
لأولادي كتبت هذا – عبد المحسن عباس الوائلي
امي التي فارقني وانا طفل صغير والان تحسست وفاءها من خلال زوجتي لاولادها فهذه الكتابة مهداة لاولادي بعد ان سهرت على كتابتها ليلا طويلا وسأكتب المزيد من وحي هذه المرأة وقلبها الابيض لاولادنا فأرجوهم ان لايفضلوا غيرها احدا مهما كان لان الله شديد الحساب وهو يعلم ما تكنه الانفس..
ويعلم السر والعلن فأقول.. اكبر وانا عند امي صغير، واشيب وانا لديها طفل، هي الوحيدة التي نزفت من اجلي دمـــــــوعها ولبنها ودمها، نسيني الناس الا امـــــــي، عقني الكل الا امي، تغير عليّ العالم الا امي.. الله يا امي كم غسلت خديك بالدموع حينما سافرت!
وكم عفت المنام يوم غبت، وكم ودعت الرقاد يوم مرضت. الله يا امي اذا جئت من السفر وقفت بالباب تنظرين وعيناك تدمعان فرحا، واذا خرجت من البيت وقفت تودعينني بقلب يقطر أسى، الله يا أمي حملتني بين الضلوع ايام الالام والاوجاع، ووضعتيني مع اهاتكِ وزفراتكِ، وضميتيني بقبلاتك وبسماتك، الله يا امي لاتنامين ابدا حتى يزور النوم جفني، ولا ترتاحين ابدا حتى يحل السرور عليّ، اذا ابتسمت ضحكت ولا تدرين ما السبب، واذا تكدرت بكيت ولا تعلمين ما الخبر، تعذرينني قبل ان اعتذر. الله يا امي من مدحني صدقته ولو جعلني امام الانام وبدور التمام، ومنذ ذمني كذبته ولو شهد له العدول وزكاة الثقات، ابدا انت الوحيدة المشغولة بأمري، وانت الفريدة المهمومة بيّ.
الله يا امي انا قضيتك الكبرى، وقصتك الجميلة، وامنيتك العذبة، تحسنين اليّ وتعتذرين من التقصير، وتذوبين عليّ شوقا وتريدين المزيد، يا امي ليتني اغسل بدموع الوفاء قدميك، واحمل في مهرجان الحياة نعليك، يا امي ليت الموت يتخطاك اليّ، وليت البأس اذا قصدك يقع عليّ نفسي تحدثني بأن روحي فداك عرفت ام لم تعرف يا امي كيف ارد الجميل لك بعدما جعلت بطنك لي وعاء، وثديك لي سقاء، وحضنك لي غطاء، كيــــــف اقابل احســــــانك وقد شاب رأسك في سبيل اسعادي، ورق عظمك من اجل راحتي، واحدودب ظهرك لأنعم بحياتي كيف اكافئ دموعك الصادقة، التي سألت سخية على خديك، مرة حزنا عليّ، ومرة فرحا بي، لانك تبكين في سرائي وضرائي.
يا أمي انظر الى وجهك وكانه ورقة مصحف وقد كتب فيه الدهر قصة المعاناة من اجلي، ورواية الجهد والمشقة بسببي، يا امي انا كلي خجل وحياء، اذا نظـــــــرت اليك وانت في ســـــــلم الشيخوخة، وانا في عنـــــــفوان الشباب، تدبين على الارض دبــــــيبا وانا اثب وثبا.
يا امي انت الوحيدة التي وفت معي يوم خذلني الاصدقاء، وخانني الاوفياء، وغدر بي الاصفياء، ووقفت معي بقلبك الحنون، بدموعك الساخنة، بآهاتك الحارة، بزفراتك الملتهبة، تضمين، تقبلين، تضمدين، تواسين، تعزين، تسلين، تشاركين، تدعين، يا امي انظر اليك وكلي رهبة، وانا انظر السنوات قد اضعفت كيانك، وهددت اركانك، فأتذكر كم من ضمة لك وقبلة ودمـــــــعة وزفرة وخـــــــطوة جدت بها لي طائعة راضية لاتطلبين عليها اجرا ولا شكرا، وانما سخوت بها حبا وكرما.
انظر اليك الان وانت تودعين الحياة وانا استقبلها، وتنهين العمر وانا ابتدئه، فأقف عاجزا عن اعادة شـــــــبابك الذي سكبته في شبابي، وارجاع قوتك التي صببتها في قوتي، اعضائي صنعت من لبنك، ولحمي نسج من لحمك، وخدي غسل بدموعك، ورأسي نبت بقبلاتك، ونجاحي تم بدعائك، ارى جميلك يطوقنـــــــي فأجلس امامك خادما صغيرا لا اذكر انتصاراتي ولا تفوقي ولا ابداعي ولا موهبتي عندك، لانها من بعض عطاياك لي. اشعر بمكانتي بين الناس، وبمنزلتي عند الاصدقاء، وبقـــــــيمتي عند الغير. ولكن اذا جثوت عند قدميك فأنا طفلك الصغير.
وابنك المدلل، فأصبح صفرا يملؤني الخجل ويعتريني الوجل، فألغي الالقاب واحذف الشهرة، واشطب على المال، وانسى المدائح لانك ام وانا ابن، ولانك سيدة وانا خادم، ولانك كل شيء في حياتي، فأسمحي لي بتقبيل قدميك، والفضل لك يوم تواضعت واذنت لشفتي بأن تمسح التراب عن قدميك.
رب اغفر لامي وارحمهما كما ربتني صغيرا.. وأسالك المغفرة يارب يارب يامن لاتخفى عليك خافية.























