الصورة الوردية للاشتراكية لدى فهد تخفي تطبيقات بيروقراطية استهلكت التنظيم الشيوعي

383

الصورة الوردية للاشتراكية لدى فهد تخفي تطبيقات بيروقراطية استهلكت التنظيم الشيوعي
امتدادات موصلية وتنظيمات بصرية وراء انبثاق الحزب الشيوعي العراقي
حوار يوسف محسن
مع الدكتور عبدالحسين شعبان
تاريخ يوسف سلمان يوسف فهد الفكري والسياسي لم تتم دراسته ضمن التاريخ الوطني العراقي، بالرغم من أنّه يشكّل الحيّز الحيوي من تاريخ الفكر السياسي العراقي، وأقصد هنا دراسة يوسف سلمان يوسف من وجهة نظر نقدية متحررّة من القراءة الحزبية التقريضية، وإخضاع مشروعه إلى التفحص النقدي وتجاوز التصنيفات التي وضعته كما يشير إلى ذلك د كاظم حبيب وزهدي الداوودي، حب وتقديس يوسف سلمان يوسف بسبب دوره التأسيسي للحزب الشيوعي العراقي والطريقة التي استشهد بها، إضافة إلى الصيغة التي عملت بها الشيوعية العالمية والعربية في تحويل الزعماء السياسيين المؤسسين إلى المخيال الأسطوري، والتصنيف الثاني هي الحقد والكراهية والتشويه الذي تعرضت له شخصية يوسف سلمان يوسف من أشخاص انتقلوا من المؤسسة الشيوعية العراقية إلى صف المناوئين، إضافة إلى كتابات أولئك الذين يختلفون معه فكريا وسياسيا ويعدونه عدوًّا طبقيا لهم. إن موضوع المراجعات والتي نعمل عليها تقوم على أساس الالتزام العقلي والأخلاقي لجهود الأشخاص والمؤسسين والرعيل الأول في نقل الأفكار العالمية ودمج العراق في الحداثة، وفي هذا الجزء نناقش الماركسية العراقية وأعمال يوسف سلمان يوسف التي لم تقدّم أي شكل من أشكال المعرفة السياسية، وإنما قدّم في اغلب أعماله الفكرية معرفة بالسياسة الفاعلة البراكسيس وبقيت الماركسية العراقية التي يظهر فيها العراق كمنطقة رمادية غامضة، تابعا إلى إنتاج المعرفة من المركز السوفيتي، والتي تعدّ الماركسية اللينينية الستالينية والتي وصلت إلى العراق، وهي تأويل قومي روسي للماركسية الكونية، نسخة غير قابلة للجدل والقراءة والحوار، نسخة مقدسة تحوّلت وظيفتها من أداة للمعرفة إلى وظيفة آيديولوجية تتمثل في إضفاء الشرعية على المصالح الإستراتيجية للإمبراطورية السوفيتية ومدرسة كادحي الشرق وجهاز الكومنترون إلى توابع لهذه الإمبراطورية.

التأويل وإعادة التأويل
في الماركسية العراقية تم تحويل النصوص الماركسية الام الى نصوص مقدسة كانت تجري عملية تأويلها واعادة التاويل باستمرار بوصفها تحمل الحقيقة المطلقة ولا تقبل صراع النزوعات او نسبية المعرفة التاريخية ولا تسعى الى التمازج بين الماركسية العالمة والحس الشعبي العام؟
كان ستالين يقول كلّما استعصي أمرٌ علينا استدعينا لينين من قبره، وكلما كانت تستعصي مسألة على لينين يستدعي ماركس من لحده، وهكذا فإن التعبّد في النصوص كان سمةً سائدة للاعتقاد الخاطئ، أن ماركس هو نهاية الماركسية لا بدايتها، وحين تم روسنة الماركسية عبر لنينتها ، وهي محاولة قام بها ستالين لإسكات معارضته الحزبية، لاسيما إزاء تروتسكي وبوخارين وزينوفيف وغيرهم فقد تم توسيع دائرة القدسية، وهكذا أضيفت اللينينية إلى الماركسية، لتصبح الماركسية اللينينية، وخلال حكم ستالين الذي استمر من العام 1924 ولغاية العام 1953 انتشرت تدريجياً صور الأربعة الكبار ماركس، انجلز، لينين، ستالين، وعندما انتصرت الثورة الصينية وجرت محاولة لاحقة لصنينة الماركسية، فقد تم وضع صورة ماوتسي تونغ جنب صور ماركس ولينين وهكذا.
وكجزء من التراث الشيوعي، فقد كان فهد يُسكتْ خصومه كلما اقتبس من أبو البروليتاريا العالمية أو نسب قولاً إليه، وعندها لا بدّ للمناقشسة أن تنتهي، حتى وإن كان القول المقتبس في غير سياقه وفي غير محلّه، ولعل تلك التوجهات لم تكن بعيدة عن تعليمات الكومنترن والسياسات السائدة آنذاك.
لقد تعبّدنا كثيراً في محراب النصوص ونظرنا إليها بقدسية، باعتبارها غير قابلة للخطأ، فضلاً عن النقد، مثلما يفعل بعض المتدينين عندما يرددون ببغائياً أقوال بعض رجال الدين أو يستخدمونها بطريقة لا سياق فيها وفي غير موضعها، وغالباً ما استخدم هؤلاء القادة السياسيون، مثلما استخدم بعض رجال الدين، المنتسبين أو المقلدين، لأغراض سياسية وأحياناً خارج نطاق الدين، مثلما يستخدمهم بعض السياسيين خارج نطاق المبادئ التي يدعون إليها.
هامشية النسخة السوفييتية
ان الماركسية القادمة من سياسات الكومنترن و مدرسة كادحي الشرق ظلت برانية وهامشية في الثقافة العراقية، بقيت عروض بيداغوجية مبسطة لمقولات في التاريخ والسياسة والاقتصاد؟
قام فهد بمحاولات عديدة لتكييف ما كان يقرأه على الواقع العراقي، ولعل أهم إنجازاته هو بناء حركة شيوعية مقدامة وإصراره على المواصلة والاستمرارية، وقدّم قوة مثل للقائد الشجاع الذي كان مستعداً لتقديم حياته دفاعاً عن مبادئه، وفعل ذلك مختتماً ومودعاً العالم أجمع بتلك العبارة الأثيرة الشيوعية أقوى من الموت وأعلى من أعواد المشانق . وكانت تلك الصرخة المدوية أشبه بكلمة السر التي احتفظ بها الكثير من الشيوعيين واستحضروها لحظة الامتحان، على الرغم من حبهم للحياة، لكن تفانيهم من أجلها ومن أجل مثل الخير والحرية والعدالة والجمال جعلهم لا يهابون الموت إنْ اضطروا عليه.
لكن ذلك لا يمنع من أنه هناك الكثير من الأخطاء التي صاحبت فترة قيادة فهد، والتي يمكن إخضاعها إلى سياقها التاريخي، مثل تشبثه بعبادة الفرد وازدراء دور المثقفين والتقليل من شأن القوى الوطنية الأخرى، وتحويل الحياة الحزبية الداخلية إلى حياة شبه عسكرية، حيث لا يمكن مناقشة القائد بقدر تنفيذ وإطاعة أوامره وقراراته.
كانت الماركسية ثورة على الآيديولوجيا، الاّ أنها تحوّلت إلى معتقد آيديولوجي محدد ومنغلق لدى الكثيرين من أتباعها، الذين اكتفوا بقراءتها، كما توصل إليه ماركس، دون أن يستمروا في تطبيق قراءة الماركسية كمنهج للجدل وإمكانية تطبيقه على ماركس نفسه، أي أن الأجدر هو قراءة المنهج الذي قرأ به ماركس ماركسيته وواقع المجتمعات الأوروبية. وبموجب هذا المنهج بإمكاننا قراءة واقع مجتمعاتنا العربية، ولكن بعضنا وهو الأعم الأغلب قرأ ماركس بعد تحنيطه وترك ماركسيته وجدليته جانباً، لدرجة أقرب إلى موتها، لاسيما باندثار الأحلام وغياب النزوع إلى التحرر وضعف الإرادة وتعطل الاستقلالية، وهي بلا أدنى شك التحوّل عن حيوية الماركسية ومنهجها الجدلي إلى مقولات أقرب إلى المعلبات حتى وإن كانت صائبة لكنها في غير محلّها وفي قسم كبير منها دون روح، أو تكون قد فقدت عافيتها بعد أن تجاوزها الزمن. ولعل ماركس هو من تحدّث عن الوعي الزائف في كتابه الآيديولوجيا الألمانية بمعارضة مفهوم هيغل الوعي الشقي عندما تكون الآيديولوجيا شكلاً نسقياً محدداً، فإنها تصبح وعياً زائفاً لا يعكس الصراع الداخلي منها ولا يعرض لنا أضدادها.
قلت في كتابي تحطيم المرايا ماذا يحدث لو كان ماركس مَفْهَم أي قدّمه كمفهوم كل شيء أو قال فيه، فلن يحدث شيء، بعد ذلك مثلما اختلف الناس بعد موت النبي محمد، حينها خرج أبو بكر الصديق على الناس ليقول قولته الشهيرة من كان يعبد محمداً، فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله، فإن الله حي لا يموت وسواءً كان الأمر لهذه الحالة أو للحالة الأولى، فإن الحياة تتطور وتحتاج دائماً إلى التجديد والتغيير والانفتاح، ولن تصمد القوالب والنسقيات، بل ستتحول الى يباس في حين أن الحياة ستمضي، مثل نهر جارف وبحر لا يستكين.
من خلال قراءتي الوضعية النقدية للماركسية فإن ماركس ساهم بمحاولة إجرائية مرهونة بظروف ماركس الشخصية من جهة، بالقراءة والتنقيب والبحث، ومن خلال منهج لازال صائباً ويمكن استخدامه، لكن ماركس لم يكن مُلقناً أو مروّجاً أو دعائياً كما يتصوره أصحابنا المتشبثين بأذيال الماركسية من المتمركسين ، بل باحثاً ومفكّراً وإنساناً عظيماً، لكنه وفي الوقت نفسه كان يخطئ ويصيب أيضاً مثل كل البشر دون مقدسات، وإن كان قد تمتع بقدرات فكرية هائلة وموهبة نادرة وعقل جبار. أما فهد فقد حاول تمثيل وهضم أفكار ماركس، وإن كان بطبعتها الستالينية التي وصلتنا، لاسيما التشبث بتقليدها أو استنساخها لكنه في الوقت نفسه امتلك قدرات تنظيمية كبيرة وبسالة نادرة ومعرفة عميقة بالمجتمع العراقي، وللأسف فإن العمر لم يسعفه لمواصلة مشواره النضالي، لاسيما بعد أن اختزن تجربة غنية وخبرة طويلة وتمرّساً حزبياً وسياسياً كبيراً.
تنصيصات
دعا فهد لاحترام الأديان والطقوس والشعائر الدينية، وطلب من الرفاق في السجن دراسة القرآن والاحتكاك برجال الدين ومحاورتهم بروح إيجابية. فهد حاول تمثيل وهضم أفكار ماركس، وإن كان بطبعتها الستالينية التي وصلتنا، لاسيما التشبث بتقليدها أو استنساخها لكنه في الوقت نفسه امتلك قدرات تنظيمية كبيرة وبسالة نادرة ومعرفة عميقة بالمجتمع العراقي. هناك الكثير من الأخطاء التي صاحبت فترة قيادة فهد، والتي يمكن إخضاعها إلى سياقها التاريخي، مثل تشبثه بعبادة الفرد وازدراء دور المثقفين والتقليل من شأن القوى الوطنية الأخرى، وتحويل الحياة الحزبية الداخلية إلى حياة شبه عسكرية، حيث لا يمكن مناقشة القائد بقدر تنفيذ وإطاعة أوامره وقراراته. بين د. عبد الحسين شعبان كانت صورة الإشتراكية وردية لدى فهد بما فيها التطبيقات البيروقراطية، التي حرص على تقديمها باعتبارها مثالية ونموذجية وموديلاً، دون أن يتم الحديث عن مصاعبها وتحدياتها وأخطائها، باستثناء الحديث عن الدور الخاص لتخريبها من طرف الإمبريالية العالمية. وكانت الاشتراكية أقرب إلى حزمة من المبادئ السياسية والجذابة التي تمنح الانسان الوعد با لسعادة والرفاه وإلغاء الاستغلال وتحرره من الظلم، وقد أشرتُ إلى طغيان الأسلوب المدرسي في عرضها، لاسيما عبر عمليات تأويل شعبوية أحياناً، خصوصاً لواقع عراقي معقد ويعجّ بالكثير من المتناقضات، الدينية والطائفية والقومية واللغوية والتشكيلات الاجتماعية الاقطاعية والعشائرية والتدخلات الخارجية والمعاهدات والاتفاقيات المجحفة والمذلة، وبالأخص مع بريطانيا، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً وغير ذلك. واضاف شعبان في مراجعتنا بشأن الفكر العراقي الحديث أن ماركسية الكومنترن ومدرسة كادحي الشرق ظلّت برانية وهامشية، إذا أخذناها منظوراً إليها من زاويتها الفكرية بجوانبها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه كانت تعبيراً عمّا هو سائد، بل حتى متقدم على الأفكار السائدة آنذاك وخصوصاً في البلدان العربية، وسرعان ما تقبلها المثقفون حتى بطبعتها الستالينية، وخصوصاً نظراتها التجديدية باسم الواقعية الاشتراكية إزاء قضايا الأدب والفن، على الرغم من تشدد مدرسة جدانوف إزاء المثقفين والمبدعين وما مثلته آنذاك من رؤية متزمتة، لدرجة أنها تدخلت في تفاصيل الخير والجمال والحق ومكافحة الاستغلال والاستثمار.
الاشتراكية صورة وردية
من خلال قراءتكم أعمال يوسف سلمان يوسف ما هو تصوره عن الاشتراكية، الماركسية، هل لدية صور واضحة؟ أو فهم مشوش وغامض تلك الأفكار؟
كانت صورة الإشتراكية وردية لدى فهد بما فيها التطبيقات البيروقراطية، التي حرص على تقديمها باعتبارها مثالية ونموذجية وموديلاً، دون أن يتم الحديث عن مصاعبها وتحدياتها وأخطائها، باستثناء الحديث عن الدور الخاص لتخريبها من طرف الإمبريالية العالمية. وكانت الاشتراكية أقرب إلى حزمة من المبادئ السياسية والجذابة التي تمنح الانسان الوعد بالسعادة والرفاه وإلغاء الاستغلال وتحرره من الظلم، وقد أشرتُ إلى طغيان الأسلوب المدرسي في عرضها، لاسيما عبر عمليات تأويل شعبوية أحياناً، خصوصاً لواقع عراقي معقد ويعجّ بالكثير من المتناقضات، الدينية والطائفية والقومية واللغوية والتشكيلات الاجتماعية الاقطاعية والعشائرية والتدخلات الخارجية والمعاهدات والاتفاقيات المجحفة والمذلة، وبالأخص مع بريطانيا، سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وأمنياً وغير ذلك.
لماذا تم الاعتماد على المركز السوفياتي في انتاج المعرفة الفلسفية والسياسية وتحديد المواقف من الانعطافات التاريخية؟
وعلى الرغم من أن فهد كان في السجن عشية اندلاع النقاش والجدل حول القضية الفلسطينية، وكان له في البداية رأي واضح بخصوص عروبة فلسطين وأحقية سكانها الأصليين وموقفه النقدي من المهاجرين اليهود إليها، مشيراً إلى أن اليهود ليسوا أمّة، لكن هذا الموقف لم يظهر لاحقاً، لاسيما بعد تأييد الاتحاد السوفييتي لقرار التقسيم. ويمكن القول أن اعتقال فهد ورفاقه في المكتب السياسي حسين الشبيبي وزكي بسيم يعدّ تاريخاً فاصلاً في موقف الحزب الشيوعي من القضية الفلسطينية، فإضافة إلى أن اعتقاله كان قد تزامن مع صعود النشاط الصهيوني والدولي بخصوص فلسطين، فإن غياب قيادته أدّى الى ابتعاد الحزب عن انخراطه في الدفاع عن القضية الفلسطينية لدرجة أن الشيوعيين ظلّوا لفترة ينفرون أو يتحسسون من مواجهة مثل هذه المواقف، وإن لم يفلحوا من الزوغان عنها، كانوا يقتبسون موقف الاتحاد السوفييتي، وكأنهم دبلوماسيون يتحدثون ببرودة عن دول لا تهمهم أو تعنينهم، وحتى الآن لم تتم مراجعة تلك المواقف ونقدها وتصويبها، حيث لا يزال بعضهم مأخوذاً بما يقال العزّة بالإثم فالنقد رياضة فكرية وروحية، وهو مطهرٌ للأخطاء والنواقص، ولا يمكن لأي كان من العاملين في الحقل السياسي الاّ أن يخطأ، وكما يقال الاعتراف بالخطأ فضيلة وليس عيباً، خصوصاً في ظروف اشتباك الصراع وتداخلاته، ناهيكم عن اشتداد القمع والارهاب وأحياناً في ظل تشوش الرؤية أو ضبابية الأجواء. وأظن أن هيمنة بعض العناصر اليهودية، وبعيداً عن نظرية المؤامرة، وإنْ لا يمكن إغفالها، قد أثّر على تعاطي الحزب مع القضية الفلسطينية، وأدّى الى إعراض أوساط غير قليلة من الجماهير عن الحزب، وكذلك ابتعاد القوى الوطنية عنه، الأمر الذي استفادت منه بعض القوى القومية التي تاجر قسم منها بالقضية الفلسطينية واستمر لعقود من الزمان دون أن يقدّم لها شيئاً يُذكر.
وتستحق هذه القضية وقفة أخرى، فالحزب الذي نظّم تظاهرة ضد قرار التقسيم وطالب بسقوط الاستعمار الانكلو امريكي وربيبته الصهيونية وبتحرير فلسطين وإقامة دولة ديمقراطية مستقلة حرّة فيها، وهو ما ورد في جريدة القاعدة في حينها عاد وتبنّى قرار التقسيم، على الرغم من معارضة فهد له، لاسيما بعد صدور كراس ضوء على القضية الفلسطينية الذي صدر بتوافق بين الحزب الشيوعي الفرنسي وبعض الشيوعيين الدارسين في باريس، وحمله يوسف اسماعيل البستاني إلى بغداد، باعتباره يمثل الموقف الأممي. وكان الحزب الشيوعي الفرنسي حينها معروفاً باتجاهاته الشوفينية سواءً من قضية الجزائر، إضافة إلى موقفه من قرار التقسيم وقيام دولة إسرائيل في 15»أيار 1948 وقد مارس هذا الحزب بالاتفاق مع السوفييت ضغوطاً لحمل الأحزاب الشيوعية العربية الرافضة لقرار التقسيم على تغيير مواقفها. وكان قد وصل مبعوثاً عن الحزب الشيوعي الهندي إلى بغداد من جانب الكونفورم لحمل الحزب الشيوعي على تغيير موقفه من قرار التقسيم. وهو ما نقله شريف الشيخ أحد الكوادر والقيادات لاحقاً عن لقائه الدكتور راناجت كوها الذي سأله عن موقفه وموقف الحزب من قرار التقسيم مستعرضاً عليه مواقف الماركسية والأحزاب الشيوعية العربية وغير العربية. وكان فهد قد تحفظ على كراس ضوء على القضية الفلسطينية من داخل السجن وكتب ليس كل ما فيه ينسجم مع نظرتنا الى القضية الفلسطينية… وأضاف في الكراس … معلومات خاطئة واستنتاجات غير صحيحة وفي رسالة أخرى كتب إلى مالك سيف المسؤول الأول للحزب معترضاً على استخدام مصطلح القومية اليهودية ، واعتبره استخداماً غير صحيح، ولكنه برّر موقف الاتحاد السوفييتي قبول بضعة مئات من الألوف للهجرة إلى فلسطين واعتبارهم من سكانها، الاّ أنه لم يتمكن من اعتبارهم قومية، بل أخضع موقف السوفييت إلى ذريعة المؤامرات والمشاريع الاستعمارية، مركّزاً على الغاء الانتداب البريطاني وجلاء الجيوش الأجنبية وتشكيل دولة ديمقراطية وطلب استطلاع مواقف الأحزاب الشيوعية في سوريا وفلسطين لتعيين الموقف، لكن جريدة الحزب آنذاك بدأت بنشر المقالات المؤيدة لقرار التقسيم وهو ما عكسته الوثائق التي كبستها شرطة التحقيقات الجنائية عند اعتقال مالك سيف و يهودا صديق الذي أعدم مع فهد وكذلك ساسون دلال الذي استلم القيادة بعدهما وأعدم هو الآخر لاحقاً. وكان زكي خيري قد كتب لاحقاً كراساً من السجن انتقد فيه عزيز شريف الذي كان موقفه معارضاً للتقسيم. وكانت تلك فترة عصيبة ففهد في السجن وغير قادر على اتخاذ الموقف أو بلورة الرأي، لاسيما بعد موقف الاتحاد السوفييتي والحركة الشيوعية بشكل عام، التي أيّدت هذا التوجه الذي لقي مناصرة من داخل الحزب الشيوعي، لاسيما بعض قياداته، سواءً لأسباب عاطفية أو لجهل باتخاذ الموقف الماركسي السليم، ولعل بعضهم ظل يجادل حتى وقت قريب ولربما إلى الآن بزعم أن الموقف من قرار التقسيم كان صحيحاً، بدليل أن مواقف الأخرين لم تأتِ بالنتائج المرجوة لتحرير فلسطين. وكنت في أواسط الثمانينيات قد ألقيت محاضرة في دمشق وبيروت حول القراءة الارتجاعية للموقف السوفيتي بشكل خاص والموقف الماركسي بشكل عام من قرار التقسيم، وكانت قد أثارت ردود فعل متباينة، لاسيما وأن الجمود العقائدي والولاء المطلق للمركز الأممي كانا مهيمنين على المشهد، ولعل بعض من رفاقنا لا زال أسيراً للماضي ولم يتحرر من عادة انتظار التعليمات حتى بعد غياب الاتحاد السوفييتي.
عروض مدرسية
ان الماركسية القادمة من سياسات الكومنترن و مدرسة كادحي الشرق ظلت برانية وهامشية في الثقافة العراقية، بقيت عروض بيداغوجية مبسطة لمقولات في التاريخ والسياسة والاقتصاد؟
بقدر ما يصحّ القول أن ماركسية الكومنترن ومدرسة كادحي الشرق ظلّت برانية وهامشية، إذا أخذناها منظوراً إليها من زاويتها الفكرية بجوانبها الفلسفية والاجتماعية والاقتصادية، لكنها في الوقت نفسه كانت تعبيراً عمّا هو سائد، بل حتى متقدم على الأفكار السائدة آنذاك وخصوصاً في البلدان العربية، وسرعان ما تقبلها المثقفون حتى بطبعتها الستالينية، وخصوصاً نظراتها التجديدية باسم الواقعية الاشتراكية إزاء قضايا الأدب والفن، على الرغم من تشدد مدرسة جدانوف إزاء المثقفين والمبدعين وما مثلته آنذاك من رؤية متزمتة، لدرجة أنها تدخلت في تفاصيل الخير والجمال والحق ومكافحة الاستغلال والاستثمار. وبالمناسبة فقد كان الإسم الأول للحزب الشيوعي لجنة مكافحة الاستعمار والاستثمار حيث تأسس في 31 آذار 1934باتحاد حلقات بغداد مع التنظيمات الجنوبية البصرة والناصرية بشكل خاص وبعض الامتدادات الموصلية وأصبح إسمه الحزب الشيوعي بعد نحو عام وانتخب الخياط عاصم فليح أمينا عاماً للحزب وأصدر جريدة باسم كفاح الشعب في العام 1935، وهو ما ناقشته عند تقريضي لكتاب شوكت خزندار الحزب الشيوعي العراقي رؤية من الداخل ، المنشور في مجلة المستقبل العربي. وقد تعرّض الحزب خلال تاريخه إلى عدد من الانشقاقات والتكتلات، وكانت التهم جاهزة لمن يخالف المركز ولعل أبسطها الانتهازية والتحريفية والسطو على الفكر الماركسي والخيانة وخدمة البرجوازية ، ومثل هذا الصراع الداخلي أفرز لغته الخاصة، وكان فهد قد تميّز بها، لاسيما عند كتابة كراسه حزب شيوعي لا اشتراكية ديمقراطية حيث انكبّ على تأليفه العام 1943 مستخدماً أسلوب لينين في الرد على أسئلة، وإن كان الكراس في سياقه التاريخي يعكس الفكرة الستالينية إزاء مفهوم الحزب تلك التي دفع بها لينين في كراسه ما العمل؟ ردّاً على الفكرة المارتوفية، الاّ أنه طرح فهماً من واقع التجربة الكونية إزاء موقف الأقلية الصائبة من الأغلبية الخاطئة، وهي أطروحة لينينية قاربها من موقف البولشفيك من المونشفيك، ثم وحدانية العمل الحزبي أي شرعية وجود حزب شيوعي وانتهازية الآخر في حال وجود أكثر من تنظيم، مركّزاً على جذور الانتهازية.
/6/2012 Issue 4231 – Date 21 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4231 التاريخ 21»6»2012
AZP07