الشاعرة بشرى البستاني وجدل التجربة
الطاقة التعبيريّة المتفردة
صباح محسن كاظم
الرؤية الشعريّة الكليّة في التجربة الإبداعيّة والممتدة لعقود خلت للشاعرة الفذة ،والأديبة البارعة ،والناقدة الأكاديميّة، المبدعة “بشرى البستاني” توحي بالقدرة على توليّد الصوّر المبهرة والمدهشة والفائقة الجمال والثراء اللغوي، وكذلك الإيقاعات الداخلية المموسقة في نسق النص الذي تتفاعل وتتناول تدوينه وكتابته طوال تلك المرحلة الممتعه من مطلع السبعينات إلى الآن، فمن خلال التعامل مع جدوى الكتابة الشعرية ،والغوص بالمعنى ،وبؤرة الحدث والثيمة الجوهرية في النص ،بتناولها الموضوعات الإنسانيّة ،بالتعبيّر الجمالي الشعري السحري الأخاذ ،والمفعم بالصوفي، والمحلق بفضاءات المدى الوجداني ،والروحي، عن الإحساس.. والشعور الإنساني من الذاتي إلى الجمعي لِتُعبر عن السمو الروحي والوجداني الإنساني .فترتكن نصوصها في التعبير والإشتغال الشعري ،بالبعد الدلالي والسيميائي العلامي الذي يحيلنا لعمق التجربة عند “البستاني”،فمن خلال الإيقوانات، والوحدات التي تبثها بنصوصها العابقة بسحر الجمال ،تؤسر المتلقي بعذوبة الإحساس والتفرد بمعالجة الموضوعات في ثنايا النصوص ،فمن خلال المنجز الشعري من عام 1973 – مابعد الحزن ،الصادر عن دار النهضة في بيروت مروراً بالإصدارات الشعريّة الأخاذة وتنوعها …الأغنية والسكين وزارة الثقافة ، بغداد ،1976.
أنا والأسوار جامعة الموصل ،1978.
زهر الحدائق وزارة الثقافة ، بغداد ،1984.
أقبّل كفَّ العراق وزارة الثقافة ، بغداد ،1988.
البحر يصطاد الضفاف وزارة الثقافة ، بغداد ،2000.
ما تركته الريح منشورات اتحاد الكتاب العرب ، دمشق ، 2001.
مكابدات الشجر وزارة الثقافة ، بغداد ،2002.
أندلسيات لجروح العراق المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2010 .
مخاطبات حواء دار شمس ، القاهرة ، 2010 .
مواجع باء- عين دار مجدلاوي ، عمان ، 2011 .
كتاب الوجد دار فضاءات ، عمان ، 2011 .
خماسية المحنة ، دار فضاءات ،عمان ، 2012.
البسي شالكِ الأخضر وتعالي ،فضاءات ،عمان، 2014.
دواوين مشتركة :
أشعار رغم الحصار – ديوان مشترك ، القاهرة ، ط 1 ، 2001 .
مسلة العراق ، ديوان مشترك ، الاتحاد العام للأدباء – جامعة الموصل ، 1994 .
الموصل في عيون الشعر ، جامعة الموصل ، 2010 . فضلاً عن عديد من المؤلفات النقدية والقصصية والفكرية.
من قراءة لديوانها البسي شالك الأخضر وتعالي ،أرى بلاغة الجملة الشعرية الموشاة بالإيحاءات والدلالات ،والصلات الدلالية بين الإيقاع وبناء المعنى ،من خلال إشراقاتها الروحية التي تتخللها صوفيّة الوجد والشعور والإحساس ، والنسق المحايث ،والنسق المفتوح بتلك النصوص الشعريّة المبهرة ..مجتزء من نص 1-
في ساحة اللعب
لاتكون الهيمنة إلا للأقدام
في ساحة اللعب
تلعب بنا الأقدامُ صباحا
وفي الظهيرة ِ، وعند الغروب
…….
في ساحة اللعب
تُطأطيء إرادة الرأس لإرادة القدم
ويصمت هيدجر كليا
فلسفة الوجود الإستخلاف والتمكين للإنسان بالحياة ،ليُنتج الجمال ..وصناعة الحضارة ،وتحقيق أنسنته بوجوده ،لكن المفارقة إن هم الوجود بالسلام تلعب به أقدام الطغاة والبغاة والعنف وتخطط لمساراتنا ،وهجراتنا ،ونفيّنا ، إنه الإحتجاج لكل مصادرة للعقل ،والكمال الإنساني.. بأقدام من لاعبي كرة السياسة والعنف ومصاردة الحقوق والكرامة ونفي المكان الذي يتنفسه الإنسان ،ويتعلق به بالهجرة القسرية ..تجد نصوص تتناثر بين بياض الصفحات تٌدين مصادرة الكرامات ،وسحق الإرادات ،وتدجين العقل وركنه جانباً، وتعالي صوت الرصاص بديلاً لنشوة لذة الوجود ولموسيقى الحياة، والأمل بإلإنتظار الجميل ،كما بنصوص جنة المنفى – قلت للقصيدة تألقي قالت والرصاص- الشاعرة لم تمت بالرصاص -قبعات أمريكية – حلمت أن لي وطنا …، رغم تلك السوداوية التي تعج بها حياتنا ،تنتقي الشاعرة النصوص الروحية الموشاة بالحب الصوفي والأمل لفضاء يخلو من الألم ، نصوص “البساتني ” مُشبعة بالعاطفة بنص جنة المنفى:
اقفلوا الباب علي
لكن السماء ملكي،
ومجرةُ النجوم
**
اقفلوا الباب علي
لكن حبك بستاني
وكلماتك شُرف تمتد مابين ليل وفجر.
لايعلمون مايجري فيها
صوّر البوح الشعري :
تعتمد “البستاني” بنصوصها وبوحها على توظيف جماليات اللغة بكل محمولاتها البلاغية في الإستعارة.. والكناية ..والرمز.. والتشبيه ..والمفارقة، فتكتمل الصورة الشعرية في ذهنية القاريء لهذا الديوان – البسي شالكِ الأخضر وتعالي- فالذات الشاعرة ،والرؤية الإبداعية، وأبنية القصيدة “البستانية” تتمتع بخصوبة الخيال..والإستدلال بالصور الشعريّة الموحيّة ..وتجليات الروح والعشق الصوفي ..لذلك أرى جازماً سمفونية الشدو والبوح الشعري تُعبر عن الصفاء الروحي ،والنقاء القلبي ،وجذوة الحب التي تجد الشاعرة فيها جذلى منتشية مُعبرة عن الذات وهواجس الروح ،والأمل المنتظر ، رغم الألم والمحن ، ومصادرة الحرية ، في حيواتنا المستباحة ….فمن خلال البوح الرومانسي الذي يُشع بأريج التسامي الروحي الصوفي لدى الشاعرة ،
هذا العصر لايتسع لحبي
حرائقه ابتلعت انهاري
لصوصه داهمت ايامي
مستلة آخر قطرات الضوء منها
كما في نص شجرة الروح ،بؤرة الإشعاع بالبوح يفوح شذاها وتعبق ثناياها ،معبرة بإحساس الانوثة الصادق لمحاولة ضماد جراحات الروح ،وأنين البوح ،شدو بجمال خيوط الشمس الذهبية ،وبلون الليالي القمرية ….
في شُرَفِ قلبي
أهز ّ سعف جرحك
فيتناثر الصبر
**
أتضرع تحت أفياء جرحك:
احبك..
لم أقل ذلك لهم..
كي لايلقوا القبض على جرحي..
المكان والتناص عند البستاني:
والصور الشعرية مستقاة من أمكنة “الموصل” التي ولدت وترعرت وتعلمت وعلمت فيها ،فأم الربيعين مدينة المساجد والمكتبات والأرض الملونة بالخضرة ،تسمد الشاعره صورها الجمالية من سحر المكان ،وثقافتها الكبيرة بالنقد وكتابة القصة تحيلها إلى التناص القرآني بنصوصها الموشاة بعبق الجمال
لِترسم الصورة الشعريّة والحسيّة والوجدانيّة من خلال الإنزياحات والدلالات عما تُعبر عنه بنصوصها الأخاذة بالبهاء والسناء رغم الوجع والإغتراب النفسي والقلق تتحدد أنساق بُنية القصيدة البُستانية وفق القدرة على التأويل الذي يقول عنه أبو حامد الغزالي :
(التأويل عبارة عن إحتمال يُعضده دليل)
وفي كتاب القراءة النسقية سلطة البنية ووهم المحايثة لأحمد يوسف ص452:
( إن النسق في الرؤية الشعرية معقّد، ومتلوّن داخل نصوص قد تكون متعالقة مع نصوص قديمة ضاربة في جذور التراث الإنساني، وهو مايعبّر عنها حالياً بالحوارية لدى ميخائيل باختين والتناص لدى جوليا كريستيفا والتناسخ لدى عبد الفتّاح كيليطو . ومن هنا كانت المعاينة البيوية للقصيدة تندرج ضمن مشمولات النسق بوصفه مشروعاً لايختلف عن بقيّة مشاريع الفكر الإنساني .)
هذا ضياع يُدخلني في النشوة
يرشقني رذاذك الصيفي بالشذى
أعرف أنك تكذب
لكن ذلك لايعنيني
………
يأخذني النغم بعيدا على أجنحة هدهد
أعرف أنه ليس هدهد سليمان
لكن ذلك لاهم أيضا
فأنا لا أحتاج الهيكل ولا الصرح
بل أتوق لبوح ٍ ملكي.
إن هذه التجربة الشعريّة المدهشة تتنامى من ديوان لآخر ،تكتنز بالجمال الصوري الباذخ ،والموسيقى الداخلية التعبيّريّة عن شدو البوح ،فضلاً عن المعالجة لوجود الإنسان بأسره ،وقضايا الوطن وهمه ،والتوق إلى السلام وبناء الإنسان بعيداً عن برابرة الوجود.


















