السُنة بين ضياع المشروع وغياب الزعامة – كامل كريم الدليمي

504

السُنة بين ضياع المشروع وغياب الزعامة – كامل كريم الدليمي

يعيش العراق في حالة انقسام وصراع بين الاحزاب السياسية من جهة وتطلعات وطموحات الجمهور العراقي المُحبط من جهه اخرى ، لدرجة أصبحنا نترحم على التاريخ الذي  كان يظهر به الشعب العراقي موحداً وكأنهُ حالة واحدة غير قابلة للتجزئة والتقسيم .

فلم يكن التحول الديمقراطي في العراق  سوى القشة التي قصمت ظهر البعير، إذ كشفت حقيقة هشاشة النسيج المجتمعي الذي تعرض الى استهداف مُبيت وممنهج بدءا” بالحصار الجائر الذي فرض على العراق وتركَ ارثاً ثقيلاً لاتستطيع شعوب الارض  تحمله (بطون خاوية وامراض متفشية وقلق دائم من مستقبل مجهول).

ان مشكلة العراق بصورة عامة والسُنة على وجه الخصوص وماتعرض له هذا المُكون من ظُلم وجور  ابتداء من سوء تعامل القوات الامريكية واساليبها الهمجية في الاستهداف والتنكيل وانتهاك الكرامات ، وصولاً الى المشاركات الشكلية في حكومات العراق المتعاقبة بعد نيسان 2003، وليس انتهاءاً بأحتلال داعش المجرم الذي دمرَّ تلك المحافظات بطريقة (هولاكية) قتل وتهجير وسبي فكان الاشنع والابشع فعلاً ، كل تلك الضغوط ادت الى تحويل المشكلة الى عقدة مركبة يتصدرها  غياب الزعامة ويعززها صراعات التصدر، كل ذلك ادى الى عدم وجود قيادة  مؤهلة للمكون لكي تقوم بلملمة  أشلائه من جديد ، زعامة تحمل مشروعاً يعيد للسنة دورهم الفاعل في حركة المجتمع ، وتعمل على تأمين شراكة حقيقية مبنيَّة على الثقة المتبادلة لادارة الدولة  ورسم أستراتيجيات الامن والاقتصاد و السياسة العامة ، بعيداً عن أساليب الاقصاء والتهميش ولغة الاستصغار .. زعامة يتجاوز تفكيرها “انا الفرد وانا العائلة”، تعمل لخدمة شعبها  كما تتفانى لصيانة حقوق مكونها .. زعامة لا تخيفها صيحات الأعداء ، ولا يقلقها تشرذم الحال وصعوبات المعالجة .. زعامة تستمد شرعيتها من محيطها و محبة الناس لها من خلال قيامها بنشر العدالة  والعمل بحكمة وروية وتغليب لغة الحوار والمصلحة العامة مع الثبات على المباديء الاساسية في حفظ ورعاية سيادة الوطن وحقوق الشعب بشكل عام .

ان بقاء الجميع  يشكوا  من وجود صراعات ومشاريع لدول وكيانات عالمية وأقليمية  تحاول إخضاع “الساحة العراقية” لنفوذها ، فالحقيقة العلمية التاريخية البسيطة تثبت أن العالم لا يقبل الفراغ ، فأمام غياب مشروع عراقي- قيمي -جامع، أو مشروع مذهبي -قومي – عقلاني ..  فالمطلوب « خارجيا”» أن نكون كالكرة التي يتقاذفها اللاعبون او كملعب تتصارع فيه الاجندات الدولية ، فعلينا معالجة الخلل من خلال ملء الفراغات لكي لانسمح لاعداء العراق من استغلالها والتسلل من خلالها لتحقيق مأربهم الخبيثة وخدمة مصالحهم .

ان تشخيص الوضع السياسي العراقي لا يحتاج إلى دليل ، فبين “دولة غير قادرة على النهوض بمهامها بسبب الخلافات وتضارب المصالح “، وبين “قادة وممثلي مكونات فاشلين ولايمتلكون مقومات القيادة ” كان من الصعب الحصول على شرعية مكتملة ، او ثقة مطلقة ، تجعل  الدولة والقيادات المكوناتية  تعمل بشكل جاد كخلية النحل الكل يعرف ما لهُ وما عليه ، ليتمكنوا  من الشروع بنهضة حقيقية على مستوى البشر والحجر .. أحزاب وشخصيات تمارس  سياسات بعيدة كل البعد عن الحكمة والرشد ، بل زعامات أفتراضية أخذتهم العزّة بالأثم ، حتى انهارت كل مشاريع الشراكة والتسوية ، كان آخرها مشروع التسوية التأريخية الذي تبنته الأمم المتحدة .

ولو عُدنا لتجارب الماضي القريب فالقارئ الجيد للتاريخ العراقي يعلم يقينا أن العراق  مرَّ بوضع ربما  أسوأ مما هو عليه الأن  لكن  تجاوزه بحكمة رجاله ووحدة الموقف ، يكفي أن نشير إلى زمن الاستعمار البريطاني وكيف استطاع  العراق ومن خلال تلاحم شعبه تجاوز المحنة وطرد المحتلين ، لكن ذلك النهوض والانتصار كان بوجود قادة عظام امتلكوا الرؤية ورسموا طريق النهوض و استنهضوا كل شرائح المجتمع العراقي ، فقاموا بواجبهم وسارت الجماهير خلفهم ونهض البلد  من جديد . ولا زلنا نستذكرهم ونترحم عليهم أعلاما” مضيئة في تاريخ العراق…

قد نفترض ان التعافي العراقي ممكن، وخلق القيادات ايضاً ممكن ، لكنه يحتاج لثلة وطنية مؤمنة تستفيد من تجارب الماضي وتتجاوز اخطاء الحاضر ، وتدرك نقاط القوة وأماكنها، وتحدد نقاط الضعف ومواطنها ، تستثمر في الشباب الذي لم يعد يؤمن بكل الأنماط الموجودة ويتطلع بشوق لمستقبل يعيد لهم حقهم بالحياة الحرة الكريمة  والشعور بسيادة أوطانهم ..ثلة تتجاوز مراحل طويلة من التجارب والمعاناة  تختصر الزمن ، وتفكر في الخروج من هذا النفق المظلم بأقل التكاليف.. ثلة تمهد الطريق لظهور زعامات حقيقية لقيادة المشهد نحو برَّ الأمان، وإلا فإن الطوفان سيقضي على الجميع  وإن كان متفرجا”، فلم تعد الحدود السياسية وسيادتها سدا” منيعا” أمام طوفان الجماهير المتضررة في العراق لاسمح الله اذا فقدنا السبيل للوصول للحلول الناجعة.

نحن بحاجة الى قيادات لا تعرف المستحيل و تواصل العمل ليل نهار لنصرة الحق وضمان الحقوق .. نحتاج الى الشروع بنهج سياسي ناضج يبلور مشروعاً سياسياً يمهد الطريق لبناء قيادات مؤهلة قادرة على تقديم الحلول   الكفيلة بعودة المكون السني كلاعب حقيقي  في الساحة السياسية العراقية …

مشاركة