السيدة التي افتقدناها   – علي ضياء الدين

355

السيدة التي افتقدناها   – علي ضياء الدين

في زمن مضى كانت هناك في المدينة سيدة فاضلة عمرها طويل جداً وجذورها متأصلة في المجتمع والتاريخ وهي مع ذلك صبية جميلة أنيقة عصية على الزمن. سيرتها العطرة تنتقل كما شذى الربيع عبر الأزمنة والأمكنة ومن جيل لآخر. كان لها حضورها المميز أينما حلت ولا أحد مستعد كي يستغني عنها. كانت تحظى بالاحترام والتقدير. أتذكر أني كنت ألقاها كلما شاءت الصدف أن أكون في مؤسسة أو دائرة أو في مجلس للأصدقاء. بفضلها كان رب العائلة ينام قرير العين مطمئن البال على أفراد عائلته من كل سوء وكان الوطن محصنا من الأطماع والمغريات التي ربما كانت ستغري ضعاف الناس لولا خشيتهم من سطوة تلك السيدة النبيلة. ولقد شاءت الظروف أن أغادر الى الخارج لكني كنت أتابع حال السيدة الفاضلة. ولسنوات عدة كانت رسائل الأصدقاء تبعث في نفسي الطمأنينة من أن كل شيء باق على ما عهدته من قبل. لكن إشارات سبقت ثم تزامنت مع تحولات خطيرة طالت الوطن بدأت تصلني أثارت في نفسي القلق الذي تنامى الى رعب. كان أخطر الأشياء ما تعرضت له السيدة الجليلة من اساءات متلاحقة وقلة احترام الأمر الذي اضطرها أخيراً الى الانزواء ثم الاختفاء عن الحياة اليومية رغما عنها. وباختفائها سنحت الفرصة لألاف الشياطين الذين لبسوا مسوح الملائكة والاتقياء كي يعبثوا بتراثها  ويستبدلوه بشريعة الغابة والحقد واللؤم واللصوصية وفقدان الضمير. منذ ذلك الوقت والناس ضحايا الثقافة الشيطانية الجديدة التي أحرقت الاخضر واليابس وسطت على أموال المستضعفين (أموال الدولة التي لا راعي لها وأموال الناس المجردين من السلاح) وخربت العلاقات الاجتماعية السوية وبذرت بذور الفرقة والشقاق وكل ما كانت السيدة الجليلة الغائبة قد شيدته خلال مسيرتها التاريخية الطويلة. وضع مؤلم وحزين. أليس كذلك؟ ليس أمامنا في ظل هذه المحنة الا أن ننتظر عودة هذه السيدة كي تستعيد الق ماضيها وتعيد الى البلاد وناسها ما خربته جحافل اللصوص مغول العصر ممن تجمعوا حول وليمة لا تنتهي اسمها العراق. لابد من عودة السيدة التي افتقدناها. لتلك السيدة أسماء عدة منها: شرف، غيرة، ضمير، وطنية…

مشاركة