‬سببين‭ ‬هما‭ ‬‮«‬الفقر‭ ‬والبطالة‮»‬‭ .‬

إذن،‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬الحلول‭ ‬الجذرية‭ ‬للتصدي‭ ‬لهذا‭ ‬التدفق‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الهجرة‭ ‬السرية،‭ ‬هل‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬السياسة،‭ ‬وينتهي‭ ‬في‭ ‬تقارير‭ ‬مكاتب‭ ‬الدراسات‭ ‬المستنسخة‭ ‬التي‭ ‬تستنزف‭ ‬ميزانيات‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬تشخيص‭ ‬كذا‭ ‬ظواهر‭ ‬اجتماعية‭ ‬واقتصادية‭ ‬بالغة‭ ‬الخطورة‭ ‬؟

مشاركة