الشاعر المغربي نور الدين محقق يتحدث لـ الزمان عن حكاية عشق مثل حمى المتنبي

257

الشاعر المغربي نور الدين محقق يتحدث لـ الزمان عن حكاية عشق مثل حمى المتنبي
الخيال يقدم لنا عالماً جديراً بالحياة
حاوره عبدالحق بن رحمون
أكد الشاعر نورالدين محقق لـ الزمان أن القصيدة عنده تعيش أياما عديدة، وربما شهورا وهي تعتمل داخل النفس؛ قبل أن تعلن عن وجودها الفعلي، فتقرر بمحض إرادتها ورغبتها أن تخرج إلى الوجود. كما أوضح نورالدين محقق أنه لم يسبق له أبدا أن كتب قصيدة في يوم واحد ولا حاول ذلك. لأن في نظره أن القصيدة امرأة فاتنة إما أن تستسلم له بمحض رغبتها وإما أن تذهب بعيدا عنه.
مشيرا أنه في بعض الحالات تأتي متعبة تستنزف الأعصاب وقد تكون زائرة في الليل كما هي حمى المتنبي تماما، هذا ويذكر أن الشاعر والروائي المغربي نور الدين محقق يكتب القصيدة في عشق قوي لها وفي محبة كبرى لذبذباتها السحرية.إنه يعانقها بلغتين.اللغة العربية الأم التي شكل بها قصائد عديدة حظيت بالاعجاب ونشرت في كبريات الصحف والمجلات العربية ومنها مجلة مواقف التي كان يديرها الشاعر العربي الكبير أدونيس. كما يكتبها باللغة الفرنسية التي يعشقها، وهنا حديث معه حول حكايته مع القصيدة التي يكتبها. ماحكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبها والمراحل التي تمر منها ؟
حكايتي مع القصيدة شرح يطول بتعبير الكاتبة حنان الشيخ. إنها حكاية عشق دائم. منذ أن زارتني القصيدة ذات يوم، وهي رفيقة دربي وصديقة عزيزة على القلب. قد تكون في بعض الحالات متعبة تستنزف الأعصاب وقد تكون زائرة في الليل كما هي حمى المتنبي تماما، لكنها في كل الحالات تبقى خبزنا اليومي. ذلك الخبز الأسطوري الذي لا غنى للحياة عنه.أما من حيث الكتابة، فهي تأتي خفية وهي تتمكن من الاستيلاء على الوجدان تنطلق كلمات عفوية في البداية، ثم تبدأ عملية المحو وإعادة الكتابة حتى تستوي في كامل البهاء. القصيدة لا وقت تحديدي لها، قد تأتي صباحا أو ليلا، صيفا أو شتاء، لكنها وهي تأتي تمنح للذات فرصة للتأمل والإطلالة على العالم من خلال الكلمات.
أ لعبة
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟
لا قصيدة في غياب الخيال، فالقصيدة مهما كانت مرتبطة بالواقع فهي وليدة التشكيل التخييلي وإعادة تركيب الواقع من وجهة نظر شعرية. في غياب الخيال لا وجود للفن. ذلك أن الخيال هو الذي يجعل المبدع يقدم لنا عالما جديرا بالحياة، خصوصا إذا كان هذا العالم عالما شعريا. أما الصدق والمقصود هنا هو الصدق الفني، فلا وجود للشعر القوي في غيابه. إنه هو ذلك السر العميق الذي يحول الشعور الداخلي إلى كلمات نابضة بالحياة. من هنا أنا لا أكتب كلاما لا أشعر به في أعماقي ولا أخط كلمات لا تنبع من ذاتي. الصدق والخيال هما جوهر الكتابة الأدبية وفي مقدمتها الكتابة الشعرية.
ماهي المراحل التي تمر منها قصيدتك؟
كل قصيدة تحمل مراحلها الخاصة بها، لكن مع ذلك يمكن القول بأن القصيدة في كليتها تأتي على
حين غرة على شكل كلمات أولى منبثقة بشكل عفوي، ثم بعد ذلك تأتي مرحلة الصياغة الفنية لها، فإعادة هذه الصياغة مرة أولى، فثانية، فثالثة إلى حدود الاستواء الفني المتكامل. بعد ذلك تبدأ عملية النظر فيها بشكل تأملي واتخاذ قرار إما بنشرها حين أرى أنها قد استوت في شكل فني مقبول أو أتركها لأعود إليها مرة أخرى للنظر من جديد أو أتركها بشكل نهائي. القصيدة إما أن تحبل بالحياة وهنا يتم الاحتفاء بها عن طريق تقديمها إلى القراء أو أن تترك كي تموت في هدوء ولا يشعر بها أحد إن لم تحمل جاذبية الشعر وبريق لمعانه السري.
هل بمستطاعك أن تكتب قصيدة كل يوم؟
القصيدة تعيش أياما عديدة وربما شهورا وهي تعتمل داخل النفس قبل أن تعلن عن وجودها الفعلي تقرر بمحض إرادتها و رغبتها أن تخرج إلى الوجود. من هنا فأنا لم يسبق لي أبدا أن كتبت قصيدة في يوم واحد ولا حاولت ذلك. القصيدة بالنسبة لي هي امرأة فاتنة إما أن تستسلم لي بمحض رغبتها وإما أن تذهب بعيدا عني. لا أجري وراء القصيدة حتى لاتفر مني وحتى لاتأتي معطوبة أوغصبا عنها. القصيدة تحتاج إلى وقت عميق كي تأخذ استواءها الفني المتكامل، وهذا الوقت يجعل منها تأخذ كامل زينتها الإبداعية وحلتها الرمزية وتتجلى في أبهى شغبها الجميل.
هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟
ضاعت مني قصائد شعرت فيها حين انتهيت من كتابتها بأنها كانت تنتمي بالفعل إلى الشعر الذي أشعر به ويشعر بي. حين كتبتها أو على الأصح حين هي دعتني لكتابتها. ثم في غمرة انشغالاتي نسيتها في أوراق مبعثرة لم أحافظ عليها كما يجب، فضاعت مني إلى الأبد. وحين حاولت من جديد إعادة كتابتها لم أستطع ذلك. غاب عنها ذلك الإشراق الداخلي الذي كان يوجد فيها في أول كتابتي لها. فأهملت الأمر بعد محاولات عدة لم تحقق لي ما كنت أريده أو أسعى إليه. وبقي شيء من هذه القصائد أو على الأصح من ظلالها يراودني من حين لآخر.
هل فعلا كل قصيدة كتبتها توازي خصلة شعر بيضاء في رأسك؟
كل قصيدة كتبتها أو حتى فكرت في كتابتها هي بشكل من الاشكال جزء مني. لحظة حياة عشتها و فرت هاربة مني مع مرور الوقت وأردت القبض عليها بواسطة سحر الكلمات وإعادتها إلى حضني وعالمي التخييلي. من هنا فالقصيدة هي ليست فقط خصلات الشعر الأبيض الذي بدأ يعلن عن وجوده، وإنما هي وشم رمزي سري يعلن عن وجوده بشكل سحري عميق داحل الذات بأكملها. الشعر هو تعبير وجداني كلي عن الحياة التي تسري في الذات وليس فقط أثر الأبيض على الأسود في خصلا ت شعر الرأس، مهما كانت رمزيتها قزية، مشبعة بالدلالة.
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لاينشر ماكتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟
نار الشعر المصفى لا تأتي بكثرة الكتابة كما لا تأتي بعملية التقتير فيها. إنها تأتي من صدق التجربة وعمق الشعور الداخلي بها. تأتي من هذا الزواج الرائع بين التجربة والكتابة والقدرة على الجمع بينهما في بوتقة شعرية متكاملة. بالنسبة لي، كثيرا ما جاءت الكتابة بشكل أثار إعجابي وأعلنت رغبتها في المجيء والتشكل في جنس الشعر، وكثيرا أيضا ما غابت عني وتركتني وحيدا أنتظر قدومها من حين لآخر لكني لم أستعجلها يوما للقدوم. من هنا الوصول إلى نار الشعر المصفى هي مسألة تحقق وليست مسألة رغبة فحسب. والمتلقي وحده القادر على الحكم في هذا الصدد على إن كان الشعر المقدم ينتمي للشعر المصفى أو ينتمي حتى لغير الشعر.
من الضروري أن تكون منتميا إلى مؤسسة ثقافية للأدباء….؟
الانتماء إلى مؤسسة ثقافية للأدباء يمنح للكاتب فرصة اللقاء مع الكتاب الآخرين. اللقاء مع من يهتمون بالكلمات ويخلقون عوالم تخييلية انطلاقا منها. وهو أمر الكاتب شعورا بالاطمئنان الوجداني من جهة ويمنحه القدرة على تطوير على ضوء الرغبة في تحقيق الذات في هذا المجال الرمزي الجميل. من هنا أعتبر إن مثل هذا الانتماء الثقافي يطور العمل الثقافي ويفتحه على آفاق جديدة…
من يرى أن الشاعر قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة ؟
مسألة الاعتراف تظل مسألة نسبية من مرحلة لأخرى وحسب زوايا النظر إليها. قد تتجلى في عملية نشر كتابات المبدع ودعوته إلى قراءتها ومناقشتها في الندوات، كما قد تتجلى في عملية الاحتفاء بها في الصحف والمجلات أو الإذاعة والتلفزيون والكتابات النقدية التي تحظى بها. وقد تتجلى في إقدام دور النشر على طبعها وتوزيعها أو في نيلها للجوائز. بالنسبة لي هناك اهتمام بكتاباتي سواء من لدن القارئ العادي أو من لدن النقاد الذين احتفوا بها كثيرا. كما أن هناك مؤخرا طلب متزايد عليها من لدن بعض دور النشر المغربية منها والمشرقية. وهذا الأمر يسرني طبعا ويرفع من معنوياتي. ولكن مع ذلك أريد لكتاباتي أن تحظى بالقارئ المواظب عليها والراغب في متابعتها. ذلك أن هذا القارئ هو الذي يدفع الكاتب لتطوير كتاباته.
وماذا أضاف لك؟
الاهتمام بالكاتب والاعتراف بموهبته وبكتاباته يدفعه من جهة إلى تطوير هذه الكتابات وإلى الشعور بأهمية ما يكتب. وهما أمران ضروريان للكاتب وإلا أصيب بالإحباط وترك مجال الكتابة وتخلى عنها بشكل نهائي. يقول ميخائيل باختين، في هذا الصدد، بأن أصعب الرسائل وأشدها وقعا على النفس بالنسبة لمرسلها هي تلك الرسائل التي لا تجد لها صدى لدى المتلقي لها، وبالتالي لا يتلقى مرسلها جوابا عليها. وهو نفس الأمر الذي يتعرض له الكاتب إذا لم تجد كتبه صدى لها عند القراء ولم يتلق عليها كتابات من النقاد. من هنا فالاعتراف هو مسألة أساسية بالنسبة للكاتب.
/4/2012 Issue 4184 – Date 26 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4184 التاريخ 26»4»2012
AZP09