الصرصار –  منهل الهاشمي

الصرصار –  منهل الهاشمي

  مرتدياً البدلة الحمراء إياها. يجلس منتظرا التنفيذ بعد هنيهة مستندا بظهره على الجدار , ثانياً ساقيه على صدره , شابكا ذراعيه حولهما , ورأسه متقهقر الى الخلف متوسداً الجدار. أفكاره مشوشة.. أعصابه مشدودة مضطربة.. مضطرمة .. وذهنه لا يستقر على حال. إلتفتَ يمنة عن دون قصد ورجع.. لكنه عاد في الحال لما صادف ورآه !!.

  كانت هنالك نملتان واحدة منهما أكبر من الأخرى بشكل ملحوظ تتصارعان على صرصار ميت , كل منهما تحاول جذبه لأحد الفطرين الصغيرين القابعين في ركن الحائط رغم أنه يكبرهما بكثير. مع أنّ الكبرى كانت أكبر وأقوى إلا أن الصغرى بدت نداً عنيداً لها للغاية ومستقتلة على الظفر بغنيمتها… كانت الكفة تميل لصالحها.

   لفت نظره المشهد بقوة وأثار فضوله , بقي يراقب ويرقب ما سيحدث. استطاع الموقف أن يطرد من ذهنه التفكير والقلق والاضطراب. في داخله ثمة رغبة دفينة لا يدري كنهها أنْ تنتصر الصغيرة على غريمتها وإنْ بدت معطيات الواقع عكس ذلك.

– هيا أيتها الخائبة… تمسكي به أقوى.. جرّيه.. اسحبيه… قبل أن يأتوا…

 بلا وعي منه خاطبها مشجعا بحرارة.. وصوت مسموع. تجاهد الكبرى ، تسحبه بقوة ، يفلت من الصغيرة ، فتجره نحو بيتها , بيد أن الصغرى سرعان ما استجمعت قوتها وعادت لتنازعها عليه ثانيةً باستماتة.

  بين النملتين يحتدم الصراع من جديد  للفوز بالصرصار. تارة تكون الغلبة للكبيرة وأخرى لغريمتها. خُيّل إليه أنَّ نملته الصغيرة سمعت رجاؤه. بعناد الثيران وإصرارهم تظفر به أخيراً لتجره ناحية شرخها الذي تفصله عنه سنتمترات قليلة. ندت عنه شبح إبتسامة لا إرادية باهتة في زاوية فمه. تناهى لمسامعه وقع أقدام تقترب بقوة.. وثبات.

– اسرعي يا غبية.. هيا … لقد أتوا !

   خاطبها بتوسل, لكن الكبيرة عادت فتشبثت به في اللحظة الاخيرة مما زاد من فضوله وتشوقه لمعرفة نتيجة هذا الصراع المثير.

  بصرير قوي مزعج يُفتح باب الزنزانة الصديء بغتة. هبّ من مكانه مذعورا. دخل عليه ضابط يتبعه رجلان عملاقان بشكل مخيف يرتديان السواد كاملاً ذوا شاربان طويلان كثّان.

هيا انهض

   خاطبه الضابط بلهجة آمرة. أمام باب غرفة الإعدام وقف ليستمع بعينين زائغتين وذهن شارد للضابط وهو يتلو عليه منطوق الحكم بطريقة آلية حيادية تخلو من أية عاطفة أو تأثر. طلب منه الشيخ الذي كان يجاور الضابط أن يعلن التوبة والمغفرة عما اقترفت يداه والتشهد. فعل ما طُلب منه دونما وعي او تركيز. سأله الضابط السؤال التقليدي المعهود :

– أفي نفسك شيء أخير ؟

  أجاب صادقاً بتوسل :

– نعم… أريد فقط أن أعرف مصير الصرصار !!

مشاركة