
الصعود إلى معالي الأمور – غزاي درع الطائي
لسنا بحاجة إلى مرآة لكي نرى حالنا، فحالنا واضح أمام عيوننا على أشد ما يكون عليه الوضوح، ويكفي أن ننظر بعيون مفتوحة وبصيرة ثاقبة إلى ما نحن فيه، وإلى الأرض التي تقف عليها أقدامنا، لنعرف أين نحن من الزمان ومن المكان، ومن الدنيا وما فيها، ومن القريب والبعيد، وما لنا وما علينا، على أن نضع في حسباننا قول نبينا الصادق الأمين (ص) الذي جاء فيه: (إن الله يحب معالي الأمور وليس سفاسفها)، أفليس من الأولى أن نحب ما يحبه الله؟، وهل يليق بالعراق وأهل العراق إلا معالي الأمور؟، ولكي يكون هذا الكلام واضحا، نستعين بابن الجوزي الذي قال: (معالي الأمور لا تُنال بالفتور)، ومن أراد معالي الأمور أن يطلِّق الكسل والفتور واللامبالاة والتراخي، فالمعالي تحب العوالي والعالي لا ينزل إليك بل عليك أن تتسلَّق إليه، وهنا أذكر ما ذكره الثعالبي في كتابه (التمثيل والمحاضرة) من أن رجلا قال ليوسف عليه السلام: (أتجوع وفي يدك خزائن الأرض؟)، فقال له: (أخاف أن أشبع فأنسى الجياع)، ومن هذا السؤال وهذا الجواب أنطلق لأسأل: هل يجوع العراق وفي يديه من الخير ما يكفي الجميع ويزيد؟، إنه بلد الثروات الهائلة من كل شيء وفي كل شيء، بلد الخيرات الوفيرة والكنوز الطائلة، منها ما هو فوق الأرض ومنها ما هو في باطنها، ومع كل هذه الثروات والكنوز هناك العقول العراقية المتوهجة بالإبداع، والقادرة على أن تجعل من التراب ذهبا ومن السراب ماءً ومن الأحلام حقائق يراها الداني والقاصي، فالعراقيون أهل معالي الأمور لا سفائفها، وأهل القول الجميل لا المبعثر، وأهل الفعل المؤثر لا العابر، وأهل الصوت العالي لا الخافت، فتحية للعراقيين الذين يشقّون ظلام الليل بضوء النهار، صاعدين إلى معالي الأمور.


















