الشاعرة والأديبة سعدية السماوي : أمامي معترك طويل من العمل والإبداع – عزيز البزوني

الشاعرة والأديبة سعدية السماوي : أمامي معترك طويل من العمل والإبداع – عزيز البزوني

سعدية السماوي امرأة من هذا الجيل المنبوذ، ولدت في السماوة وفيها نشأت بين حضن العائلة وصدر الفرات ، واجهت العالم بأول كلماتها وهي في الثالثة عشرة ،وبعدها ركضت في ساحة الشعر هربا منه واليه .حصلت على شهادتها الجامعية في علم النفس ،وعملت مرشدة تربوية في مدارس تربية المثنى الى ان استقر بها الحال مشرفة تربوية على رياض الأطفال ، حيث لمست ببصيرتها صرختها الأولى وهي صبية, ارتأينا ان نلتقي بها فكان هذا الحوار معها:

{  حدثينا عن تجربتك الاولى مع الشعر والكتابة , كيف بدأ مشوارك؟

– فتاة في المرحلة المتوسطة من الدراسة ، معظم اوقاتها ابتهالات ، تبتهل لكل ابداع كتابي تطرق ابواب الوراقين بحثا عن كتاب ديوان شعراً ورواية او حتى كتب التاريخ التي لم تكن اقل جذبا لاهتماماتها الأدبية . اول طرق لاهتمام ، كان لفتاة قي مرحلة المراهقة في الثمانينات من القرن العشرين تتولع بقصائد نزار قباني .. وهاهي لاول مرة تمسك بقلم وقرطاس لتجيبه عن سؤاله ومن ثم ترسله للشاعر عن طريق البريد العادي .. حين قال بقصيدته ..

اني خيرتك فاختاري .. مابين الموت على صدري .. او فوق دفاتر اشعاري

إجابتها بكل عنفوان الشابة الموله بقصائد الفارس نزار

اخترت الموت على صدرك … لاحضى بسطوة جبارِ

{  مالذي قدمته الشاعرة سعدية السماوي من خدمات للثقافة والفن والأدب حتى تمنح شهادات تقديرية؟

– كما أرى فالشهادات التقديرية لا تمنح لأواصر العلاقات او التزلفات ، وانما تمنح لأن هناك اثراً يتفاعل ويتشارك به مجموعة من الناس ،وهذا الأثر هو هدف الأدب الحيّ . لقد شاركت في عشرات اللقاءات الأدبية وقرأت في العديد من مهرجانات شعرية واماسٍ أدبية ،ونشرت عشرات النصوص الشعرية في الصحف والمجلات العربية والمحلية ،ومواقع الانترنت الأدبية ، وأسهمت في كتابة ونشر معالجات اجتماعية وتربوية وفولكلورية ،وقدمت نقدا فنيا لبعض المعارض التشكيلية وقراءات أدبية وعروضاً للكتب ، إضافة الى ممارستي العمل الصحفي منذ كنت طالبة جامعية . كما نشرت كتابي الأول (دعوة للجنون) لأربعة نصوص مسرحية ، وديواني الأول (نساء يحترفن الثرثرة). وانا مطمئنة بان مشاركاتي وقراءاتي وآثاري ونشاطي المتنوع كان له أثر طيب ، ومساحة تفاعل اجتماعية تكبر يوما بعد آخر .

{  كيف ترين واقع الشعر في العراق اليوم؟ مالذي استجد من الشعر والشعراء ، وألقاب وجوائز للتميز والإبداع ؟

– لقد اتسعت مساحة الشعر في العراق الآن ،وتعددت النوافذ الرؤيوية المطلة على هذه الساحة ، وانشقـّت بين شعراء الداخل والخارج ،وانقسمت على تعدد الولاءات والانتماءات والمواقف ، لكن كل ذلك منح هذه المساحة بصيرة حيـّة ، ومفردات إبداعية ،وأفقا تجريبيا ، وتنوعا نموذجيا .حتى طرق الشعر العراقي إسماع العالم ، ويظهر ذلك عن طريق الترجمة الى العديد من اللغات ، والمشاركات العالمية ، والمختارات الانطولوجية والجوائز الدولية . لكن أجيالنا هذه تفتقد الريادات ومن دون قمم يرجع إليها الشاعر ليرى نفسه ويتلمس خطاه . لقد حدث انفصام مفجع بين الشاعر ومرجعيات الشعر . وذلك للهزة التراجيدية التي أناخ تحت ثقلها منذ أربعين سنة وما يزال ، وللتشتت الجغرافي والفكري في منافي القارات الخمس . حتى أصبح الشعراء أيتاماً من دون آباء يستظلون بأصواتهم ويستندون على شجرتهم ، ومن دون يقين بدور الكلمة وفعل الشعر . ولكي يتوازن الشاعر منا إزاء العالم فإنه رجع الى ذاته وتوحد بكينونته وموقفه الشخصي . فالشاعر هو مرجعية شعره ليحمي نفسه وشعره من الولاءات العابرة، والتناحرات الموتورة ،والإرادات المقنـّعة ،والإيديولوجيات المتحجرة ، والكلـْبيّات المهيمنة . انه يدرك أكثر فأكثر ان العالم المرئي عالم كلبي ومزيّف ، والوقوف ضد الزيف هو احتجاج مبدئي ولو انه غير كاف .

{ كتاب (دعوة للجنون) هو نصوص مسرحية، ماالذي جاء به،وماهي الرسالة التي ينادي بها بعد التغيير؟

– ان النصوص المسرحية التي يضمها كتاب (دعوة للجنون) كتبت في تسعينات القرن الماضي، وقـُرئتْ آنذاك من قبل أدباء وفناني ومثقفي مدينة السماوة. كانت هذه المسرحيات صرخة ضد الصمت والتواطؤ . ومن باب شخصي فأنني أردت إعلان شهادتي للتاريخ وإعلان موقفي ضد غسيل الدماغ الديماغوجي ، والتنويم الجماعي ،ضد الخوف وقهر الإرادة الذي مارسته بعنف الدكتاتورية الصدامية . ان الرسالة التي تحملها تلك النصوص واضحة وجلية لكل قارئ . أعلنت فيها إننا واعون على الرغم من الصمت، واعون ومتشبثون بحريتنا وإرادتنا ،وأننا نريد التغيير والحب والحياة اللائقة بنا بلا خسائر وضرائب مجبرين على دفعها لنظام يخطط لوأد أحلامنا وتدمير مستقبلنا . هذه الرسالة التي كتبتها قبل التغيير ماتزال تحتفظ بمشروعيتها بعد تغيير 2003 .

{  (نساء يحترفن الثرثرة) قصائد شعرية، مالجديد فيه ؟ هل الميول والعاطفة نحو المرأة وراء تأليف الكتاب ؟

– اذا كانت المعاني مطروحة في الطريق كما يقول الجاحظ ، فجميع الشعراء متساوون في تناولها. لكن الفرق يبقى في طريقة الطرح في إدارة الموضوع وإيقاظ ماهو منسي وخامل فيه. وفي هذا يكمن الجديد . لا أريد ان أستبق غيري وأنظـّر لنفسي . هذه مهمة الناقد والقارئ وهي رهن المستقبل . لكنني معنيـّة بالرسالة أكثر مما يعنيني الطريقة او الاسلوب ، معنيّة بالمعنى والوضوح ، بدور الشعر في تنقية المناخ الروحي والبيئة الانسانية من التعصب والعنف والتطرف ، معنيّة ببناء عقل اجتماعي يؤمن بالسلم والعلم والمدنية ،معنيّة بتنمية عقل جمعي كقوة راصدة للانحراف والفساد، معنيّة بتحرير العاطفة من ملابسات العرف والنظرة الدونية للمرأة .

{  ماذا يعني لك حب الوطن في شعر سعدية السماوي؟ مالذي أعطاك وأضاف الشعر لحياتك ؟وهل أخذت الشاعرة الأنثى فرصتها الكافية لإطلاق موهبتها؟ ام ان العادات والتقاليد وظروف اخرى كانت عائقا وسببا يمنعها من الإبداع؟

– الوطن في شعري هو عرين الوجود ومفتاح الهوية ، هو العين الساردة التي تحكي قصتها منذ سبعة آلاف عام ولم تتوقف بعد . فالوطن اكبر سارد للعواطف المحترقة والانفعالات المبهرة . منه نستمد أوليات الانبهار بالكلمة ، ومبادئ الصراع مع أقدارنا ، وقراءة اول كتاب لعثرات أحلامنا ورعشات قلوبنا . والوطن هو الإنسان الذي لايحقق إنسانيته إلا بالمكان . ماكتبته عن الوطن ومحنته يدور حول هذه المقتربات .اما المرأة الشاعرة تحتم عليها ان تكون نصف أنثى حتى تستطيع ان تحجز لها ركنا بلا عرش ، عليها ان تكبح هذا النصف الأنثوي الموؤود حتى تكتب مثل الرجال أنصاف الآلهة الأرضية الذين يرون في المرأة قارورة لابد من كسرها حتى تستسلم وتخضع،وأكثر من يطارد هذه القوارير هم زملاء المهنة المسلحون بذاتية الذكر المفرطة بخيلائها ونرجسيتها . اما العرف العشائري فقد سلب حقوقنا المكتسبة منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 ،وطمر مدنيـّة المكان حتى أصبحت مدننا أشبه بالقرى الكبيرة . والنظرة غير الواعية للدين فرّطت هي الأخرى بمكانة المرأة وطموحها .وهناك عشرات التفاصيل التي تنضح بها حياتنا وثقافتنا حددت من مسيرة المرأة المبدعة ،فأضحت خطواتها قصيرة وجهدها قليل ،لكن هذا القليل أكثر إشعاعاً وأسرع وصولاً وابعد عن النمط السائد في الكتابة الإبداعية .

{ ماهو ابرز ما كتبته الشاعرة سعدية السماوي ويعتبر نقطة تحول في حياتها ؟

– ما كتبته هو سلسلة يكمل أحدها الآخر ،وأنا كأديبة ما أزال في أول الطريق ،وإمامي معترك طويل من العمل والكتابة والتمرس بنواحي الإبداع الأخرى . ويمكنني القول ان أفضل كتبي لم أكتبه بعد .