الشبيب يحكي عن الذي لا يُحكى – شكيب كاظم

مواصلاً غدقه الروائي

الشبيب يحكي عن الذي لا يُحكى – شكيب كاظم

أنجزت قراءة رواية (عن لا شيء يحكي) للروائي طه حامد ألشبيب الصادرة طبعتها الاولى في ضمن منشورات الاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق سنة 2019 ، والعنوان الذي هو عتبة النص، مكتظ بالمرموزات والكنايات الدالة على اللاجدوى والخيبة التي ضربت الحياة العراقية منذ عقود ودليلنا في هذا تهديم حمادي الأعمى لدار الأسرة، التي غادرها أفرادها نحو مدينة أخرى بسبب الكارثة التي 0حاقت بالأسرة، جراء لوك الناس التي لا ترحم سمعة ابنتهم حمدية العاشقة لحمزة بن يوسف البقال.

الرواية من جنس روايات (الحيز الضيق) وإدارتها تحتاج إلى دربة ومهارة عاليتين ليستا بعيدتين عن السارد المتمكن طه حامد ألشبيب، فهي غالبا تجري في الأرض الفضاء التي كانت فيما مضى دارا لأسرة عمران الفحام وغرفة حمادي الأعمى تحديداً، فضلاً عن قلة شخوص الرواية وعدد منهم لا يسمهم الروائي مثل سُمّار ليالي الخمر الأربعة.

الرواية تعري بعض الأحزاب التي أمضت نحو قرن من الزمان ترطن بما لا يفهم، وتركت أنصارها لتصاريف القدر حتى أنها لا تكلف نفسها الدفاع عن حمزة بن يوسف البقال القيادي السابق فيها والذي خسر عقله وصحته من أجل هذا الحزب الذي يتركه يواجه مصيره وحده فهم منشغلون بالرطانة والرسم وصعود البراميل يلقون من فوقها شعرهم وفي هذه الصور صفعات لهؤلاء البعيدين عن مجريات الحياة، في حين يداب الآخرون على تعلم الضرب بالهراوات والتدريب على السلاح بحثا عن الهدف، استلام السلطة.

في الرواية إيماءات لقسوة المجتمع العراقي، وأحادية نظرته، يظلون يرتابون بسلوك حمزة بن يوسف البقال، على الرغم من تخليه عن حزبه السابق والاندماج معهم لكن هذا لا يشفع له أبداً، فعدو الأمس يظل عدوا!

في الرواية فانتازيا فاجعة يسردها حمادي الاعمى، تنتهي بانتهاك عرض شقيقته حمدية، وما يستتبع ذلك من تهديمه لبيت الأسرة كي ينهي علاقته بالمجتمع والحياة والأسرة التي تشظت وغادرت دارها بسبب العار الذي الحقه بها هذا المجتمع اللايرحم.

في الرواية إشارة إلى هذا الذي أختلف مع زملائه ورفاقه، لينصبه الثوار قائممقاماً بدل القائم مقام السابق البسيط المتواضع الذي يلبي حاجات الفقراء ويبكي إن سمع بحيف حاق بأحد الناس، والذي يحاول أحدهم اغتياله الرجل صاحب الشارب الكث الذي يتدلى إلى جانبي وجهه وهي إشارات موحية إلى عبد السلام عارف وعبد الكريم قاسم وصدام.

يظل الروائي ألشبيب دؤوبا على لازمته التي أمست سمة من سمات سرده الروائي، وفي هذه الرواية لوازم وليست لازمة.

ألشبيب يغترف من معينه السردي والذي تردفه ذائقة حباه الخالق بها،لذا فإنه في روايته هذه التي يحكي فيها عن اللايُحكى إنما يقدم جديدا شأن اخَيّاتها السابقات اللائي اغدقهن ألشبيب علينا ومنذ منتصف عقد التسعين من القرن العشرين.

الروائي طه حامد ألشبيب يلبس كل حال لبوسها، فلغة السارد المركزي تختلف عن لغة حمادي الأعمى شبه الأمي، الذي تعلم لدى الشيخ موسى الملا، واستقى معلوماته من الراديون، الذي هو الراديو أو المذياع في لغة أجيال عراقية خَلَتْ. وللتخلص من هذه المعضلة، كيف يجعل لغة حمادي يفهمها العربي غير العراقي، ولكي لا تترك هذه اللغة المتواضعة ظلالها الكابية على الرواية؟، فانه جعله ينطق بالفصيحة إن شرب، وللتخلص من معضلة العمى، الذي شاءه ألشبيب لراويه، فانه جعل من عصاه لا ليتوكأ عليها ويهش بها على غنمه! بل جعل ألشبيب له فيها مآرب أخرى إذ ما أن يخربش في الأرض بعصاه هذه حتى تنفتح أمامه صورة ما يجري كأنه من المبصرين.

مشاركة