الشعر العمودي .. لغة الحديثي – نور أحمد الدليمي

الشعر العمودي .. لغة الحديثي – نور أحمد الدليمي

  حاولت كل طرقي واعولت مسافات أخذتني بمدياتها ، أتأمل كل الحروف التي تطل عليّ من خلال نوافذ التواصل ، اقرأ بعدساتي المعروفة بتتبعي لما ينشر ويقال ، أُحلل بين الغث والسمين فأضع الجمال للنصوص وأتعامل معها بايديولوجيتي

    اكتب أحيانا فأتيه بفخر بما تجيء من ردود وأقوال ، فأجدني كالطير يغامر يجرفني الزهو ، لكني أراني دون دليل واضح ليبين لي عثراتي ويرشدني للطريق السويّ وبين التهيّب من هذا وذاك ، كنت اعرض ما تجود به القريحة والذاكرة على أحد الزملاء ، كان طيبا جدا وشديدا فكانت دلالته ناجحة معي ومرشدا قديرا ، وكان بين مِزقي هذه وأحرفي تلك يعاين بتمعن رغم ضيق وقته ، فأنشر ما يستحق النشر بنظري والقراءة ، كنت اسمع وربما أحيانا يأخذني الامتعاض لحرقِ أو تمزيق فكرة ورميها رغم علمي انه على صواب لأنه ناقد وصاحب رأي صائب .

    وفي غمرة ضجري ارشدني زميلي لطريق حتى اتتبعه ، فوجدت ضالتي بعد البحث وأخذني التردد كثيرا وطواني بثيابه ، تأرجحت كثيرا بين طلب صداقته أو رفضها وبين قبوله ورفضه ، أخذني الخوف برهة والإحجام بيده فترة ، تجرأت فهمست لروحي كوني قوية واشرعي بطلبك فانسلّ طلبي ، فكان المستجيب له برحابة صدر وقلب كبير ، بدا الحديثُ حديث الشعر والمكان فأخبرته بما طلب وعن الدليل الذي دلني عليه وقدراته الأدبية والشعرية .

    وخلال مسيرتي معه وجدته المرشد الحقيقي الذي لا يمتعض من شيء ولا يتثاقل رغم الضغوط التي أعرفها بين شعره وتصحيحها والأخرين الذين يتهافتون عليه بين رأي وبين تصويب .

    كان أبا وأخا وصديقا ومعلما ومرشدا بحق وغيورا على اللغة العربية بشكل لا يوصف ومحبا للشعر العمودي فيكاد يكون كلامه أحيانا كله شعر ولغته الحوارية العربية القحة فلا يجانفها ولا يطلب الاها ، تعلمت الكثير وعلمني الأكثر فكان مشجعا لي لاصدار مجموعتي الشعرية الأولى مباركا منه ومشرفا روحيا وأبويا وأستاذ حرف قدير .

ذاك العنوان الكبير للشعر ، الحديثي ابن الفرات العراقي الذي يفتخر بلقبه الذي لصق به منذ العدوان الأمريكي على العراق والأحتلال البغيض وتفتخر به مدينته التي خلّدها بديوان شعر مَجّدَ بمآثر أهله وصمودهم ووقوفهم ضد الهجمة الشرسة وحري بهذه المدينة العذراء ان تقيم تمثالا في أحد ساحاتها أو تطلق أحد شوارعها باسمه أسوة ببعض المناطق التي تفتخر بولادة شاعر فيها .. والأنبار التي حظيت بولادة شاعر كبير فحل _ يشهد له القاصي والداني ويشهد له الكُتاب والشعراء_ في أزقتها والتي ردّد اسمها في كثير من قصائده وبفخر منقطع النظير أليس هو القائل :

فالفجرُ آتٍ والعراقُ المُلتقى

والأرضُ أرضي والشرارُ شرارُها

وتعودُ منْ عدمٍ خيولٌ غادرَتْ

وتعدّ ميلادَ الضُّحى أنبارُها

إنّه ينبوعٌ للشعر العمودي برؤيتي ولا أظن يختلف معي أحد بهذا تنهل منه الأقلام والأفكار ، صانع للحرف محترف بمهنته يصيغ العبارات بلغته الخاصة التي يعرف بها بين اقرانه ومجايليه لغة الحديثي التي يبدع في كيفية نسجها بكل إتقان .. فللشاعر الحديثي ألفاظ وصور تبهرك أو تصدمك وكأنك أول مرة تراها أو تقرأها أو تسمعها، بعض الألفاظ نراها دارجة في العامية نستخدمها كثيرا ونظن بأنها كلمات أو ألفاظ شعبية فإذا بها نراها في أشعار وقصائد عمودية لشاعرنا الكبير خلف دلف الحديثي فنصدم عندما نعرف أنها ألفاظ أو كلمات فصحى لذلك هو أستاذ لغة كبير تعلمنا منه الكثير ولا زلنا تلاميذا تحت يديه وسطوة غضبه أحيانا ان أخطأنا او لحنّا في القراءة ، نتعلم منه ما كنا نجهله ونرسم حروفنا على نهجه ونسير بأثره فهو مدرسة عظيمة .

     بمثله يُحتذى بالشعر العمودي ويتّبع وبمثله يحتفل العمود والمدرسة الكلاسيكية الحديثة المزوّقة بفنه فهو الصوت المتفرد ، ولا سواه كبير وليس أنا من أقول أو أُعرف به فنحن أصغر تلامذته والجميع يشهد على ذلك فمن خلال قصائده ودواوينه الشعرية التي لا حصر لها والتي تجاوزت حسب علمي ( 27) ديوانا عدا المُعدة للطبع .

    قاموس نرجع إليه عندما نتوه بين المعاني وتتخبط بنا دروب المعرفة .. شاعر كبير ومربٍّ للأجيال الشعرية وصانع شعراء ولا أظن هناك من لم يمر من تحت إبطه أو يتخرج من خيمته الفراهيدية . .

    وأياً كان فلا بد للشاعر من مدرسة تقوّي لغته وثقافته وتزيد من معرفته للألفاظ الغامضة حيث ينتهج من نهجها ولا ينحرف عن أصول الشعر الصحيحة وماهيته ، حيث يتبع خُطى صحيحه من خلال أساتذته الكبار وما يتعلمه منهم ومن خلال تجاربهم التي مروا بها كي يصبح شاعراً متمكناً ربما يفوق أستاذه . ونحن تلاميذ في مدرسة الشاعر خلف دلف الحديثي للشعر العمودي  ..

مشاركة