الشيفرة والتحليل النفسي للفيلم
هيتشكوك الرسالة السايكولوجية
محمد يونس
(في السينما الروائية المخرج هو الله، وفي السينما الوثائقية الله هو المخرج) هيتشكوك
هيتشوك ذاكرة سينما السايكولوجيا : لقد مر اكثر من مئة عام على ولادة هيتشكوك مؤسس المشهد السايكولوجي في السينما العالمية ، الذي قدم خلال تجربته الطويلة التي بدأت منذ عام 1925 ابان السينما الصامتة، حتى اخر افلامه “مؤامرة عائلية” عام 1976 الذي كان خلافا للتوقعات ، اذ كان هيتشكوك مريضا وفي منتصف العقد السبعيني من عمره ، والسينما العالمية قطعت اشواطا بليغة قي تطور العالم ثقافيا وتقنيا ، لكن ما كان لتلك الشخصية الجدلية في السينما العالمية ،
ان تبقى استثناء دون معايير تحقيق لذلك المعنى ، ولا تبقى هالة الاسطورة ، تبهر النفوس وتهز الكيانات الا بعد ان قدرات الرؤية الهيتشوكية ، تمكين الشخوص من هضم المفاهيم السايكلوجية ، وابرازها عبر سبل تقنية ايضا ، فكانت الموسيقى لديه لا تعبر عن املاء الفراغات المخصصة لها في اطار السيناريو ، بل جعلها حتى تجتاز تلك الصفة المقابلة لحركة المشهد وكجزء من تلك الحركة ، فكانت اداة صدم نفسي مفاجئ، كما في “سايكو” ، اذ اضحت الموسيقى هي لغة الحدث بدل لغة الحوار ، بل تحرك المشهد الغامض والقلق ، بطريقة فنية مقتدرة ونفسية موغلة في اعماق النفس الانسانية، ان هيتشكوك يرى في تعريفه للسينما “انها قطعة من الكعك” وهي ليست شريحة من الحياة الانسانية ، جعل رؤياه بهذا التعريف الفهم لفنه وقدراته ورؤياه ، بسؤال عصيب ، هل احد كبار مخرجي السينما عبرقيا ام معقدا؟ لكن بقي لا يهتم وكعادته، ليس بهذه التغييرات وحسب ، بل حتى التغييرات الهائلة في عموم الحياة الانسانية ، ولا ما امتلأ به عمر البشرية من افكار خلدتها السينما ، وكانت مرآة لتاريخ الماضي البعيد، انه يرى في هذا عملا غير ذي جدوى وكأن همه ان يجعل من افلامه قطعا فنيا خالدة ، فهو منذ عام 1993 بعد ان تحررت السينما من صمت العشرينيات ، وفي ذلك العام خرج الى العالم بتحفة فنية فريدة في ظرفها الزمني ، فقدم “ربيكا” بعد مرحلة الكلاسيكا البريطانية ، التي تلت مرحلة السينما الصامتة وقدم خلالها العديد من الافلام ، فمنذ هذه الافلام بدأت بصمته تتوضح بتفردها في المعالجة ، بجعله عنصر التشويق هو شيفرة سرد رؤياه ، وهو الافصاح عن مكنونات النفس الانسانية، فكان المشهد لديه ، يصنع غموضه المنطقي ثم يبرره عبر اشتراك كل كوادره في وحدة عملية فاعلة يجعلها منحى جمالي يتجلى الغموض الاجتماعي من خلاله ، وكأن كوامن النفس الانسانية ، تلهمه تبريرها ، باعتبارها منطلق التغيرات الكونية ، فكانت اللقطات تتوالى مشبعة ذلك الحس السايكلوجي ، الذي هو مترع بغموض فني، بشخصيات متوازنة ، كآليات خير وشر ، وكان هاجس هيتشكوك ان يقدر عبر اندماج كادره ، تحقيق الفكرة التي يصبو اليها في المشهد ، الى ابعد نقطة واقصى حد ، فحركة الشخصية في المشهد لديه ، مرتبطة ارتباطا كليا ، بالموسيقى التصويرية والبالضوء والظل ، كعنصري موازنة وتفعيل الحدث وبالتالي يشكلان اطارا جماليا لرؤياه ، ان صح التعبير ، ماوراء الواقع ، لذا كانت سينماه بقدر ما تحمل من اسى وفزع ، تحمل من السحر والقوة المبررة للغموض ، وجذب المشاهد الى اقصى درجة من التفاعل والمعايشة الحسية للحدث ، وكان هيتشكوك عمد الى اعلى المشاهد بصريا مع كل تفاصيل المشهد ليشركه في الحس مع ما يتجلى به بصريا ، فهو يرى وضع قنبلة اسفل مائدة يجتمع عليها شخوص ، لا يجدي المشهد، لو اخفيناها ، وشغلنا المشاهد بما يحدث لحظة الانفجار ، اذ ان المفاجأة تحدث فضلا عن اللقطات التي تلي لقطة الانفجار ، وهذا ما ينقصه انه يريد اللغة البصرية التواصل لتسجيل كوامن الجو الداكن الذي غلب على مشاهده ، فكان على مستوى الشكل مبتكرا ، وصانعا ماهر ، رغم تلك الظلال الغامضة التي تتحرك خلالها الشخصية ، بل سحره في الغموض ، لانه مبتكرا من القراءة لتاريخ السايكلوجيا لذلك يصنع المخرج الفرنسي الشهير تروفو هيتشكوك اذا ما قورنت السينما بالادب في مصاف دوستفسكي وكافكا وادجر الان بو ، كونهم من رواد الادب السايكلوجي لقد تمكن هيتشكوك من بناء شخصية غير مالوفة او غير نمطية اجتماعيا ، بناء اضافة للدرامي الموظف في السيناريو ، بناء ما ورائي يثير الريبة والقلق بيد انها مشوقة رغم الغموض ، الذي تفتعله زواية الكاميرا ، واذا ما يحاول التصعيد الغريزي للمشهد ، لموازنة جو المشهد. فكانت من خلال هذا الجانب وابرازه ، تؤثر على الاطار العام في الجانبين ، الاول منها هو توفيقه في جعل الشخصية الرئيسية سؤالا مبهما عن الخير والشر والشخصيات الاخرى تحاول حل هذا اللغز ، وهذا على المستوى الفني والجمالي بدأ فيه انه رسم لوحات غاية في السحر يتجلى من خلالها هذا السؤال الجوهري ، رغم ان البطء كان يسود المشهد ، وربما هو قصد ذلك ام الجانب الثاني ، فهو لا يحسب له ، بل كان في الاطار التفسيري لحركة المشهد وجو المشهد ، على المستوى المنطقي ، غير مقنع في المستويات الثانوية ، اذا كانت جزءا من الشخصية المحورية ، تبدو من دون فاعلية ولا اثر فني اذا ما جردت في مشهد منها ، فكانت شخصيات حوارية ليس الا ، لكن هذا الامر ليس نهائيا ، او يؤشر حقيقة معينة ، اذ ربما قصد بجعلها بهذه الصورة ، ليؤكد ان شخصية الحدث هو سؤاله المركزي وتوظيفه يجب ان يجعله بؤرة استقطاب للشخصيات الاخرى وتجريب الحلول الافتراضية التي ينتهي باحداها الفيلم ، ان هيتشكوك بدأ بالسينما الصامتة ، وكان يدرك معنى انتصاره وكيف يتحقق ، وكان لا يخشى ان يسرد بكاميرته ، هذا السرد الذي عني به وليم جمس وكونراد ، اذ يعني البناء السردي باكتشاف الوعي الذاتي في حمل المعنى المقصود ، كان الدرس الهيتشكوكي فوق كل الاعتبارات ، تحقيق مقصده وان لقي معارضة جمة ، هو الهدف الاخلاقي ، الذي اهتم بمواصلة عطائه بذات الاسلوب ، ليؤكد حقيقته للجهة المعارضة له ، وانه سارد مذهل المعاني ، وتفرد في تكنيك وحركة كاميرته ، وثقته بنفسه وفاعليته التي صارت للاسف ذكرى بعد تجربة متواصلة منذ عام 1925″حقيقة اللذة ” وحتى عام 1976 حيث انجز السينما العالمية بفيلمه الاخير : مؤامرة عائلية “57” فيلما ، مثلت سؤاله الازلي وتفعيله في الوجود الانساني وكانت افلامه “سايكو والطيور والشمال عن ريف الشمال الغربي وحجز التوباز وغيرها” نجوما مضيئة في تاريخ السينما ، وان شابها الجدل الذي هو في كل الاحوال ، يؤكد ان هيتشكوك كان الاستثناء .
الهتشكوكية وشفرة اجلاء الجوهر
مثلت دراسة استيطان دواخل النفس الانسانية في السينما تاريخا وارثا مهما في جميع الجوانب . وكان لرائد هذه المدرسة الانكليزية الفرد هيتشكوك ، الدور الاساس والفاعل في ارساء قواعد هذه المدرسة ، منذ ان وضع عينه لاول مرة خلف الكاميرا عام 1920 وبدا من حينها نشاط السايكولوجي يرسم رسما دقيقا بانعكاساته ضمن المشهد السينمائي ، وتعميم ذلك الى ادق التفاصيل ، فاراد منهج هيتشكوك لوحدات العمل جميعا ، ان تعبر حس سايكولوجي يعم المشهد ، يؤثر بالمقابل البصري الى ابعد حد، وهذا ما تجلى في جل افلامه ، فهو حتى موسيقاه من نمط خاص ، حادة ومتوترة وفي غاية التاثير ، فهي لدى هيتشكوك مندمجة تماما في سرد المشهد وحركيته ، وكذا وحدات العمل الاخرى ، اذ يعتمد هيتشكوك اضافة لاسلوبه التحليلي كوامن النفس ، الذي اشتهر به اسلوبا تقنيا في غاية الاهمية عرفت به المدرسة الانكليزية وهو (اسلوب التحضير المسبق الدقيق) والذي يعد ذا جدوى في جميع الجوانب ويخدم واقع الانتاج بشكل خاص ، وكان الفرد هتشكوك ممن جعلوا هذا المفهوم سمة ارتكز عليها بناء كل فيلم لديه ، ونتيجة لتراكم خبرة علمية لديه ، كان يقف امامه سيناريو كتاب يتواضع كثيرا ما اعاد صياغة اجزاء من السيناريو ، كي تتفق وسياق مدرسته السايكولوجية ، وحتى كاتب سيناريو فيلمه الشهير (سايكو) الذي يقف صاغرا امام ارشاداته ، فقد اشترك في كتاب سيناريو المعد من عمل للكاتب ذاته ، قدم هتشكوك امتيازا في اسلوب التحليل النفسي على امتداد تجربته المثيرة ، واذ كانت افلام خزين تمتاز بالاثارة والتشويق ، او تجد الرعب يمثل الصفة الاساسية المثيرة في العمل ، وصلت عند هتشكوك نوعا من السخرية ، لانه لا يسعى الى رعب المتلقي ، هو ملهم ، لكنه لا يدع الالهام يأتي لحظة الاشغال ، يجتهد في تنظيمه بشكل مسبق بأفضل ما يمكن ، في اعتماده شيفرة اجلاء الكوامن محاولا بأقصى قدرة ان يجعل البحث الصوري ، ان جاءت التسمية ، متفوقا على علم النفس وفتوحاته ، التي زامنت فترة توجهه السينمائي ، على يد فرويد صاحب الاتجاه التجريبي في علم النفس . قدم هتشكوك على مدار تجربته عشرات الافلام، منها من بلغ ان يعد تحفة فنية ، وكان اول نجاح مثمر ومؤثر وراسخ كان عام 1940 حيث كان فلمه (ربيكا) امتيازا فنيا في جميع جوانبه ، وقد مثل هذا الفيلم احد اكبر طاقات السينما والمسرح عالميا وهو السير لورنس اوليفه ، الذي يعتبر خير من جسد المسرح الشكسبيري ، توالت الاعمال تقدم اسلوبه التقني المتميز اتجاهه في رؤياه المتفردة ازاء علم النفس الذي شغف به ايما شغف ، فكان بيت في المشاهد تلك الاسطورة العاتية في التأثير بالملتقي في جميع الابعاد ، فمن التأثير بزاوية الكاميرا ، التي غالبا ما تكون جانبية ، متصرفا بالضوء والظل بصورة قوية التاثير، الى موسيقى ذات حس حاد ومتوتر . فنجد فلمه (الدوامة) الذي اخرجه عام 1958 فيلما من هذا النوع ، وقد ادى ادواره الرئيسية النجم السينمائي (جيمس ستيوارت) والممثلة الفاتنة (كيم نوفاك) التي كانت في هذا الاطار النفسي ، في افضل حالاتها في فيلم (المرأة الافعى) التي قامت ببطولته عام (1961) ولكن يبقى الامتياز الهتشكوكي مؤشرا بشكل واضح ، في فيلمه الذي يعد تحفة فنية في اطار السايكولوجيا وعلى الاخص مرض الفصام وتاثيراته على الافراد ، فكان فيلم (سايكو) او (نفوس معقدة) تحفة يصعب محاكاته ، لتفرد اسلوب هتشكوك ، وكان احد مشاهد الفلم وهو مقتل (جانيت لي) على يد (انتوني هوبكنز) في الحمام ، ذا تأثير على المستوى الاجتماعي لا يمكن ان يصدق ، حتى ان احد الشخوص ، اشار لهيتشكوك بمقاضاته لان ابنته صارت تخشى الحمام بسبب ذلك المشهد ، نعم كان لثقافة هيتشكوك في هذا الفيلم بالذات عبر حدود الاثارة والواقع ، الى الجوهر الانساني والكوامن ومدياتها الحسية ، وابرازها عبر شخصية محورية ، فكان (هوبكنز) شخصية متفردة على المستوى البصري والادراكي .وسعى سينمائيون الى اعادة التجربة ذاتها ، لكنهم سعوا اليها في اطار تجاربهم واسلوبهم هذا ولم يتم لهم النجاح طبعا لقد كان لغرابة فيلم (الطيور) ان قابل على المستوى الثقافي والاجتماعي ، بترحاب كبير وخير تقبل اذ مثل الفيلم حالة لم تعهد فكيف بها تقدم بأسلوب فني متميز حاد الاثارة؟ وقد عول هتشكوك على عنصر المفاجأة في هذا الفيلم ، وقد رسمها بشكل دقيق ، وقد نجح ايما نجح ، ان البعض يعتقد ان هتشكوك مخرج لافلام رعب ، وهذا تشبيه ساذج ، هو ذاته يزدري منه ، فهو ليس نمطيا همه ان يخرج فيلما على المستوى التجاري ، بل هو عمود فقري لمدرسة السايكولوجيا في السينما ، وما كان ان يكون هو محاط بفليني وكيراساوا وألقاب اخرى، لا مثل هؤلاء النجوم في كل الاحوال.
الموضوعة السايكوهيتشكوكية
لقد بلغت السينما في السنين الاخيرة حالة من التطور افقدتها روح الخطاب وهي تكاد تبلغ مرحلة ما بعد الحداثة بشكوك اذ نجد ونلمس ذلك الطابع الفني الذي اوجدته موجة او ظاهرة السوريالية بكل ابعادها التاثيرية وكان ان نجد لذلك الاثر الفني الملموس فيها وضوحاً مميزاً في السينما المعاصرة وعلى الاخص ذلك الانعتاق الذي يمكن وصفه بانه تام الحرية تجرد من كل اطر الحداثة المعهودة في الثقافة والفنون التي كانت خاضعة لقوانين تنظيم غير عيانية بل ادراكية وكانت الفلسفات والمناهج تخضعها لذلك السياق الان السينما لم تعد تهتم بالسياقات اكثر ما تهتم بالاكتشافات ومغالية كل حالات عدم الاستقلال فصارت الوحدات الفنية غير خاضعة لسياق حركة الكاميرا بل ان المشهد المصور يخضع لما يسمى مغامرة استكشافية تجعل واقع تصوير المشهد في براءة تامة من كل ما يمكن ان يكون قد اتصف به قبل المعالجة وتلك المعالجة هي التي تمثل التنصل المنطقي من اطر الحداثة التي عرفت في خطابات سينمائية سابقة على مستوى التنظير كانت مؤكدة او على مستوى الانجاز واضحت مجرد تاريخ بلغت فيه طاقات اقصى حدودها في تأكيد صفتها الثقافية والدفاع عن تلك الصفة بعد ان تبلورت بعد نمو منظم استمر احياناً احياناً ليؤكد بعد ذلك كمنحى حداثي ونجد منذ البداية القرن الماضي برزت معالم حقيقة اذ ان وصف (طاقات) كان اقل بكثير من ان يعني حقها تلك المعالم فمنذ بدايات بواكير السينما كان الاميركي (فلاهيرتي) ساعياً الى خلق انوذج حداثي في سينماه فكان يسعى ان يكون المشهد شعرياً وتغلب عليه صفة تعبيرية وكان كذلك المنظر الروسي الكبير سيرجي ايزنشتاين معادلاً موضوعياً لرواية تيار الوعي فكان يهتم بالمنولوج الداخلي وجعله في ما اسماه وسيطاً لفضياً ثم واقعية فيليني واجلاء كوامن النفس الانسانية في السينما السايكولوجية التي كان هتشكوك ممثلاً رئيساً لها وكذلك سينما الغرب (البطل) عند سيرجي ليوني التي قدمت تاريخ رعاة البقر بشكل مميز التطور الذي حصل في العلم جعل السينما تكون في وصف مغاير ابتعد بها من مناطق الابداع والذوق الفني والرؤى المهمة بالقيم الجمالية وايرزها بافضل مايمكن على جميع سرديات الفيلم بل وحتى جعلها تتناغم مع عنصر التلوين والموسيقى لذا كان عنصر التشويق في الفيلم السينمائي تؤكده الرؤية وثقافة المخرج الان يمكن ان تسمى عصرنا الذي ابدى ما بعد الحداثة في كثير من الفنون والثقافة والاداب وعلى الاخص السينما التي بدت متأخرة عن التشكيل كمثال فكبار رموز الفن التشكيلي سعوا منذ ثلاثينيات القرن الماضي الى استقلال تام عن المناهج بل ان البعض احدث ثورة عليها كخوان ميروبراك ان نسمي هذا العصر بعصر الكومبيوتر او الحاوسب ممكن اذ السينما المعاصرة هي التي تخرج من جهاز الحاسوب الى المتلقي نعم هناك قدرات فنية ونجوم كبار اكدوا تجاربهم في الاخراج ككوبولا وسلسبيرج وغيرهما وممثلين كدي نيرو وهوفمان ومن يوازيهم او يفوقهم في ابراز الشخصية في حالة من الواقع وكأنها حقيقة كاملة وليست مؤداة لكن ما طرأ على السينما العالمية وعلى الاخص في هوليود لا يعد تجرؤ او اشكالية في اطار مقبول بل كانت اكتشافاً لمجاهيل تأكد في كل المناحي وبعد المشاهدة تجعلنا نحاور انفسنا ازاء الحقائق المكتشفة التي شاهدنا نعم هذا ما طرأ على السينما قد نكن نجد فيها بعض الغرابة لكن عنصر الشويق وتفوقه الغيا الكثير من هذه الغرابة بل صرنا نتفاعل مع ذلك الاكتشاف الذي لم يخلو من اية صفة واقعية ولنأخذ مثالاً متفوقاً وهو فيلم (المتمرد) فنجد في اجزائه الثلاثة معايشة قانعة بواقعه المتفوق بل نجد ذكاء لمخرجيه غير عادي او نمطي بل واع للتلقي من كل الجوانب فلم يلغ أي جانب بل حتى الحب فكان مؤثراً وعلى الاخص في الجزء الثاني من الفيلم الذي لولا وجود استجابات اجتماعية متفاعلة ومتوافقة على احسن مستوى من التلقي المنسجم لما كان هناك جزء ثالثاً وربما بعد ان تتوفر افكاراً لجزء رابع سينفذ.نعم اننا اذ نجد السينما الان خالية تماماً من الاتجاهات الحداثية وان كان على مستوى بعض المخرجين لكن واقع التلقي دائماً يملك سؤاله الانساني ازاء التطور ومتى يشبعه او يجعل قناعته مكتفية ذلك هو الدافع تقريباً الذي يجعل السينما المعاصرة تنحى لاكتشافات التخفف في ذلك الحس المتنامي انسانياً ازاء المجاهيل وعلى الاخص انها اوجدت لها حيزاً على الاقل في جهاز الحاسوب فكان ذلك دعماً للسينما من قبل الحاسوب لتضع اجابة مؤقتة للسؤال الانساني وربما تقنعه بذلك الاطار ما بعد الحداثي.
أن تاريخ السينما لمعالجة الجوانب النفسية، ليس حديث العهد، بل بدأ مع بداية أدخال الصوت في نهاية عشرينيات القرن الماضي، وكان أول من كرس الابعاد السايكلوجية في المشهد السينمائي. هو المخرج البريطاني (أنتوني اسكويث) الذي كان أول من أهتم بموضوعات الرعب، وكان له تاثير في ثقافة هيتشكوك السينمائية، والتي تبلورت منها مدرسة التحضير الدقيق المسبق، والاطار السايكلوجي نموه الطبيعي وأستمراره، كان بتأثير مدرسة علم النفس التي عني بها فرويد في تلك الفترة، وقام الرياديون الاوائل بنقل الحالات المتطرفة الى السينما، وكان أمهرهم في تلك الفترة هيتشكوك الذي، لم يترك ثغرة لشهيق المشاهد، بعد ان عرف جوانب التأثير عليه، وذلك يجعله ملامساً للحالة النفسية للشخوص داخل المشهد، حيث صار لزاماً على المشاهد التفاعل مع المشهد، فهو كان يسخر من مثال مشهد وضع قنبلة تحت طاولة، ودون ان يراها المشاهد، يفاجأ بعد لحظة أنفجارها، حيث أكد أنه سوف لن يصدم بالمفاجأة التي تزول بعد الانفجار، او ربما لن تحدث، فيما لو كان المشاهد هو الوحيد الذي يعلم بوجود القنبلة سوف يحاول ان يقحم نفسه لايقاف الانفجار، وسيكون في توتر حاد طيلة مشاهدته للقنبلة. تطورت هذه المدرسة، وبلغت أوج حالتها حينما أخرج هيتشكوك فلمه الشهير( سايكو) عام 1962 فقد كان الفلم غاية في أثارة كوامن النفس الانسانية، وليس فيلم رعب، كما يشاع، وان صح التعبير هو قطعة أثرية خالدة، وتحفة فنية قل نظيرها وحاول احد المخرجين الشباب أعادته في التسعينيات.
خاتمة
قدم هيتشكوك قاصا ومخرجا وممثلا، نمط لم تعهده السينما من قبلن حيث اشتغل على كوامن الشعور الإنساني، واهتم بالتعبير في المشهد عن تلك الوامن، والسعي الى ابراز دلالتها عبر الضوء والظل، وكذلك عبر نمط الموسيقى المتوافقة مع سينغرافيا المشهد من خارجها ومن داخلهان فيصيغ لنا صورة يراها بارت تحيل الى معنى ثالث، هو قد يكون كامنا يحتاج محفزات اظهاره، وبذلك بتلك الرؤيا تفرد هيتشكوك في اسلوب تراكبي بين الرعب والمتعة .قدمت نظرية هيتشكوك معنى نفسيا لم يكن سائدا حينها، فتفسير الرعب كان يحاتج لحظة زمن مرتبطة به، على اعتبار أنه هنا سيكون مفاجئا، ويثير القلق والرعبن لكن هيتشكوك اعتبر تأجيل لحظة القلق لحين موعد زمنهان يخلق مفاجأة مرتبطة بزمنها وليس بالزمن العام، فعاكس ذلك الأسلوب وخالفه، وقدم رؤية جديد للحظة القلقن حيث تسود تلك اللحظة زمن اطول، فوضع قنبلة غير مشهودة تحت طاولة يجلس اليها مجموعة شخوص، يختلف تأثيره عند كشف القنبلة للتلقي والمشاهد، عن عدم اظهارها حتى بعد لحظة انفجارها، فيكون المشاهد مشاركا الحس المرعب عند اظهارها له، ويسعى الى التدخل بتحذير الشخوص او تنبيههم، فيما يدهش كما الشخوص بلحظة الانفجار، وطبعا الفارق كبير في تفسير البعد النفسي للقلق، واحالة المشاهد عند هيتشكوك الى زمن واسع يتخلل مشهد او اكثر، ويرى هيتشكوك إن جعل المشاهد مشاركا واقعيا بكل معنى الكلمة، هو هدف مبرر، كونه يوسع مساحة التفاعل الحي بين المشاهد والمشهد، ويجعل تلك اللحظة سايكلوجيا تتطور الى حد مرعب، وتلك الفلسفة توضحت في افلام هيتشكوك وتجلت وبانت كقيمة فنية متفردة، ولم يتداخل مع اسلوب هيتشكوك أي مخرج وبقي متفردا في العطاء النفسي للفيلم، واكد مدرسة التحــــــليل السايكلوجي في ثيمة الفيلم .
اهم افلام هيتشكوك
هذا الإنكليزي العبقري، المصاب بفوبيا من “البيض” والشرطة، كرس أكثر من نصف عمره لصناعة سينما عن الجريمة الممزوجة بالغموض والحب والجنون والجنس والأمراض النفسية. ألفريد جوزيف هيتشكوك، يأتي اليوم متواكبــًا مع ذكرى ميلاده المئة وستة عشر، لنتذكر معه مجموعة من أفلامه التي خلدها أرشيف السينما العالمية.يقول هيتش عن أفلامه: “بعض الأفلام هي شرائح من الحياة، أفلامي شرائح من الكيك”.
ولد سيد التشويق والرعب النفسي الفريد هيتشكوك عام 1899 في الثالث عشر من شهر أغسطس، في ضاحية إيسكس بإنجلترا، وبدأ العمل في مجال صناعة السينما في سن مبكرة مع بدايات عامه الحادي والعشرين. وفي السطور التالية نحاول أن نتحدث عن عدد من الأفلام العظيمة لهيتشكوك، والتي تضيف لمشاهديها متعة بصرية ومعرفية وفنية ثمينة.أفلام هيتشكوك، لكل منها حالته الخاصة، لذا فوضع كل فيلم هنا لا يعني تصنيفه بأنه الأفضل على الإطلاق مقارنةً بالأفلام الأخرى لهيتش.
1- فيلم الدوامة – جيمس ستيوارت – كيم نوفاك – الفيلم من إنتاج عام 1958 مأخوذ عن رواية فرنسية – قدم الفيلم موسيقى معتبرة لبرنارد هيرمان
لقد ميز الفيلم كقيمة سينمائيةن فقد اعتبر معهد الفيلم الأمريكي الفيلم كأفضل تاسع فيلم على مدار التاريخ السينمائي.
2- فيلم سايكو – جانيت لي – فيراما بليز– اتنوني بيركنز – والفيلم تحفة فنية يندر أن تجد مثي لها، وقدم خلاله منهجا علميا للسايكلوجيا وتحليل واقعي لأحد اخطر حالات مرض ازدواجية الشخصية، وقد قام هيتشكوك بعمل سياسة إعلانية تسويقية عبقرية، شكلت عامل جذب كبير للفيلم، حيث كتب للمشاهدين أمام دور السينما أنه لن يسمح لأي مشاهد بدخول الفيلم بمجرد بدئه حتى لو كان هذا الشخص هو رئيس الولايات المتحدة الأمريكية أو ملكة بريطانيا. كما أنه سجل بصوته بعض المقاطع التي كان يتحدث فيها عن الفيلم أثناء شراء المشاهدين للتذاكر.
3- روبي – جيمس ستيورات واخرين، وقد تم منع الفيلم من العرض في بعض صالات السينمات الأمريكية، حيث هناك اعتقاد يشير الى أن الفيـــلم أظهر شخصية “فيليب” على أنها شخصية مثلية جنسيـا.
4- الطيور – الفيلم من إنتاج عام 1963 من بطولة تيبي هيدرن و رود تايلور، والبفيلم واحد من التحف الفنية، والذي تقدم به هيتشكوك الى منطقة حساسة، حيث طور منظوره السينمائي نحو الافتراض، وخلق واقع بديل بين ثنايا الواقع، فكانت قيمة فيلم الطيور استثنائية حينها ابهر به هيتشكوك العالم اجمع .
5- ربيكا – سيناريو هذا الفيلم هو مستلهم من رواية للكاتبة الإنجليزية دافني دو مورييه، الفيلم من بطولة لورانس أوليفيه و جوان فونتين من إنتاج عام 1940 وقال معللا منظوره في هذا لفيلم – كي تصنع فيلمــًا عظيمــًا تحتاج ثلاثة أشياء: النص، النص، النص-
6- شمال شمال الشرقي – مثل هذا الفيلم النجم كاري كرانت رغم كبر سنه والذي لم يكون يوازي الشخصية، وكان جيمس ستيورات قد رغب بتمثيل هذا الفيلم، لذا لم يصرح هيتشكوك عن بطله الا بعد انشغال جيمس ستيورات بفيلم اخر، ويرى هيتشكوك بإن كاري كرانت ممثل عظيم لايجارى
7- خلف النافذة – انجريد بيرجمان – هذا الفيلم هو من إنتاج عام 1954 وه قد اعتمد على قصة قصيرة من تأليف كورنيل وولريتش، وعلى الرغم من ذلك إلا أنه كان يتردد أن قصة الحب بين المصور روبرت كابا والمممثلة إنجريد بيرجمان هي التي ألهمت هيتشكوك لعمل هذا الفيلم.
لقد وضع الفيلم في المركز الــ 48 بين أفضل الأفلام في تاريخ السينما وفق تصنيف معهد الفيلم الأمريكي عام 2007.
8 – المسحور – كريكورى بيك – انجريد بريجمان – والفيلم حاد الأيقاع حيث أن دكتور إدواردز (جريجورى بيك) يتسلم منصبه الجديد كرئيس لمستشفى الأمراض النفسية، حيث يقابل هناك دكتورة كونستانس (انجريد بيرجمان) ويعشق تلكما المرأة، ووالتي تكتشف إنه ليس بإدواردز الحقيقى، وإنه شخص فاقد الذاكرة اضطر أن يلعب الدور كونه هو متهم بالقتل. فتحميه ويحاول معها اكتشاف ماذا قد حصل فعلا لإدواردز الحقيقى. فيلم بوليسى ومشوق واترشح لـ 6 جوايز أوسكار.
الجوائز والأوسمة
لقد حظي هيتشكوك باعتراف اعتبره البعض متأخرا من قبل بلده الأصلي بريطانيا، حيث منحته الملكة إليزابيث لقب – سير- عام 1980 وقد توفي قبل أن يتم توشيحه رسميا. اما سينمائيا فقد تم ترشيحه خمس مرات لنيل جائزة أفضل مخرج دون أن يتمكن من الفوز، وخصه المعهد الأميركي للفيلم بجائزة فخرية عن مجموع أعماله، وفي المقابل نال جائزتين للغولدن غلوب.
الوفاة
توفي ألفريد هيتشكوك يوم 29 أبريل/نيسان 1980 في منزله في دينة بيل إير بولاية لوس أنجلس، بسبب المضاعفات التي عانى منها في الفشل الكلوي.ترك الفريد هيتشكوك للأجيال إرثـا سينمائيــا قد تخطى الخمسين فيلمــا، وكما قدم سلسلة من الحلقات التليفزيونية التي استمرت لأكثر من خمس سنوات.في عام 1998 ظهر وجه هيتشوك على طابع بريدي تذكاري في الولايات المتحدة الأمريكية في سلسلة طوابع بريدية بعنوان أساطير هوليوود.















