الشاعر رعد فاضل في تجهّمـاتٌ بلا خـواتيم

417

الشاعر رعد فاضل في تجهّمـاتٌ بلا خـواتيم

القصيدة تعيد بناء ما تهدم من روح نينوى

نعيم عبد مهلهل

لا سفن هناك تجليكَ عن نفسك

قسطنطين كافافيس

ليس أمام كلّ متأمِّلٍ يخوض العالمُ حروباً من حوله سوى أن يظلّ: هادئاً.

ذلك هو شاعرُ اِنسانِ العالَم.

رعد فاضل (بغداد: 7/3/ 2017 )

عندما يرقى الشعر الى مرتبة النبوءة يحتاج الى الحزن اكثر من حاجته الى الفرح ، تلك متلازمة أبدية نشأة منذ الحس الانساني الأول وبسببها اتت الادعية والاساطير وما كتب على مسلات الحجر .

لقد مثل الشعر الوجدان العميق لروح البشر ، وهو الهاجس البشري الوحيد الذي اكتشف في اعماقنا فيما كانت معظم الاكتشافات هي رؤيا ما حولنا ( المطر ، الرعد ، الزراعة ، التنجيم ، الملوكية ، كؤوس النذر ، الكهنوتية ، الحرب …..الخ ). يصنع الشعر المؤثر فهمه من خلال موهبة الباطن أولا ، وتلك الموهبة هي من تحفز القول بأيفاع مختلف ، وهذا الايقاع لا تعزفه مفردات الشعر إلا عندما يتعاظم فيما ما نحسه مختلفا حين نقوله ، وما نقوله لن يأتي من بساطة ما نمارسه في يومنا العادي ، وعلى قول سان جون بيرس قوله : هناك اشياء عظيمة تنتظرنا وتومئ لنا لنقول اشياء تليق بعظمتها. وليس بالضرورة ان تلك الهواجس والاشياء العظيمة تكون نتاج انتصار حرب او تشييد زقورات وقباب من اللازورد او تشريع قوانين ، فبعضها يأتي من احسانا بالخيبة والحزن والنفي والخيانة ، وكلا الضفتين بنا الزقورات والمنفى تصنعان القصيدة بمستوى لا يقرره سوى احساس الشاعر بقوده اداءه وموهبته وطبيعة المؤثر الذي يسكنه . وقديما كان أهل أور يقلون : لا احد غير الشاعر يعرف ما في رأس الملك والكاهن . وذلك لشعورهم ان هذين الكائنين من الصعب الاقتراب منهما وفهم ما يجري في تفكيرهما في خلوة اصدار القرار وتنفيذه. الشاعر العراقي ( الموصلي ) رعد فاضل أقترب تماما من تلك الضفاف وانتبه روحه الى ما تعرض له الاخر قبل ان تنتبه ان ما تعرضت له ( هي ) ومثل كل مادة اقرأها له واكتب عنها أجد ظلال المدينة يؤشر على ما تتعرض له منذ ان احرقها الملك الاشوري ساردا نبال والى ان دخلها ارهاب داعش .

لحى طويلة

وبين الملك واللحى الطويلة للتكفيرين المتطرفين يحاول رعد فاضل ان يقرأ معا انكسارات الذات وانكسارات المدينة وهو في هذا النص يضع امامه قول ناظم حكمت الشهير حتى دون ان يعلم ربما : ( والمنفى يا حبيبتي مهنة شاقة ) وبالرغم أن ما تعرض له رعد فاضل هو نزوح ولكنه هنا في حالة الموصل ومملكة نينوى اشد قسوة والما من المنفى. لا توجد علاقة تشكيلية بين تجهّمـاتٌ بلا خـواتيم ( رعد فاضل ) وبين ملحمة آناباز التي كتبها الكسيس سان ليجيه ــ ليجيه ، وهو يتحدث فيها عن هاجس الهروب والانسحاب الى الداخل خوفا من العدد الهائل لجنود الملك الفارسي ، ولكنها في ذاتها كانت رحلة داخلية لذات الروح البشرية وهي تتعرض الى ازمة الحرب ، الفرق ان اكزينون قائد حملة آناباز كان جنرالا اغريقيا فيما كان رعد فاضل شاعرا موصليا املت عليه غرابة ما لم يتعود عليه ان يعيش تحولات المكان ومعها يعيش تحولات الخيبة والحزن وهاجس القصيدة. وهذا ما يريك أياه أول النص ( لا آناباز ) هنا ، ولكن بعض من خفية التصاوير المشتركة حسا وظلالا وهي تنقل لك ما كان ويحدث الان ، هاجس الخوف والتخفي من رعونة قد لاتعرف أي قانون ارضي او أي نص للمسامحة وجده الاثاريون بين كتب اشور بنيبال في مكتبه ، لحظة من عزلة الحذر والقلق وتصاعد رغبة الكتابة عنها هو ما سكن رعد فاضل ليبدأ نشيده الخفي في الليل الشبه مظلم :

(( وحيداً في زاوية من منزله المظلم سوى فانوسٍ شبه أثريّ كان رافقه منذ حرب الثّمانينيّات، أعادهُ إلى الخدمة قبلَ ليلتين أو ثلاثٍ. هادئاً يفكّر في الظّلام. ثمّة كلَّ حينٍ دويٌّ يرجّ الأشياء من حولهِ. ثمّة تساقطٌ ما. هذا ليس ليلاً. هذا ليس الليلَ!. ))  هذا الاستهلال الموحش والحزين والذين ينشده بذات القلب في عالم يلتهب خارج اسوار البيت ابان معارك التحرير هو من بعض الاناشيد الخفية التي سكنت الكثير من الذوات البشرية التي تمتلك ذات ايقاع الهاجس والوعي والرغبة التي تجلس الان في غرفة مع كل اهل البيت محشورة بين زاوية الامل وزاوية الموت وفي رغبتها ربما ان تموت هي ويعيش اطفال المنزل وامهم. تلك الحالة المؤثرة هي ما جعلت قصيدة رعد فاضل طلسما يصنع هو بكهنوتية منحها لنفسه حتى يفعل هذا الطلسم مفعولة ويحاول ان يتعداه الى حال افضل . لهذا فهو قبل هاجس النزوح الى المكان الاخرى كما في رغبة جنرال ملحمة ( آناباز) يلوذ برؤيته واحساسه الى فضا المنزل ويذهب الى مناظر  الجمالية التي تعود عليها في حديقة المنزل ، وهنا يسكننا الحس والقناعة :ان الشعراء في اغلب ازماتهم يلجئون الى الحدائق ليصنعوا منها مدافع هجومهم المقابل. وربما وجه الحديقة في خواتيم رعد فاضل هي لحظة القرار بمغادرة المنزل والبد بحملة آناباز الموصلية والنزوح الى الذات الاخرى ( بغداد ).

(الأشجارُ وأنا مروِّجَ سيرةِ الطّبيعة لسنا معنيّينِ على ما يبدو بما يجري في الخارج.)

(الموصل: صباح 15/10/ 2016)

لا اعرف كيف نزح الشاعر بقدر ما اعرف كيف احس وكتب الشاعر قصيدة ، هذا لأني اعرف تماما ماذا يعني أن يغادر رعد فاضل ( الموصل ) في ظل صراعات الخوف والشظايا والحرج الانساني والاجتماعي الذي قد يضطرك ان تهرب من بيتك بالملابس التي ترتديها. مزج هذه الصور ببلاغة وكثافة الصورة والحس العالي داخل النص يدخلنا في اشكالية ان القصيدة ربما كتبت غيبا اثنا معرك تحرير المدينة والنزوح عنها ، وقريبا من ضفاف ذات النهر الذي تقع عليه مدينته الموصل . اكمل مسيرة اكزينون الاشوري في بغداد ليضع الاناشيد المؤلمة لهذا المنفى القسري وهو ربما يدرك قولا لنيرودا ( ما اقسى ان تنفى داخل وطنك) يكتب رعد فاضل نصه (تجهّمـاتٌ بلا خـواتيم ) بفواصل الزمن والعاطفة ورؤيا الشعر ، ويحاول في متغير المكان أن يكتشف لنا تضاريسا اخرى لتستقر عندها ايقاعات روحه التي تعودت على صباحات مكان قديم لا خواتيم فيه سوى امنيات القبر الهادئ في مكان قريب من البيت وملاعب الطفولة. عيش المتغيرات في اللحظة الطارئة بالنسبة الى الشاعر هو الاحساس بالمتحرك الذي قد لا تصنعه النبوءات إنما هناك قدريات غير محسوبة لا يفقهها سوى العقل الباطني للشعراء،  ولكنهم لا يجهرون فيها خوفا من الاخر ماسك السلطة او السيف او راتب الوظيفة ، ومن يقرأ رعد فاضل في هذه الخواتيم قد يشعر ان المكان قد يكون غريبا على الشاعر ولكنه يألفه بهاجس غريب مع قريب انسان شبه قريب له ، ولكنه يستطيع ان يتنفس ما يتمناه دائما ( هواء القصيدة ). هو سعي في ذائقة ان نوجد انفسنا حتى عندما تكون الاماكن الجديدة ليست اماكننا . وتلك هي رؤى الخواتيم في نشيد رعد فاضل ، احساس بالمتغير الذي كان من نتاج الهوس والبرابرة الجدد عندما تشعر روح الشاعر المسالمة أن الجديد في المكان هو الجديد في القصيدة وتلك هي مهمة الشاعر كما يقول لوركا : هنا في شِبه الشّقة المُطلّةِ على صخب شارعٍ شبهِ شعبيّ في حيّ الجهادِ مع شبه قريبٍ لي يشخلُ تجهُّماً وغِلظةَ قلبٍ فوق ما يُمكن أن يُتصوَّر بكثيرٍ أنا اللاعبَ بجواهر حياتي الذي توقّف عن أن يروّجَ لها في هذا العالمِ مواصِلاً صنعتي اللعينةَ: أعيشُ وحيداً لا مُبالىً بهِ لا لأعيشَ وإنّما لأكتُب. ( النص ــ (بغداد: 7/3/ 2017 ) رؤيا النص هي رؤيا الحال في متغير مكانها عندما تأتي الى ما تتعود عليه وتجبر ان تتعود عليه غير ان الحواس تبقى مشدودة الى الامكنة الاولى وبهذا الحس يبقي رعد فاضل ذاكرته وايماءة الحنين مشدودة الى ذلك الافق الممتد امام حزن عينيه وهو يتخيل كيف تهدم الجانب الايسر من نينوى بكل تراثه وسرياليته وازقته ومفردات نصوص كل الذين عاشوا في هذا المكان منذ عهد سنحاريب وحتى تلك اللقطات المؤرشفة بالحس الشعري والمأسوي الذي نصبت مقاصله افكار داعش ،وانارت فيه ذكريات الغرام تصاوير مراد الداغستاني. عن كل هذا يكتب رعد فاضل خواتيم اناشيد النزوح ، مرددا صدى فكرته وموهبته المميزة في التاريخ الشعري الموصلي المعاصر . وهاهي الليالي البغدادية المفترض ان تكون ليال لألف ليلة وليلة ولكنها هنا ليالي للنزوح ومتغيرات الحال والاهوال. تلك القدرية التي يتعامل معها الشاعر بشيء من هاجس التصوف ليصد تلك القسوة الترحالية التي اتت لهاته ، ليغادر نينوى والبريق الذي ظل يعيش معه عند بريق اسوار النمرود وما بقي من قلعة بشطابيا وتلك الامكنة الممتدة من بوابة النشاط المدرسي وحتى رابية النبي يونس . أمكنة اخرى تناديها مناجاة الشعر بشيء من فعل وانعكاس ما يشعره الشاعر انه ليس مصنوعا لهزيمة الرصاص واللحى والدشاديش القصيرة لرجال اتوا من كابول وبخارى ومراكش وادلب وحتى من قلب اوربا ليسلبوا الحنان من عيون الشعراء وملوك اشور المقدسين. هذا المناجاة هي المستويات الروحية التي سكنت موهبة الشاعر وذائقته ليطلق لنا خواتيم لم يرضى ان تظل مكتومة بل اطلقها بذات الطقوس الهادئ الذي كان يقيم فيه طقسه الشعري ويقرا لنا ما تفكر فيه الروح عندما تفقد طلاسمها وطقوسها والمكان. أدرك رعد فاضل ما ادركه غيره من مجايليه ولكنه تعامل مع الامر بخصوصيته في التعبير عن الذي يسكنه فكان بذات اللغة البلاغية العميقة يفسر لنا مجمل هذا الحدث الهائل ويعكسه على ما يشعره ويتأمله ويعيشه الان في الاغتراب المؤقت.

(( بالتّأمل مخبأي الأكثر طمأنينةً أحتمي من ذئاب التّفكير.

 في الليلِ عادةً ما أجلس إلى الحُدوسِ وأُخلِي سبيلي آمناً مطمئنّاً بينَ أيدي النّجوم.))

(بغداد: 10/ نيسان 2017)

جبروت قلمه

هذه الرؤى شكلت في لحظتها جبروت هذا القلب في التصدي لما يعيشه فأراد ان يقرأ ما يجري بذات العاطفة الروحية وبعيدا عن التراسل المباشر. رعد فاضل الذي ايقظ في القصيدة وجدان التجربة وما تعرضت له مدينته الباسلة يشكل في نصه الجميل هذا ( تجهمات بلا خواتيم) انما يبني في داخل النص وروحه ابتسامات خفية يعلقها على حبال الضوء والامل في رغبته العودة الى الموصل ونينواه التي اظهرها النص منكسرة وتعيش عاطفة انتظار تحريرها. دائما اقرأ رعد فاضل بمتعة ان الشعر يقول اشيائه ليثبت لنا شيئا عميقا لا نستطيع رؤيته إلا عندما نذهب بعيدا مع احساس الشاعر ورؤيته . هو يستشعر الامكنة  الاولى ويجلبها اليه اينما نأت بها فوهات المدافع والمفخخات والقتل نحرا بسيف ، لهذا فكل الذي دونه رعد في التجهمات هو نشيد اشتياق لما نفقده ونريده ان يكون معنا دوما حتى لو على شكل امنية.

وفي النهاية .

القصيدة لا تقرأ كلها حتى تفهمها ، يكفي مقطعا واحدا لتكتب عنها كلها ، لشعوري ان جميع مقاطع النص تفضي الى لحظة الترقب التي يعيشها الشعراء في امانيهم لتحقيق ما يتمناه العالم الذي حولهم. صورة الخواتيم عند الشاعر هي صورة الفرح الخفي الذي تساقطت علينا امطاره على شكل دموع خفية حملت في ثنياها اصرار الشاعر ليخلق سعادته الخفيفة حتى في نزوحه البغدادي وفي حي بأطراف بغداد اسمه حي الجهاد” بزهوٍ مُتعاظمٍ أُضيّعُ ما تبقّى منّي في المضيّ أبعدَ من ما أعرفُ أنّه لا ينبغي المضيّ به وراء فكرةِ أنّي من مُهندسي الكتابةِ وشغّيلتها المهمّينَ وأنّي سأعيش كما وُعِدتُ حقاً مع مَن أحبُّ حتى النّهايةِ. لا زهوَ إلّا في أن تكون سعيداً بعد مسلسل شَقواتٍ ممضّ طويلٍ لن تُكتبَ له النّهايةُ إلّا بالتّوقّف عن الكتابة وببيت لن يكون سعيداً إلّا وهيَ وحدها ربّتهُ. أؤكّدُ أنّي سأعلّقُ في واجهة ما سأكون عليه أكثرَ من صَندلٍ صغير. أعرف (ولا يهمّني) أنّها أمامَ السّعادات جِدُّ صغيرة لكنّها سعادتي!.

مشاركة