الشعر أنثى – جبار النجدي

366

إضاءات في نصوص السورية نجاح ابراهيم

الشعر أنثى – جبار النجدي

أرى إن نصوص الشاعرة د نجاح إبراهيم ترفض راهنيتها عبر متحولات أبدية، وأن قيمتها مرهونة بإقصائها لنفسها، لذا فإنها ستصبح بإستمرار موئل لمعان راحلة، وهذا يدل على شدة حماسة الشعر للتمرد الأنثوي وفقا لإبدالات الثوابت القائمة على الشيفرة المتغيرة على الدوام، وبتوسعات غير محدودة على مستوى الدلالة والمعنى المتمردة على نفسها، والتي تدفع بإستبدال تصوراتنا وجعلها تتغير قيد لحظة وأخرى إذ بوسعنا أن نضع الشك في مستوى التصرف لينتج عن ذلك منظومة من دلالات الغياب التي تزخر بوظائف حاضرة، وتلك هي من أمتع النتائج في الشعر حيث يتخلى النص عن شرط من شروط انتاجه وتحويله من نص مكتوب إلى نص مرئي وصولا إلى تغيير نمط التلقي والدفع به إلى مصاف النهج العلاماتي المتغير بتعاقباته عبر الوجود المأول وبناء على ذلك لم تكن نصوص إبراهيم نصوصا عاشقة للهدوء والعزلة، بل هي تنقل تصوراتها الشعرية إلى شواغل أخرى مليئة بالصخب وغنية بالتجارب القادرة على إعادة الشأن للشعر الأنثوي والأبتعاد عن النمطية السائدة،  ويتحقق ذلك على مستوى معنى الشعر في الأمكنة التي بوسعها أن تصرف الشعر نحو تعابير شعرية صادمة عبر صرعات جديدة للمعنى تسفر عن خسارة لايستهان بها لنمطية الشعر، مايعطينا فكرة مؤكدة عن شعرها الذي يكشف عن نفسه من خلال التخييل الحافل بالغرابة :

“أنا التي مررت بأنهر

وبحار

كابدت أعاصير

ورياح

حملت على كتفي

أنصاف سفن،

ورايتي

جافة في الريح

ممتلئة بالأزرق.. “

بقدر بالغ من الإخلاص يتحول الشعر إلى شيء متقدم عما يماثله من حالات منمطة ومسارات يختلف بها الحال وسط أجواء شعرية مخالفة حيث الإزاحات الشعرية أوسع من أن تنحصر؛  يجري ذلك بخلاف ماتحمله الذاكرة الشخصية للشاعرة ذاتها وهنا لايمكن إنكار لغز الشعر ولمعانه الخاطف، ومايثيره من دهشة وعبء  يصل إلى أبعد حدود الغرابة في مشاهدها الشعرية المتفلتة من أصول مكانية متفردة فيما توحي به من احتجاج فارق وتحد متضمن في ملامح المرئي بأوضح الصور، والذي ينال نصيبه من التألق المرئي متخدا جانب الحذر من نمطية كتابة الشعر، بل يأخذ مداه من الاشتغال الشعري المعاكس للمألوف، والذي يجعل الخطأ أكثر فاعلية من الصواب إذ ثمة فارق بين الشعر والشعر، فهناك شعر مالايأتي به الشعر نفسه، وشعر لايماثله أبدا، والذي يبحث عن خير السبل لقتل الوقت، ومن ثم يستقيم أمره في الخضوع إلى نمطية تستسلم لأسهل الفرص في الكتابة؛ لكن الشعر عند الشاعرة إبراهيم هو الأكثر قدرة على أن يقرر بأنه الخطأ الذي يصلح سوءا، فثمة فرق شاسع بين الخطة والحلم حينما يكون أكثر إدراكا لمرامي الشعر وغير مستسلم للركون وقريب من صدمة الحداثة :

“.. لابد من المعصية

حتى إلى وجهك

أهتدي

لابد من ملحدين

يرقصون حول النار

ومدن تئن من خرائب..”

 وبالنتيجة فلابد أن لايكون الشعر صدى للأنماط التي يثور عليها، ولاسيما الشعر الأنثوي الذي يتوق إلى اعتاق المرأة من كل الشرائع التي خلفت متحفا في رأس كل  أنثى حتى أصبحت المرأة نفسها رتاج لخزانة في كل بيت مهجور :

“.. حم حول

معصميك

بعض السلاسل

تستحيل خبزا..”

 هكذا  تحيي الشاعرة نجاح إبراهيم الشعر وتغيثه حتى لو أصبح على بعد خطوة من الموت.

مشاركة