الطائفية مقتل الشعوب والأوطان – علي يوسف الشكري

170

الطائفية مقتل الشعوب والأوطان – علي يوسف الشكري

المتتبع للشأن العراقي يلحظ التقدم الملموس في العملية السياسية على طريق بناء الوطن ، فقد راح العراق يتعافى دولياً وعادت بغداد كما هو شأنها تستقبل الكبار لتتشاور معهم في كل ما يخص الوطن والإقليم ، بل راحت بغداد تقود الجهد الدولي المقرب بين المتخاصمين ، بعد أن كانت هي الخصم والهدف الذي يهاجمه القاصي والداني من الدول ، قريبها وبعيدها ، قويها وضعيفها ، صغيرها وكبيرها ، بل عاشت بغداد عزلة دولية هي الأطول في تاريخها المعاصر ، بعد أن راحت تهدد بسلاحها الكيمياوي المزعوم ، حتى بلغ غرور حكامها حداً دعاهم لاحتلال الجار والصديق بل الشقيق الذي تقاسم الحدود والتاريخ والاجتماع . وبعد احتلال وإرهاب وطائفية قسمت العراق إلى ملل ونحل ومقاطعات وشوارع وحارت ، وعلى أساس الطائفة والقومية ، وبعد أن سورت العاصمة والمدن العراقية الجدران الكونكريتية ، مَنَ الله على العراق بنعمة الأمن والأمان ، وعادت بغداد كما المدن العراقية مزدانة بأمنها ، زاهية بشعبها ، نابضة بالحياة كما عهدها ، يقصدها المستثمر والباحث عن فرصة العمل ، وعادت جامعاتها محط أنظار المتطلع إلى العلم النافع . واللافت أن بعض الأصوات وقبل اكتشاف الجثث المجهولة في شمال بابل ، عادت لتعزف لحن الطائفية في محاولة منها للعودة بالعراق إلى المربع الأول متخذة من اضطهاد الطائفة شعاراً لها ، ومن التمييز ذريعة لمهاجمة الحاكم والشركاء في الدين والوطن ، وكما المتوقع شايعت بعض الأصوات والأقلام هذه الدعوات ، مرة بداعي التعاطف مع الطائفة وأخرى بآمال العودة بالعراق إلى أيام القتل والتهجير والسبي والنحر . عجيب أمر من يدعو للظلامة من جديد في وقت لم تندمل فيه حتى اليوم الجراحات ، ولم يعد المهجر قسراً بتحريض من تآمر وجنى وتجنى وأخطأ إلى دياره المدمرة المثخنة بطعنات الأمس القريب ، وتقرحات ما خلف التنظيم الدخيل ، بل عجيب أمر هذه الأصوات في وقت يبحث فيه الوطن عن المبرر للعودة بهم إلى صفوفه وتناسي ما بذروا وحصدوا وأنتجوا من ويلات ومآسٍ . يقيناً أن الروح أغلى ما خلق الله ، والنفس ليس أزكى منها ، وليس وطن من لا يذود عن أبنائه ولا يدفع الظلامات عنهم ، وليس حاكم من لا يحمي الحقوق ويعيد المغتصب ويلاحق الغادر الظالم ، لكن العودة بالحقوق وملاحقة الظالم ومعاقبة المتسبب لا تكون ببيع الأوطان وإثارة الطائفية واللعب على مشاعر الآمنين المسالمين ، فالوطن فوق الجميع وآمن شعبه اعتبار لا مقدم عليه .

لقد خلف الأغراب الذي تسللوا تحت حلكة الليل المظلم ، الخراب والتدمير والجثث والأيتام والأرامل والاقتصاد المدمر ، بل فتح الظلاميون بمآسيهم ومخططاتهم الباب على مصراعيه لكل فاسد للعبث بمقدرات الأمة ، وجاء وقت الاقتصاص ممن تآمر وقتل وأفسد وهجر ، والانتصار لمن ظُلم واضطُهد ولحق به الحيف من ظلاله أبن جلدته ومن اخطأ بحق الوطن ، فلا عودة للوراء ، ولا تسامح مع من يريد بالعراق وشعبه سوءاً ، وعلى المظلوم اليوم الانتفاض على من يريد ظلمه مجدداً ، فقد تكشفت مخططات الطائفيين الفاسدين الذين أعتاشوا على مآسي أبناء جلدتهم وتجاروا بجراحاتهم وجوعهم وعوزهم ، فلم يتركوا لهم شيئاً إلا وسرقوه ، فتاجروا بكرامتهم ونسائهم وأطفالهم وسبايهم ، بل تجاروا بخيامهم  ، وحتى جثثهم بعد أن باعوا نساءهم وأطفالهم في سوق النخاسة ، وربما يعتقد مدعو الظلامة أنه انتصر لنفسه المريضة حينما ملئت الأجساد الطاهرة أرض العراق من اجل تحريرها ، معتقداً أن الشهادة من أجل الأرض هزيمة ، وتقديم النفيس من أجل الكرامة انتصار للنفس المهزومة ، نعم لقد امتلأت أرض العراق بالأجساد الطاهرة بعد أن روت الزاكيات من الدماء الأرض التي جدبت بفعل الخيانات والارتماء بأحضان الأجنبي ، لكن التاريخ سيحفظ لكل استحقاقه ، سيخلد من لبى وضحى وقدم وحرر واستشهد ، وسيضع في أرذل صفحاته من خان وباع وشايع الظلم من أجل مال زائل أو وعد كاذب ، وربما باعتقاده أن عقارب الساعة ستعود إلى الخلف كي يظلم ويقتل ويضطهد .

وعلى من هُجّر وسُبي وخلّف المال وفقد العيال أن يتصدى هذه المرة لمن يدعي بصوته الناشز أنه يمثل الطائفة ويدافع عن الظلامة ، فمدعي اليوم هو ذاته مدسوس الأمس وإن باسم ووجه كالح جديد ، فمن باع الأهل والوطن ، وجهه كالح مظلّم لا يجلب إلا الخراب على أهله ومن يدعي تمثيله ، وتاريخ العراق والأمم مليء بأمثال هؤلاء ، فالذكرى ليس لمن خان ومن باع نفسه ، لكن الذكرى لمن صّدق واعتقد وشايع من أدعى ، ودون شك أن العراق باقٍ بوطنييه ورجاله وشعبه ، والخونة إلى زوال .

مشاركة