الصورة والظل
اعتادت ،منذ أن غادر زوجُها إلى الحرب ولم يعد ،أن تصرف جلَّ وقتها ، جالسة ًعلى كرسي ذي مساند عريضة ،يتوسط غرفة المعيشة ،في مواجهة حائطٍ طويل ،علقت في وسطه صورةٌ لزوجها الغائب ، مزججة وذات اطار خشبي عتيق.
تظل جالسةً لفترات طويلة ،في الصباح ،في الليل ،تعقد ذراعيها فوق صدرها ،شاخصةً إلى الصورة لا تكاد تحيد عنها ،او تحرك اصابعها بخياطة ثوبٍ ما او بحياكة قطعة ملابس شتوية .ترنو إليه ،يرنو إليها ، يبتسم تحت شاربه الكث فتغضي حياءً ،سيعود ،تردد في سرها ،حتمًا سيعود.
تتذكر تلك الليلة ،تمامًا ،بكل تفاصيلها ودقائقها ،كانت الساعة المعلقة على مقربة من الصورة ،تشير الى منتصف الليل ،حينما سمعت طرقًا خفيفًا على الباب ،انتفضت ،كفت أصابعها الباردة عن حبك خيوط الصوف ،أرهفت سمعها ،ربما ريحٌ دفعت الباب ،وعادت إلى الخيوط ، تنّقل نظراتها بين الصورة وبين أناملها المتحركة برتابة ،لكن صوت الطرق عاد ،قويًا هذه المرة ،من سيأتي في هذه الساعة!؟ سارت إلى الباب متثاقلة وهي تشد ( الروب ) حولها ،من؟ جاءها الصوت من خلف الباب ،واهنًا ،مقرورًا ،إلهي ! أيكون قد عاد ؟! أدارت المفتاح بيد راعشة ،كان إطار الباب يحجز جسدًا ما زال صلبًا ،سقطت بين ذراعيه.
كانت تنسحب من الفراش الدافئ بخفة ،تدلي ساقيها من السرير ، تتحسس خفيها ،تلقي نظرة طويلة على الجسد الراقد إلى جوارها ، تتأكد من أنه يغطُّ في نومٍ عميق ،ثم تنسلُّ إلى الخارج ،بهدوءٍ بالغ.
حين يزوره طيفٌ ،يحمل معه لفحةً من تلك الأيام التي تصرّمت ،ينتفض مفزوعًا ،لاهثًا ،يتناول كأس الماء ،يعبه في جوفه دفعةً واحدة ،وحين تنتظم أنفاسه قليلاً ،يلتفت إلى جواره ،لا يجد المرأة.
يترك الحجرة ويسير على أطراف أصابعه ،يمد رأسه من فتحة الباب الموارب ،المرأة تجلس على كرسي يتوسط غرفة المعيشة ،تنقّل عينيها بين أناملها المتحركة برتابة وبين الصورة المعلقة قبالتها.
مصطفى غازي العبيدي – بغداد

















