الشاعر المغربي محمد أحمد بنيس يتحدث لـ الزمان عن لحظة القبض على الصورة الأولى

173

الشاعر المغربي محمد أحمد بنيس يتحدث لـ الزمان عن لحظة القبض على الصورة الأولى
الخيال يحتاج إلى نوع من التربية والعناية
حاوره عبدالحق بن رحمون
تتعدد الحكايات المشوقة من شاعر لآخر، ولكل شاعر حكاية، أوحكايات، لكنها تبقى ساكنة وشبه مغلقة في جبة كل شاعر، ولا يكاد يفشي سرها، كأنها سحر أو كلمة سر خاصة بكل شخص لاغير، لكن الكشف عن هذه الحكاية سيعد لامحالة مصدرا ومرجعا أساسيا لفك وقراءة معنى القصيدة والأعمال الشعرية، عبر كوة ضوء شاسعة المضامين، وكما هي الطقوس دائما التي نتعود عليها أو نستحضرها في الكتابة، سواء اقتنعنا بوجود هذه الطقوس أو اختلافها من طبيعة كل شاعر حسب المزاج وحسب اللحظة والمكان الذي ينزل فيه الشعر، الذي هو قبل كل شيء إبداع إنساني، يعبر عن الجمال، وعن أعماق في اللامجهول، تشبه رجلا أعمى يبحث عن دليل لطريقه فلايجد إلا البصيرة التي تدله إلى ألم أسفل ألواح مخطوطة أو مرسومة في شذرات مكتوبة على جبين النار.
وفي ملف شعراء يتحدثون عن حكاياتهم مع القصيدة، نستضيف الشاعر محمد أحمد بنيس هذا الشاعر الجميل والأنيق الذي تظل الكتابة لديه تحمل حلما أبديا بكتابة النص المكتمل والرفيع، وفي كشفه لسر حكايته مع القصيدة قال لـ الزمان مسألة الاعتراف في الأدب نسبية . مضيفا لنكن صرحاء إذ لاتكفي النصوص وحدها ليحصل الشاعر أو الكاتب على الاعتراف. فهو مطالب، باعتباره كائنا اجتماعيا، بنسج علاقات مع محيطه ، مؤكدا أنه دائما يحلم بكتابة أو قراءة شيء مختلف، فتظل أجمل القصائد هي التي لم تكتب بعد. ومن هذا المنطلق أدعوكم أعزائي القراء لمتابعة الحوار التالي
ماحكايتك مع القصيدة… وهل لك أن تروي لنا كيف تكتبها والمراحل التي تمر منها؟
حكايتي مع القصيدة بدأت ذات يوم بعيد. ربما لم أعد أذكر كيف حدث ذلك. نكتب لنحرر هذه الذات من بعض التباساتها أو ربما لنتصالح معها بشكل أو بآخر. ليست لي طقوس خاصة في الكتابة؛ المسألة تتعلق بصورة أو صور شعرية تجتاحك فجأة، فلا تمتلك غير التفاعل معها واستدراجها لتحول إلى نص يتطلب طبعا الكثير من التنقيح والمراجعة..
ما موقع الخيال والصدق في تجربتك؟
لا بد من وجود كمية مهمة من الخيال في الكتابة. بدون هذه الكمية يظل ما نكتبه مفتقدا لحرارة ما. والخيال مثل غيره من الظواهر نسبي. بمعنى أنه، وكما قال عالم الخيال الشهير الفرنسي جلبير دوران ، يحتاج إلى نوع من التربية والعناية. وذلك لا يتأتى، حسب رأيي، إلا بالاطلاع على الحياة بكل تفاصيلها وعلى منجز الآخرين من الكُتاب.
ماهي المراحل التي تمر منها قصيدتك؟
ليست هناك مراحل معينة يجب قطعها لإنجاز نص. لكن بالنسبة لي هناك لحظة تبدو حاسمة في كتابة النص وهي لحظة القبض على الصورة الأولى التي تشكل أساس بداية النص وانطلاقه. هذه الصورة قد تكون عبارة عن مقطع أو مقطعين. ولا بد من إنزالها فورا على ورقة أو على الحاسوب. بعدها تظل هناك عمليات التنقيح والاقتصاد في اللغة وما إلى ذلك.أحيانا كثيرة أجدني حزينا على عدم تذكر صورة أو صور لم أقم بتدوينها ساعة انبثاقها ومضةً عابرة في ذهني.
هل بمستطاعك أن تكتب قصيدة كل يوم؟
غير ممكن طبعا. ولا أدري هل هناك شعراء يكتبون كل يوم قصيدة.
هل سبق لك أن ندمت على قصيدة لم تكتبها بعد أو كتبتها في وقت مضى؟
دائما تظل الكتابة تحمل حلما أبديا بكتابة النص المكتمل والرفيع. وهذا يشكل جزءا من المسار التاريخي للأدب والكتابة. دائما نحلم بكتابة أو قراءة شيء مختلف. تظل أجمل القصائد هي التي لم تكتب بعد. مسألة الندم بالنسبة لي غير واردة في ما كتبته او ما سأكتبه.
هل فعلا كل قصيدة كتبتها توازي خصلة شعر بيضاء في رأسك؟
إلى حدود الساعة ليست هناك خصلة شعر بيضاء في رأسي. ربما كل الخصلات تحمل سواد القصائد البعيدة.
دائما أنت تخاف من أن تخذلك يوما الكتابة وتجف قريحتك، لذا تبدو مثل تلميذ مواظب على الحضور، وخوفك من هذا المجهول هل يوازيه خوفك من تساقط شعرك وإصابتك بالصلع؟
لا قياس مع وجود الفارق. ربما كان هناك كتاب كلما ازدادت مساحات الصلع في رؤوسهم زادت كتابتهم ألقا وعمقا.
هناك من يوسوس له الشعر كل لحظة بمكر، ويكتب بشراهة، أو بتقتير كأنه يتنفس الهواء من منخر واحد. قد ينشر أو لاينشر ماكتبه، بالنسبة إليك أي طريق ستوصلك إلى نار الشعر المصفى؟
بالنسبة لي أنا مقل في الكتابة الشعرية. أتصور أن كتابة الشعر تحتاج نوعا من الهدوء الداخلي والتأمل. كما أن الاطلاع على التجارب الأخرى قد يصحح في الكثير من الأحيان بعضَ التصورات الخاطئة التي نحملها عن ذواتنا في علاقتها بالكتابة.
شهد العالم العربي تغييرا في أنظمته، هل تنتظر مثل هذا التغيير والثورات في الثقافة والابداع، وهل سيطول موعد تحقيق ذلك؟
في هذا السياق، أختلف مع كثيرين، يرون أن ما يحدث في الوطن العربي ليست ثورات بقدر ما هو تغيير في الأنظمة السياسية، معتبرين أن الثورات تعني تغييرا في البنيات الثقافية والاجتماعية والذهنية.هذا الرأي، وإن كان يحمل نصيبا من الصواب، إلا أنه يبدو متعاليا على الوقائع. لا يمكن أن نقلل من أهمية ما يحدث، لأن الأمر يتعلق في رأيي بمرحلة تاريخية في طور الانقضاء تترك مكانها لمرحلة أخرى. ولذلك قد ننتظر وقتا آخر ليطال هذا التغيير مجالات الثقافة والإبداع. التحولات الكبرى والمفصلية في التاريخ، والتي يكون لها طابع شامل، لا يمكن أن تحدث بين عشية وضحاها، خصوصا أن هذه التحولات تجري في ظل صراع بين القوى الاجتماعية التي فقدت مكاسبها ومصالحها والقوى الأخرى الصاعدة.
هل من الضروري أن تكون منتميا إلى مؤسسة ثقافية للأدباء…. هذا من جهة، ومن جهة أخرى هناك من يرى أن الشاعر قد يضيع عمره كله ولا ينال الاعتراف، بالنسبة لك هل نلت هذا الاعتراف إلى هذه الساعة وماذا أضاف لك؟
أعتقد أن مسألة الاعتراف في الأدب نسبية. لنكن صرحاء؛ لاتكفي النصوص وحدها ليحصل الشاعر أو الكاتب على الاعتراف. فهو مطالب، باعتباره كائنا اجتماعيا، بنسج علاقات مع محيطه كتاب آخرون نافذون، مؤسسات ثقافية وإعلامية… في أفق البحث عن هذا الاعتراف. كتاب عديدون تراهم يملؤون الدنيا ويشغلون الناس، لكنك حين تقف، بشكل مجرد، على نصوصهم تجدها متوسطة. بهذه الصيغة فالحقل الثقافي هو حقل صراع اجتماعي تتواجه فيه الإرادات الثقافية وقد تتصارع حسب الظروف؛ حقل فيه سلط نافذة وسلط مضادة صاعدة تبحث عن موقع لها في الساحة، ووسائط، وصراع متواصل على الموارد الرمزية والمادية أحيانا وغير ذلك. أحيانا يصاب الوافدون الجدد إلى الحقل الثقافي بنوع من الصدمة حين يقفون على مثل هذه الممارسات، لكن ذلك يبدو طبيعيا إذا نظرنا إلى هذا الحقل على أنه جزء لا ينفصل عن عملية الصراع الاجتماعي بكل أبعادها.
بالنسبة لي لا أعرف هل نلت هذا الاعتراف أم لا، لكن الأساسي هو أن يظل المرء متصالحا ولو نسبيا مع ذاته. هذه المصالحة قد تبدو في كثير من الأحيان بديلا عن أي اعتراف آخر.
/4/2012 Issue 4185 – Date 28 Azzaman International Newspape
جريدة الزمان الدولية العدد 4185 التاريخ 28»4»2012
AZP09

مشاركة