الصين.. مخالب التنين الناعمة – معتز عناد غزوان

839

الصين.. مخالب التنين الناعمة – معتز عناد غزوان

في خضم الصراعات الدولية اليوم ولاسيما بعد تفشي جائحة كورونا وتبادل الاتهامات ما بين القوى العظمى في العالم وتحديداً ما بين الولايات المتحدة الامريكية والصين هذه الدولة الكبرى التي عرفت بعقولها الخارقة ومديات التفكير التي استطاعت ان تتفوق على الولايات المتحدة الامريكية صناعياً واقتصادياً، ينطلق المؤلف الاستاذ الدكتور طه جزاع في كتابة القيم والموسوم (الصين مخالب التنين الناعمة) في انطباعات وخلجات متنوعة عن هذا البلد الجدلي الكبير. وفي جهد ثقافي مهم وجدير بالاهتمام والقراءة ولاسيما في هذا الوقت العصيب من الزمان حيث تكالب العالم الغربي على الصين بوصفها مهداً لنمو وتمدد الجائحة. وهذا ما أشره المؤلف وما حدده مقدم الكتاب المفكر والكاتب الدكتور عبد الحسين شعبان اذ وصف ظهور هذا الكتاب في هذا الظرف العصيب جداً، واصفاً هذا اياه بانه قراءة جديدة ومعمقة لتاريخ العلاقة ما بين الولايات المتحدة الامريكية والصين، في ظل تغييرات النظام الدولي الجديد الذي جعل من الولايات المتحدة كمتحكم في العلاقات الدولية بعد انهيار جدار برلين عام 1989م، وانحلال الكتلة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي في نهايات عام 1991م. وهنا بقيت الولايات المتحدة هي القوة العظمى بلا منازع، لتأتي الصين اليوم ناهضة بما تمتلكه من امكانيات مادية وبشرية وصناعية واقتصادية لتكون المنافس الاكبر للولايات المتحدة. ويشير الدكتور شعبان في تقديمه للكتاب الى السياسة الجديدة التي تنطلق منها الفلسفة الصينية وفلسفة التاريخ الصيني والتي اطلق عليها تعبيراً غريبا ومثيراً بان هذه المرحلة هي (تطليق مرحلة التزمت الايديولوجي والشعارات اليسارية الرنانة، حيث لم تعد شعارات الكفاح المسلح والامبريالية نمر من ورق) بل صارت ثقافة جديدة ترتبط بسوق العرض والطلب والمنافسة الاقتصادية والتمدد التجاري ومنطق المصالح الذي يتقدم على لغة العقائد، دون نسيان مبادئ العدالة الاجتماعية. _

انطلاق محاور

وهذا ما اكده المؤلف الدكتور طه جزاع في وضعه نقاط انطلاق لمحاور بحثه الواسع بفلسفة ذات دلالات سيمائية تبين لنا ما رمز له من مرمزات ومحمولات تمتلك خصائص حمراء حريرية بوصفها لون السياسية العامة وطريق الحرير كما تسمى، وكانت تلك العنوانات التي انطلق منها المؤلف مثيرة للقارئ مستفزة ذاته نحو سبر اغوار مرمزاتها المختلفة كالتنين الكبير والارنب الابيض، والين واليانغ، وبوذا الاله، مع وجود عنوانات تثير الجدل وتثير الاستفهام والفضول في اسباب اختياره لها وللانطلاق نحو المحتوى الذي كانت له آراء مختلفة ومتنوعة في فك الشفرات الرمزية للواقع الصيني اليوم في ضوء تحكمات اوزار الجائحة وما الت اليه نتائجها سياسياً واقتصاديا واجتماعيا وثقافياً، وهنا يضع لنا المؤلف موقفاً متطابقاً مع تلك الآراء التي تصف تنامي الجائحة اليوم بانها اعتاب مرحلة قيامية (Apocalyptic) منذرة بفناء البشرية.. فليس في التفكير المنطقي على حد تعبير المؤلف عناصر لاهوتية يمكن ان تسوغ في النهاية على هذا الشكل المرعب، مع تصاعد الحرب الاعلامية الكبيرة ما بين القطبين النوويين الكبيرين الولايات المتحدة والصين، والعالم في صراع دائم لاحتواء تلك الجائحة الهائجة المتمددة بلا رادع.

وهناك يستشرف المؤلف موقفاً مختلفاً وملامح عالم آخر يفترض فيه انتهاء تلك الجائحة او انحسارها، وتوالد عالم جديد وهموم جديدة واجراءات مشددة، ومضايقات قد تستهدف حقوق الانسان، وخصوصياته، وحرية التنقل والسفر والاقامة، واعتقد مؤمناً بان استشرافات المؤلف جاءت دقيقة ومنطقية وفي الصميم، وهذا بالفعل ما يجري اليوم من جهود عالمية واسعة لاحتواء وانحسار الوباء وانفتاح العالم من جديد بعد تصنيع اللقاحات. لقد سلط هذا الكتاب الاضواء الكثيفة على التطور التكنولوجي الهائل للصين في اجواء سياسية اشتراكية معروفة كان قد قاد ثورتها الزعيم الشيوعي (ماوتسي تونغ) الذي يعد رمز الصين الكبير، وازدادت الصناعات انتاجاً من خلال الكتلة البشرية الهائلة التي تمتلكها البلاد مما انعكس ذلك في نتاجها الصناعي والحضاري والثقافي، وقد اشار المؤلف الى مقولة مهمة كان قد تنبئ بها الفيلسوف البريطاني (برتراند رسل) عام 1922م، بقوله (ان الصين قادرة بسكانها ومواردها على ان تصبح القوة العظمى في العالم بعد الولايات المتحدة)، وهذا ما يثبت ان تلك الاستشرافات التي اطلقها (راسل) معمقة ودقيقة لاسيما ان الصين قبيل عام 1949م لم تكن كياناً سياسياً متجانساً بل كانت سياسات تسودها النزاعات والاعراق والحروب مع اليابان، بيد ان الامر كان مدهشاً لدى (رسل) في حينها على الرغم من ان تاريخ تأسيس الحزب الشيوعي الصيني يسبق رأيه هذا بسنة واحدة اي عام 1921م. وقد تغنى الصينيون بتلك الاحداث الثورية المهمة التي عدوها قمة الزهو والعظمة والنصر.. وكانت تلك الانشودة:

الشمس عالية في السماء حمراء جداً….

قلب الشمس هو ماوتسي تونغ

هو يقودنا الى التحرير..

الجماهير تحرر نفسها لتكون اسياد أراضيها..

أوه… أهلاً…

نعم… اوه… نعم…

الشمس في السماء حمراء…

قلب الشمس هو ماوتسي تونغ…

لم يكن التعرض للثقافة الصينة والحديث عنها يكفي لكتاب واحد او اكثر، اذ يصف المؤلف هذا البلد بانه مجتمع يتقاسم الهوية الوطنية من خلال ثلاثة ديانات رئيسية وهي الاسلامية والبوذية والهندوسية، والذي يعكس بدوره اختلافاً جوهرياً عميقاً في الهوية الثقافية، بدأ من شكل الملابس، واللغة والدين، والعادات، على الرغم من تعامل الصين بقسوة شديدة وعنصرية مع اقلية (الايغور) المسلمة التي كانت احدى ادوات التحشيد الامريكي لمعاداة الصين دولياً واثارة المجتمع الدولي ومنظمات حقوق الانسان ضدها، وفي الوقت نفسه يبين لنا المؤلف ان الفلسفة (الكونفوشيوسية) تهتم بإدارة المجتمع، وان البوذية كديانة تعنى بتهذيب الروح، في وصف تلك القيم البوذية التي تدعو الى السلام وروح التسامح، وفي اشارة على ان الثقافة الصينية لا تؤمن بالحروب الدينية وانها واحدة من اهم صفاتها وخصائصها، وهذا يتناقض مع الهجوم الاعلامي الامريكي بشأن (الايغور).

نوع الطعام

ولعل التنوع الاخر في الثقافة الصينية كان ايضا من خلال عن نوع الطعام ، الذي تعرض عنه اعلانات عن اكلات مختلفة للضفادع وطريقة عرضها في تلك الاعلانات وكأنها ترقص رقصة الباليه وعلى ايقاعات موسيقى بحيرة البجع للموسيقار الروسي (تشايكوفسكي) على حد تعبير المؤلف. في انتقالة مهمة في فصول هذا الكتاب الذي يتطرق الى العلاقات الصينية العربية التي يصفها الباحث (سون ديغانغ) من جامعة شنغهاي الدولية، والذي يعزو الفضل للعرب في بناء طريق الحرير بقوله ((كلنا يعرف ان اصدقائنا العرب هم من بنى طريق الحرير وليس الصينيون، واننا اصبحنا شركاء مهمين في القرن الحادي والعشرين) وهو يشير الى تلك العلاقة القديمة ما بين العرب من جهة والصينيين من جهة اخرى، التي تشير اليها المصادر التاريخية وتحديدا منذ عام 636م.

من الثقافات المهمة التي تعرض اليها المؤلف في كتابه القيم الواسع هذا هي متضادات اليان واليونغ، هذه المتضادات او التباينات التي ترمز الى شكلين متشابهين متداخلين مع بعضهما البعض، تمثل السلبية والايجابية، الخنوع والعدوانية، الانوثة والذكورة، الضعف والقوة، الطراوة والصلابة، وغيرها من التضادات المختلفة وتعد فلسفة الين واليانغ تعد عماد الفلسفة الصينية. ومن المحطات المهمة ايضاً في هذا الكتاب هو ما استعرضه المؤلف من جهود ثقافية وتاريخية وفكرية لمدونات عربية تحمل انطباعات مهمة عن الثقافة الصينية وحضارتها نقلها عدد من الكتاب العرب ولعل من اهمهم الشيخ احمد حسن الباقوري الذي زار الصين ومكث هناك ما يقارب المائة يوم، في عهد الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وما قدمه المؤرخ العراقي ووزير الثقافة الراحل الدكتور فيصل السامر والذي دون العديد من تلك العلاقات الصينية – العربية في كتابه الشهير (الاصول التاريخية للحضارة العربية الاسلامية في الشرق الاقصى)، فضلاً عن جهود الكاتب عبد المعين الملوحي الذي قام بترجمة كتاب (تاريخ الشعر الصيني المعاصر) وفؤاد محمد شبل وهادي العلوي في ترجمتهم لكتاب (التاو) الذي صدر عام 1980م، وايضا كتاب (المستطرف الصيني) الذي صدر عام 1992م، فضلاً عن دراسة مهمة للباحث الدكتور عبد الحسين شعبان والموسومة (الفلسفة التاوية وصنوها الفلسفة الصوفية وحدة الوجود والحضور والغياب)، ودراسات اخرى مهمة نترك للقارئ الاستمتاع بها في هذا الكتاب الذي يتسع مجال افقه العلمي والفكري اتساعاً معرفياً متميزاً ومهماً يبين لنا القدرة الكبيرة للمؤلف الدكتور طه جزاع في جهده العميق ومؤشراته المهمة. صدر هذا الكتاب عن دار دجلة الاكاديمية في بغداد عام 2021م، وبلغ عدد صفحاته (255) صفحة ومن القطع الصغــــير.

مشاركة