الشاعر ما كسيميليان هيندلر بين الهجرة والحياة – نصوص – القصيدة الحية جواز سفر

الشاعر ما كسيميليان هيندلر بين الهجرة والحياة – نصوص – القصيدة الحية جواز سفر

كل قصيدة لها علاقة بالحاضر تكون في سمو دائم ، وهما كان موضوعها ،يجب أن يعبر عن شيء منفعل ،مؤثر ، حي في العقل والقلب اللذان يكونا مصدرها ، وعلى الأذهان أتتلقاها بيسر ،دون تعقيد ، فعليه أن يكون بناء القصيدة من جسد وروح ،وليس رمزاً على طريق الزوال ، لا يطمئن إليه القلب ،فالقصيدة الحية هي جواز سفر من حياة الى حياة ، الشاعر النمساوي ماكسيميليان هيندلر      Maksimilijan  Hindler  من الشعراء الذين قضوا جل حياتهم في مواصلة البحث عن الحضارات المختلفة في العالم ، فقد درس الحضارة البيزنطية والحضارة السلافية والحضارة الهندو اوربية ،ورغم دراسته الحضارية هذه ، عمل في مجالات عدة منها الرسم ،ومؤلف موسيقي ،ورحلات إستكشافية في أفريقيا وآسيا ، إضافة الى الكتابة ،فقد كتب مؤلفات علمية وأدبية كثيرة منبعها هذا الخزين الدراسي والفني والحضاري والأدبي،ومكانته المميزة كعضو في هيئة تدريس في جامعة غراتس ، عالم الشاعر عالم مليء بالتطور والتجديد والتغيير ،عالم يأخذك للأستكشاف المستمر في العلم والأدب والفن والحياة ، عكس العالم الذي يشل حركتك ويتفنن في وضع القيود على سبل إبداعك الفني والعلمي والأدبي ، ويترك أفكارك ووجودك ككائن حي له حريته وكرامته وحقه في الابداع والتطور في العلم والأدب والفن ،يتركك بسلطان جهله وقوانينه الطاغية ، في زوايا منفية ، يخلق القتل والفساد والخراب ليفرض عليك الهجرة المدمرة نفسياً ومعنوياً ومادياً ،يجعلك تموت في اللحظة ألف مرة ، شتان بين ذاك العالم المتطور الذي يأخذ بيدك كأب حنون الى الطريق السليم وبين هذا العالم  المدمر ،الذي يأخذك الى الموت البطيء في الحياة ، الشاعر ماكسيميليان يتدافع مع التطور السريع ، محاولا منه الوصول الى طرق قمم العلم والفن والادب ، لغاية إنسانية عامة ، نماذج شعره متغيرة ،متطورة ، بسيطة ، لكنها مليئة بالحياة ،وتفيض بالقوة ، إضافة إنها صور عصرية ،حديثة ، وربما بسبب حسه التاريخي بين عوالم الحضارات المختلفة ،فإنه منغمس في العالم المعاصر،وتناقضاته ومشكلاته المعاصرة بكل جوانبها النفسية الذاتية والعامة ، المتعددة ، وعند قراءة شعره ، ندرك إن تفاصيله المحسوسة ، عصرية ، جديدة ، كالسفن العملاقة والقطارات السريعة ،وطائرات الشبح وغيرها ، فهي مصادر لصور عصرية جديدة ، لكن من غير الأفكار الحسية الجديدة ، تكون القصيدة عند الشاعر غير مرنة شكلاً ومضمونا ً، فكرة ( الهجرة ) تأخذ بعدين الهجرة القسرية من ظلم المسؤولين وانانيتهم في التشبث في السلطة ، وخلق أجواء الفساد والخراب والقتل والدمار لبقائهم أكثر مدة على السلطة الكرسية، بعيدا عن أحلام الناس وتطلعاتهم وطموحهم وعيشهم ، بكرامة وحرية وبأمان وحب وسلام ، والبعد الثاني الهجرة العاطفية بما فيها من تقلبات حسية ، وهو ما يتناوله الشاعر هنا بصور مختلفة متججدة  ، فهي صور غير مرئية ولكن نتائجها مرئية  على النفس والروح ( عليلا – مترنحاً ) وهذا هو التعبير الحي للقصيدة الإنتقالية الحسية ،من لا مرئي الى مرئية حية ،وهو شيء حي مؤثر في الذهن .

(( من أن أجبرت على هجرك

   أتمايل عليلا

   وعبر الأبواب المشرعة مترنحاً ))

والى جانب هذه الصور الحسية أود أن أضع كلمات الشاعر ماكسيميليان في خانة القبول الذهني العام ، لأنه يحقق توضيحاً واستيعاباً ،كبيراً لإنسان العصر ، من خلال لمس الصور الحية في ذهنه ،خاصة عند وجود ما يؤثر فيه ، حسياً ونفسياً ، حيث يحرك المشاعر المعاصرة ، بإستمرار ،ويحيطنا بما نستوعبه في الحياة ، إن كان( نوراً ) أو صور الإثارة والعذاب (القلق) في المقطع التالي يأخذنا الى الصور الحية التي فاعلها ( الهجر ) وينقلنا ايضاً الى صور مرئية محسوسة ، ظاهرة  .

(( منذ أن أجبرت على هجرك

   تشعين نوراً

   من أعماق عذاب القلق ))

في هذين المقطعين ، نلاحظ التأكيد على الحاجة من خلال فاعل الهجر ، وهي ذات صلة بالحاضر ، تعكس إيجابياً صور العصر ، وربما يكون الحاضر مربكاً مشوشاً ، قلقاً ، مفرطاً بالقسوة والأذى ، وأحياناً يكون الإرباك العصري في حالة كبيرة بحيث لم  يألفها الشاعر ، فهذه الكتلة المحسوسة ، من الهجر تزداد حجماً ، لكنها في نفس الوقت تفتقر الى توحيد العلاقة  الإنسانية بالهجر ، ودرجة التغيير تزداد بسرعة بحيث لا يستوعبها الذهن ، فيتجلى العناد والإصرار أو ( الإدمان المهلك ) ومن قوة تأثير الإدمان ، تحمله على الأجنحة ، تاركا الهجر بفعله المؤثر المرئي واللامرئي في الحياة .

(( منذ أن أجبرت على هجرك

   جعلتينني عنيداً

   بلظى الإدمان المهلك

   منذ أن أجبرت على هجرك

   تحملني أجنحتك ))

الشاعر ماكسيمليان تمكن من القصيدة الحية ، وعبر عنها في شيء حي يستوعبه الذهن ، وهنا ذهن الشاعر والأذهان التي تتلقاها ، فهي صادرة من حقيقتها الفعلية ، المؤثرة في الحياة ، من حيث كونها صوراٍ حية ، ومهما كانت سرعة تغييرها ومدى قوة حجمها ، فهي في عصر غير ثابت ، وليس من باب الصدفة في عصرنا نرى الأشياء المرئية واللامرئية ، متغيرة دائماً وسرعة تغيرها قد لا يستوعبها الذهن ،وهي صور حية تزداد في الحياة ، لهذا لا نلوم إن كانت القصيدة العصرية زاخرة بالصور ،والمسألة لا تتعلق بكمية الصور الشعرية ،أو حتى بالتجديد ،أو التعقيد ، فقدرة الشاعر على إستيعاب الصور المتغيرة تشير الى جهد الشاعر ليوضح ويكتشف ويبدع في السيطرة على صور العالم المعاصر ، والتأثير المعاصر ،والإستعارة هنا هي الصور الطبيعية لمثل هذه الحالات المتغيرة ،المتجددة ، والمؤثرة دائماً ، وكما هي مهمة الصور إزالة التوتر الجديد ، الشديد في الحياة ، بحيث يعطي صورة المتغير ، المتوتر ، نوراً يضيء درب الإنسان ، ويسمو به  ليس الى عالم الهجرة القسرية والموت البطيء والظلام  بل الى عالم الحب والامل والدفء والسلام .

الشاعر ماكسيميليان هيندلر

–        من مواليد 1939

–        عمل الشاعر وامتهن أعمالاً كثيرة ، فقد درس الحضارة البيزنطية والحضارة السلافية والحضارة الهندواوربية

–        عمل في هذه المجالات ، رسام ، مؤلف موسيقي ، رحلات استكشافية في أفريقا واسيا ، وكتب مؤلفات علمية كثيرة .

–        عمل كعضو في هيئة تدريس في جامعة غراتس

–        هذه المقاطع من ديوانه ، على الطريق ، الصادر عن دار مطبعة فيسر .

****************************

{ المقاطع اخترتها من كتاب وطن جديد – قصائد من النمسا – ترجمة وأعداد بدل رفو المزوري – مطبعة خانـــــي – دهوك عام 2014 م