الصدر في عطاء جديد – محسن حسن الموسوي

الصدر في عطاء جديد – محسن حسن الموسوي

حروف تأبى المراوغة

الحروف ، تلك الكائنات الحيّة المتماوجة على السطور، تخرج من القلب ، ومن العقل  ، أو من كليهما معاً ، ولا ضير في ذلك  ، بل هو الحَسَن كلُّ الحسَن .

تلك التي لها ألوان وأشكال زاهية  ، فهي تطرّز الأوراق بما تحمله من الأفكار والمشاعر والعواطف.

الحروف التي علّمها الله لأبينا آدم عليه السلام  ، فكان الكلام  ، وكانت اللغات ، وكان كلّّ شيء  .

لولا الحروف والكلمات المتكونة من هذه الحروف لَضاعت الحضارات  ، ولم تتقدّم الإنسانية  ، ولكن بالحروف حُفظ الفكر وحُفظت التجارب.

وكانت معجزة الإسلام بالحروف ( ا، ل، م ، ك ، ه ، ي ، ع ، ص ، … ) هذه الحروف العربية التي تتكون منها الكلمات  ، وأيُّ كلمات  ، إنها كلمات نازلات من الله سبحانه على رسوله الخاتم( صلى الله عليه وآله  وسلم ) .

فيا أيها البلغاء والشعراء هذه حروف لغتكم  ، وهذه كلمات لغتكم  ، بها نزل القرآن الكريم  ، معجزة الإسلام الخالدة، وبها التحدّي من حين نزول الوحي إلى خاتمة الدنيا.

ونحن معشر العرب ، لازلنا  نقرأ القرآن الكريم  ، طرياً ، حيّاً ، نتلمس فيه البلاغة وعنفوان اللغة العربيه الشريفة  ، التي تشرّفت بالقرآن الكريم  ، اللغة الكريمة التي تكرّمت بالقرآن الكريم  ، والتي نكتب بها منذ تلك القرون السحيقة وإلى الآن  ، ولا نحسّ بالغربة، ولا نحسّ بالانقطاع  ، وتلك إحدى كرامات القرآن الكريم التي جعل لغتنا العربية حيّة رغم تطاول القرون.

نقول هذا ، وأمامنا  ، كتاب سماحة سيدنا العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر حفظه الله  ، والذي أطلق عليه عنوان ( حروف تأبى المراوغة ) ، نعم، تأبى المراوغة  ، والمراوغة ، في اللغة من الرَّوغ ؛ وهي المَيْل على سبيل الإحتيال  ، ومنه؛ راغ الثعلب يَروغ رَوَغاناً .

رسالة توعوية

وسيدنا الحجة الصدر حفظه الله  ، صاحب رسالة وهدف ، رسالة توعوية هادفة تستمدّ أصولها من حروف القرآن الكريم  ، الصادعة بالحق ، الكاشفة لمواضع الخلل  ،  التي تَصف الداء وتعطي الدواء ؛ وتلك هي رسالة المصلحين في كل حين وفي كل زمان وكل مكان ، وتلك  الحروف ( تأبى المراوغة وتنطق بكل صراحة بعيداً عن المحاباة والمجاملات ) .

إنّ كلمة الحقّ ضرورية وواجبة حينما تنحرف بعض النفوس عن طريق الحقّ ، فلا بدّ من تصحيح المسار  ، وإعطاء التحذير  ، وهذه الحروف  ( إذ تشير إلى مواطن الخلل والفشل في أداء الكثير من السلطويين وما يسببه ذلك من أوجاع ومعاناة للمواطنين لاتستهدف القدح بالاشخاص وإنما تثبت الإدانة لممارساتهم الظالمة واصرارهم على نسيان مهماتهم الأساسية في خدمة الشعب والوطن ) . والوطن للجميع  ، وليس لفئة معينة ، الوطن أمانة ثقيلة  ، وليست فرصة للاستواذ على خيراته بدون حقّ ، واستغلال النفوذ السلطوي في ذلك بطُرق ظالمة  ، وتسليمه إلى الأجيال الآتية محطَّماً ، ضعيفاً ، هزيلاً ، لايمتلك مقومات بقاءه بكرامة  ، ولا شكّ أن الأمانة الوظيفية من أخطر الأمانات  ، فهي التي تورد الخزي في الدنيا والعذاب في الآخرة لمن يخون هذه الأمانة المقدسة  ، ونحن على أبواب عملية ديمقراطية في الانتخابات  ، ( ويقال: أن هناك ملايين البطاقات الانتخابية قد أ عدّت من الآن لخدمة الحرس القديم ، وقد بدأت عمليات التهديد تلاحق العديد من المرشحين المستقلين تطالبهم بالانسحاب وإلاّ فإن الاغتيال بانتظارهم  !! ) .

هذا الكتاب الممتع( حروف تأبى المراوغة ) هو مجموعة من المقالات المتنوعة الأغراض  ؛ بين الدين والأخلاق والاجتماع والأدب والسياسة و التأريخ والطرائف ، فهو ( كشكول ) ، يتنقّل بين هموم الإنسان وهموم الوطن  ، وبين مايحتاجه الإنسان من آداب وحكمة ولياقة ، وهنا يتحدث سيدنا الصدر عن آداب الزيارة:

( هناكَ مَن لا يزُوركَ إلاّ بعد أنْ يتصل بك ، ويُعلمَكَ برغبته في الزيارة  ، ويتلقى منك إشارة الترحيب  … وهذا هو المنهج الصحيح في الزيارة  ، حفاظاً  على اللياقات الأخلاقية والإجتماعية  ، وتجنباً لإحراج المزور أو صده عن إنجاز ما يريد إنجازه من الأعمال  .

وفي مقابل هذا الفريق الملتزم بآداب الزيارة  ، فريق آخر لا يُراعي ما تقتضيه الأصول  ، ويستسيغ الدخول إليك أنّى شاء ، مِنْ دونِ إشعار مُسبق  ، وقد يُطيل المكث فيكون ثقيلاً بعد أنْ كان مخترقاً لمقتضيات اللياقة ..) .

ويحدّثنا سيدنا الصدر حفظه الله  ، عن موضوع الثقة بالنفس  ، وهو موضوع حيوي  ، ورحم الله من عرف قَدْره ، ومَن عَرفَ نفسَه فقد عَرف ربَّه ( والإنسان بنيان الله فلا ينبغي لأحد أنْ يستهين بنفسه وأنْ يعتبرها من الأصفار  ..!!

كما لايسوغ لأحدٍ أنْ يغالي بنفسه إلى درجة الغرور ) .

صراع حضاري

الصراع الحضاري الفكري من أبرز مظاهر الحياة  ، وقد لا تتقدم الحياة بغير هذا  ، وتطور الأفكار والرؤى  حالة إيجابية إذا كانت تحمل بين طياتها غرضاً نبيلاً ، صادقاً ، أميناً ، وغير خارج عن حضارة الأمة  ، خصوصاً أمتنا الإسلامية وحضارتها الفكرية القائمة على هدى الشريعة  ( ويحلو لبعض الحداثويين أنْ يَجْهروا بالدعوة إلى طيِّ صفحة الماضي بكل ما فيه، والانطلاق من روح العصر وحضارته وما أفرزته من قيم ومُتَبَنيات ومواضعات  .ويبدو الأمر للوهلة الأولى وكأنه تَنَهدٌ لإحراز التقدم والتحليق في فضاء التجديد والإبداع .

ولكنَّ البُعْدَ الأعمق لهذه الدعوة البائسة هو التزهيد بما حمله تاريخنا من ومضات مشرقة  ، وبالتالي فهو تزهيد في القيم الأصيلة التي لا بُدَّ أنْ تُستلْهم في مسيرتنا الحياتية  .

إنها دعوة خطيرة لفصل المسلم المعاصر عن تأريخه الرساليّ الحافل بكل معاني السمو والتألق في مناحي الحياة كلها).

هناك سؤال ليس من الصعوبة الإجابة عليه : هل نحنُ نصنع الطغاة والفراعنة، أم هم يصنعون أنفسَهم ؟

أنا من المؤمنين بأننا نصنع الطغاة والفراعنة   نحنُ بسلوكنا وتصرفاتنا غير الواعية  وغير المدروسة  نصنع الطغاة  ، وليس من الصحيح أن الطغاة يصنعون أنفسهم  ، ولا شك أن هناك من الشخصيات لها إستعداد  لتكون في عِداد الطغاة  إذا تهيأت له الظروف  ، والظروف هي مساعدة الناس للطاغي ليكون طاغياً !

وهناك من  الشخصيات مَن لايسمح لنفسه أن يتكبر أو يكون في عِداد الطغاة  ، وفي هذا الصدد يُروى أن أمير المؤمنين علي عليه السلام  أبى أن يسير وهو راكب وآخرون يمشون على الأقدام  ، عليٌ تلميذ وربيب خير الخلق محمد صلى الله عليه وآله  وسلم  ، وسيرته الوضّاءة  تعطي الدروس العملية  للزعماء والرؤساء  عن أصول الحكم والسياسة  .

نقول هذا ، حيث يستذكر سيدنا الصدر شخصية أحد أبرز الشخصيات في القرن العشرين وكان ولا يزال له أنصار  ، كما لايزال له مناوؤه  ، ذاك هو عبد الكريم قاسم ، تلك التي تناولته الكتابات بالمدح والقدح  ، بالإساءة والإحسان  ، وجعلته فئة في قمّة الوطنية والنزاهة  ، كما زعمت فئة أخرى بارتباطه  الخارجي  ! وتلك دعوى لم تثبت  وما لها من دليل  !

يروي سيدنا الصدر حفظه الله  ، رواية طريفة ولكنها ذات مغزى ، وبمثلها يتولد الطغاة  :

( إنّ عبد الكريم قاسم قال في إحدى جلسات مجلس الوزراء :

نحن بحاجة إلى إصدار قانون في أمر محدد كان مطروحاً .

فأجابه أحد وزرائه بالحرف الواحد  :

_ أنتَ القانون  …!!  كلتمُكَ قانون…!!

فكيف لا تنتفخ عنده الذات إلى درجة يخشى معها مِنْ كلِّ منافس..؟ ) .

ولا شك أن لعبد الكريم قاسم حسناته الكثيرة  ، كما أن له أخطاؤه الكثيرة  ، وهناك أخطاء غير متعمدة ، كما أن هناك أخطاء متعمدة ، فيها جانب من الإهانة والقسوة  ، ومنها ما يروية سيدنا الصدر حفظه الله  :

( ولعبد الكريم قاسم قرارات غريبة منها مثلاً :

إنه قرر إطلاق سراح الجواهري بكفالة نقدية مقدارها (خمسون ) فلساً ..

وليس ثمة من إهانة أكبر مِن هذه الإهانة لشاعر العرب الأكبر  ، مع أن الجواهري هو القائل  :

جيشَ العراقِ ولمْ أزلْ  بكَ مؤمناً

        وبأنك الأملُ المُرجّى والمنى

عبدَ الكريم وفي العراق خصاصةٌ

    لِيَدٍ وقد كنتَ الكريمَ المُحسِنا).

أنا من المؤمنين بضرورة تكريم ذوي العطاء الكبير والنافع للمجتمع  ، تكريمهم في حياتهم  ، وهو جزء صغير من العرفان لهم  ، وليس من الصحيح تأجيل التكريم  ، مهما كانت المبررات.

لقد آن الأوان لتفعيل صيغة تكريم المبدعين من ذوي الاختصاصات المتنوعة  ، في حياتهم  ، وكتابة سيرتهم في حياتهم  ، فلعل هناك زوايا تخفى على الباحثين إنْ هم تناولوها بعد ذلك  .

ولسماحة سيدنا الصدر حفظه الله  ، القدح المعلّى في نشاطاته الفكرية والسياسية  ، منذ أكثر من نصف قرن  ، والكتابة عنه واجب انساني ووطني وأخلاقي في ذلك  ، وقد أتحفنا الباحث الأستاذ ستار جبر الحجاج فكتب عن سماحة سيدنا الصدر حفظه الله  ، رسالة ماجستير  ، قدمها إلى جامعة بغداد _ كلية الآداب  تحت عنوان  :

(( حسين محمد هادي الصدر _ نشاطه السياسي والفكري

1945-2016 م _ دراسة تاريخية  ))

وقد اجيزت بتقدير  جيد جدا  عالي  ..

وفي نهاية حديثنا عن هذا الكتاب الممتع ( حروف تأبى المراوغة ) نترك باقي المقالات لتكون من سهم القارئ للاستمتاع ونيل الفائدة منها  .

حفظ الله سيدنا حسين السيد محمد هادي الصدر  ، وبارك فيه وله وعليه.

وله سلام وتحية  من تلميذه .

{ الكتاب  : حروف تأبى المراوغة

تأليف    : العلاّمة السيد حسين السيد محمد هادي الصدر، حفظه الله

الطبعة   : الأولى، 1442 هج  / 2021م

عدد الصفحات  : 152 صفحة .

مشاركة