الشجاعة أن تحب – فارس السردار

زمان جديد

‭.‬مطلع‭ ‬الثمانينات‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬،‭ ‬كتبت‭ ‬مقالا‭ ‬في‭ ‬جريدة‭ ‬الحدباء‭ ‬الاسبوعية،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تصدر‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬الموصل‭. ‬وقتها‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬المطبوع‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬نتنفس‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬نحن‭ ‬الكتاب‭ ‬الشباب‭ ‬خارج‭ ‬المركز،‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬‭/‬‭ ‬صور‭ ‬للبطولة‭ ‬والانتصار‭ ‬‭/‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬جواز‭ ‬عبوره‭ ‬كان‭ ‬العنوان‭ ‬فقط‭ ‬أما‭ ‬مضمونه‭ ‬فكان‭ ‬يغرد‭ ‬خارج‭ ‬السرب‭. ‬لأنه‭ ‬اعتنى‭ ‬بصور‭ ‬آخرى‭ ‬للبطولة‭ ‬وانتصار‭ ‬الانسان‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬استعراض‭ ‬لمواقف‭ ‬ثلاثة‭ ‬عمالقة‭ ‬كنت‭ ‬أجدهم‭ ‬وفق‭ ‬ثقافتي‭ ‬آن‭ ‬ذاك‭ ‬يمثلون‭ ‬المعنى‭ ‬المشار‭ ‬اليه،خلافا‭ ‬لما‭ ‬كان‭ ‬يروج‭ ‬له‭ ‬الاعلام‭ ‬حين‭ ‬ذاك‭. ‬فتوجيهات‭ ‬الرئيس‭ ‬تميل‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬كمي‭ ‬ومظهري‭ ‬دون‭ ‬الذهاب‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جوهري‭ ‬أو‭ ‬مستبطن‭ ‬فاقترب‭ ‬كثيرا‭ ‬من‭ ‬تمجيد‭  ‬نموذج‭ ‬لبطولات‭ ‬مثل‭ ‬عنتر‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬ومن‭ ‬هم‭ ‬على‭ ‬شاكلته‭ ‬ترسخ‭ ‬لمعنى‭ ‬البطش‭ ‬ورباطة‭ ‬الجأش‭ ‬والقسوة‭ ‬تجاه‭ ‬خصومه‭. ‬عبر‭ ‬سعي‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬الا‭ ‬خلاص‭ ‬فردي‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬اي‭ ‬معنى‭ ‬آخر‭ ‬حفل‭ ‬به‭ ‬تراثنا‭ ‬متمثلا‭ ‬بعروة‭ ‬بن‭ ‬الورد،‭ ‬وحاتم‭ ‬الطائي‭. ‬هكذا‭ ‬بدت‭ ‬نماذجي‭ ‬متقاطعة‭ ‬بالمعنى‭ ‬،‭ ‬لانها‭ ‬غير‭ ‬مطروقة‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الثقافة‭ ‬السائدة‭ ‬،‭ ‬والمراد‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تتشكل‭ ‬بسبب‭ ‬اندفاع‭ ‬قيم‭ ‬ومفاهيم‭ ‬نازحة‭ ‬حديثا‭ ‬الى‭ ‬فضاء‭ ‬مجتمع‭ ‬المدينة‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يتسم‭ ‬بالمرونة‭ ‬وترجيح‭ ‬العقل‭ ‬والايمان‭ ‬بالحوار‭ ‬وفقا‭ ‬للهم‭ ‬الجمعي‭. ‬فالحديث‭ ‬وقتها‭ ‬عن‭ ‬اوديب‭ ‬أنموذجا‭ ‬كان‭ ‬صادما،‭ ‬خاصة‭ ‬بعد‭ ‬توطأة‭ ‬لمحنته‭ ‬وانه‭ ‬استطاع‭ ‬فقأ‭ ‬عينيه‭ ‬عند‭ ‬اكتشافه‭ ‬حقيقة‭ ‬علاقته‭ ‬مع‭ ‬امه،‭ ‬مدينا‭ ‬ومعاقبا‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬فعلته‭ ‬وانتصارا‭ ‬للقيم‭.‬والنموذج‭ ‬الاخر‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬حصة‭ ‬مدام‭ ‬كيوري‭ ‬عالمة‭ ‬الكيمياء‭ ‬الحاصلة‭ ‬على‭ ‬نوبل‭. ‬والتي‭ ‬تيقنت‭ ‬انها‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الموت‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خرم‭ ‬الاشعاع‭ ‬جسدها‭ ‬وهي‭ ‬تحاول‭ ‬ان‭ ‬تقف‭ ‬على‭ ‬عتبة‭ ‬علمية‭ ‬تدفع‭ ‬بالمعرفة‭  ‬البشرية‭ ‬الى‭ ‬الامام‭.‬

اما‭ ‬المشهد‭ ‬الثالث‭ ‬فهو‭ ‬من‭ ‬حصة‭ ‬عالم‭ ‬الفيزياء‭ ‬غاليلو‭ ‬الذي‭ ‬اصر‭ ‬على‭ ‬مقولته‭ ‬الثاقبة‭ ‬للظلام‭ ‬أمام‭ ‬الكنيسة‭ ‬‭_‬‭ ‬ولكن‭ ‬الارض‭ ‬تدور‭ ‬‭_‬‭.‬

ما‭ ‬اريد‭ ‬قوله‭ ‬ان‭ ‬تلك‭ ‬المعاني‭ ‬التي‭ ‬تعكزت‭ ‬عليها‭ ‬الانظمة‭ ‬السابقة‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬حسب‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬طول‭ ‬الوطن‭ ‬العربي،‭ ‬التي‭ ‬اعتبرت‭ ‬عنترة‭ ‬بن‭ ‬شداد‭ ‬،‭ ‬والزير‭ ‬سالم‭.. ‬والتي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تجد‭ ‬لها‭ ‬عنفوانا‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬انجبت‭ ‬بشكل‭ ‬أو‭ ‬بآخر‭ ‬ما‭ ‬نحن‭ ‬عليه،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬الصق‭ ‬بنا‭ ‬كأمة‭ ‬من‭ ‬اندفاع‭ ‬نحو‭ ‬العنف‭ ‬والانفعال‭ ‬العاطفي‭ ‬وتغيب‭ ‬للعقل‭ ‬في‭ ‬ادارتنا‭ ‬للازمات‭ ‬والتي‭ ‬لم‭ ‬يتمخض‭ ‬عنها‭ ‬الا‭  ‬هزائم‭ ‬متلاحقة‭ ‬على‭ ‬أمتداد‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬والحالي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬اختباراتنا‭ ‬ومواجهاتنا‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬ولد‭ ‬السؤال‭ ‬،‭ ‬إن‭ ‬كنا‭ ‬وعبر‭ ‬تبنينا‭ ‬للفكر‭ ‬القومي‭ ‬الذي‭ ‬انكفئ‭ ‬أخيرا‭ ‬متحملا‭ ‬وزر‭ ‬هزائمه،‭ ‬وعبر‭ ‬الفكر‭ ‬الاممي‭ ‬الذي‭ ‬نبض‭ ‬مرة‭ ‬هنا‭ ‬ومرة‭ ‬هناك‭ ‬حتى‭ ‬تقوضت‭ ‬دعائم‭ ‬اركانه‭ ‬في‭ ‬موطنه‭ ‬المحرض‭ ‬‭_‬‭ ‬الاتحاد‭ ‬السوفيتي‭_‬‭ ‬حتى‭ ‬اوشك‭ ‬على‭ ‬الانطفاء،‭ ‬لياتي‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬وينصب‭ ‬نفسه‭ ‬بديلا،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬كان‭ ‬الاكثر‭ ‬ضجيجا‭ ‬والاكثر‭ ‬قسوة‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬وصوله‭ ‬الى‭ ‬السلطة‭ ‬والتشبث‭ ‬بها‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالربيع‭ ‬اللا‭ ‬عربي‭.‬

الجميع‭ ‬رسخ‭ ‬لمعنى‭ ‬بدائي‭ ‬سطحي‭ ‬للبطولة‭ ‬وصبغ‭ ‬الاحداث‭ ‬بطلاء‭ ‬رخيص‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مغشوشاً‭. ‬أراد‭ ‬ان‭ ‬يزين‭ ‬للناس‭ ‬واقعهم‭ ‬ويبدله‭ ‬بما‭ ‬لديه‭ ‬من‭ ‬تفويض‭ ‬سماوي‭ ‬يدعيه‭. ‬والذي‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬ترميم‭ ‬أي‭ ‬فصل‭ ‬من‭ ‬مفاصل‭ ‬التردي‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬انزلق‭ ‬ليهوي‭ ‬امام‭ ‬المسلمات‭ ‬المتمثلة‭ ‬بصون‭ ‬الامانة،‭ ‬وتخبط‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬ازمة‭ ‬النفايات،‭ ‬وعمق‭ ‬أزمة‭ ‬التخلف‭ ‬الصحي،‭ ‬واشاح‭ ‬بوجهه‭ ‬عن‭ ‬مسؤولية‭ ‬تنمية‭ ‬التعليم‭. ‬اضافة‭ ‬الى‭ ‬وقوفه‭ ‬عاجزا‭ ‬عن‭ ‬رفع‭ ‬المستوى‭ ‬المعاشي‭ ‬وامام‭ ‬لمساته‭ ‬السحرية‭ ‬،‭ ‬جعلنا‭ ‬نستورد‭ ‬الكرفس‭ ‬والفجل‭ ‬والصابون‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬الجوار‭. ‬هكذا‭ ‬تعمق‭ ‬الاحساس‭ ‬بالاغتراب،‭ ‬وتعزز‭ ‬مفهوم‭ ‬الهجرة‭ ‬لفتوة‭ ‬الامة‭ ‬بعد‭ ‬تنامي‭ ‬البؤس‭ ‬واللا‭ ‬جدوى‭ . ‬وتحول‭ ‬البحر‭ ‬الابيض‭ ‬المتوسط‭ ‬الى‭ ‬بحيرة‭ ‬للموت‭ ‬الجماعي‭ ‬ومأدبة‭ ‬مفتوحة‭ ‬،‭ ‬اقتتلت‭ ‬فيه‭ ‬اسماكه‭ ‬على‭ ‬لحوم‭ ‬فتوة‭ ‬شبابنا‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬ربما‭ ‬آن‭ ‬الوقت‭ ‬لنفكر‭ ‬او‭ ‬نبتكر‭ ‬مسارب‭ ‬اخرى‭ ‬تتلائم‭  ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يخطو‭ ‬على‭ ‬اثره‭ ‬العالم‭. ‬الا‭ ‬يمكننا‭ ‬ان‭ ‬نقول‭ ‬بأن‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خيرات‭ ‬يكفي‭ ‬للجميع‭ ‬وان‭ ‬للعلم‭  ‬امكانية‭ ‬تنظيم‭ ‬الحياة‭ ‬وفق‭ ‬منهج‭ ‬ينأى‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الانا‭ ‬المتضخمة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬ادعاء‭ ‬الوجاهة‭ ‬الزائفة‭ ‬ذات‭ ‬الاعتبارات‭ ‬العشائرية‭ ‬والمناطقية‭ ‬والفأوية‭ ‬والطائفية،‭ ‬ملتفتين‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬اكثر‭ ‬عمقا‭ ‬ومعنى‭ ‬كأن‭ ‬ننحاز‭ ‬الى‭ ‬العقل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬ان‭ ‬ننحاز‭ ‬الى‭ ‬النسب‭ ‬والقربى‭ ‬‬هذه‭ ‬المفاهيم‭ ‬التي‭ ‬تغذيها‭ ‬البداوة‭ . ‬ونؤمن‭ ‬بان‭ ‬الناس‭ ‬شركاء‭ ‬في‭ ‬ثلاث‭ ‬الماء‭ ‬والكلأ‭ ‬والنار،‭ ‬وان‭ ‬اكرمكم‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬اتقاكم،‭ ‬وان‭ ‬منا‭ ‬الكاظمين‭ ‬الغيض‭ ‬والعافين‭ ‬عن‭ ‬الناس‭. ‬هل‭ ‬أنا‭ ‬موغل‭ ‬في‭ ‬الرومانسية،‭ ‬ام‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬منطق‭ ‬التاريخ؟‭ ‬ام‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المعاني‭ ‬تفضي‭ ‬بي‭ ‬الى‭ ‬شجاعة‭ ‬من‭ ‬نوع‭ ‬آخر‭.‬

اعرف‭ ‬أن‭ ‬صوتا‭ ‬كهذا‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬مناصرين‭ ‬هم‭ ‬بالاساس‭ ‬حالمون‭ ‬الا‭ ‬انهم‭ ‬موجودون‭ ‬وبصمتهم‭ ‬لا‭ ‬تخفى‭ ‬على‭ ‬احد‭. ‬لا‭ ‬اقول‭ ‬الانبياء‭ ‬والرسل‭ ‬الذين‭ ‬آزرتهم‭ ‬السماء‭ ‬فلمعت‭ ‬نجومهم،‭ ‬بل‭ ‬اقول‭ ‬ان‭ ‬غاندي‭ ‬ومانديلا‭ ‬والام‭ ‬تريزا،‭ ‬وسوار‭ ‬الذهب‭ ‬وزها‭ ‬حديد‭ ‬والاف‭ ‬غيرهم‭ ‬كان‭ ‬منهج‭ ‬افكارهم‭ ‬مغايرا‭ ‬لما‭ ‬نتداوله‭ ‬،‭ ‬فوجدوا‭ ‬اواصر‭ ‬محبة‭ ‬تربطهم‭ ‬بالانسان‭ ‬فتحركت‭ ‬الاشياء‭ ‬بين‭ ‬ايديهم‭  ‬باتجاه‭ ‬الابداع‭ ‬والانجاز‭  ‬لذلك‭ ‬كان‭ ‬فعلهم‭ ‬التماعات‭ ‬بارزة‭ ‬وقادرة‭  ‬على‭ ‬ان‭ ‬تتكرر‭  ‬وتنبض‭ ‬لننعم‭ ‬بما‭ ‬هو‭ ‬كاف‭ ‬من‭ ‬الضوء‭ ‬والامان‭ ‬والحرية

مشاركة