السوط والسيف وحدهما يقتلان الفساد – جواد غلوم

السوط والسيف وحدهما يقتلان الفساد- مقالات – جواد غلوم

الفساد المستشري الان في جسد العراق صار داء مزمنا راسخا في كل عضو من اعضائه ووباءً مرعبا انتشر في كلّ مفاصل حياتنا وكلما تفاقم واستفحل هذا الداء والوباء صعب علاجه ولهذا فشلت كل المحاولات الهشّة لوقفه عند حدّه اذ ان المعالجة تحتاج الى عناصر نزيهة نظيفة العقل ، طاهرة النفس ، مفتولة العضلات ضمن النخبة التي تترأس مقاعد السلطة وبيدها اليمنى سيفٌ واليسرى سوطٌ  لان اللسان والنصيحة لم يعودا من الوسائل الرادعة

القوة وحدها لا الحكمة هي السبيل الوحيد لتضييق الخناق على هذه الظاهرة المستشرية كالنار في الهشيم ، وقديما قال احد دهاة العرب من ساستنا الاوائل : ” اني لااستخدم سيفي حين ينفعني سوطي ، ولااستخدم سوطي حين ينفعني لساني ”  لكن امام هذه الانياب والاظفار الحادة التي تنهشنا ؛ فلا شيء يردعها سوى السيف والسوط ، اما اللسان والتوجيه وما نسميه الدين النصيحة فلم يعد يجدي نفعا امام كفر الفساد بكل القيم والأعراف والمثل العليا والتفنن والمراوغة التي تفوق مراوغة الشيطان حنكة ومراسا ودهاء ومكرا طالما ان ما يوصفون برعاة الدين هم الان في الصفوف الاولى من الفاسدين مع اننا لاننكر ان العدوى قد شملت حتى رموز الليبرالية ودعاة الدولة الحديثة وحتى رعاة المجتمع المدني

هذه الكارثة الأخطبوط  بدأت تستفحل بشكل خطير ولابد من وقفها عند حدها لقطع أذرعها بسيف مسلول وتطهير وطننا وبيتنا العراق فالبيت لايتطهر الاّ اذا بدأنا بتنظيفه من الاعلى لجذّ الرؤوس الفاسدة مهما كان مركزها ونفوذها ولابد من يدٍ جريئة طولى تقبض على الكبار الاقوياء الفاسدين اولا ويتطلب ذلك انشاء محاكم من قضاة مستقلين يمتلكون القوة والمنَعة محاطين بقوات مسلحة مهمتها الوحيدة اقتناص رؤوس الفساد التي ثبتت عليهم تهم النهب والاستخفاف بالمال العام ولتشطب الرحمة والرأفة من بنود ومواد ولوائح من يتصدّى للمفسدين فالعقاب الرادع الحازم هو الخطوة الاولى لتهشيم ركائز الفساد ولو اقتضى الامر باستخدام ديناميت فعّال من العقاب المهول لينال المسيء المفسد جزاءه اولا ولإخافة من يتصيّد الفرص ليفسد ثانيا من الاتباع والذيول السامة المتفرعة منها

لتبدأ المعركة ضد هؤلاء الفاسدين والمفسدين في المؤسسات الامنية وحسنا فعل السيد حيدر العبادي حينما أظهر اكثر من خمسين الف فضائي من اشباح الفساد الذي لايظهر في العين المجردة الاّ يوم الراتب ليتقاسم ماحباه الشياطين الكبار من القادة والآمرين الرواتب الوهمية وأزاد على ذلك من تطهير الاجهزة الامنية من العناصر التي تحوم حولهم شبهات من هذا النوع  ، ورغم ضآلة هذه الاجراءات لكنها الخطوة الاولى وتليها خطى اخرى نحو المؤسسات السياسية التي هي الاخرى عائمة في الفساد حتى أذنيها ، والخوف كلّ الخوف من وجود تلك المظاهر في الاجهزة القضائية ومؤسساتها باعتبارها حامية حمى العدل وراعية الانصاف

ولنبعد اولا عن الاساليب الشفافية والمعالجات الاساسية الابتدائية لاننا امام غول مخيف كاسح لايصدّه الاّ غول أقوى وأشدّ مراسا ومنعة وجبروتاً فالنصح والارشاد والتوجيه وصحوة الضمير وخوف العقاب والوازع الاخلاقي لم تعد تجدي نفعا وهل نربت على ظهر الوحوش توسّلا لعلها تهدأ وتكفّ عن هجومها ؟؟

ماأحزننا حقا هو ماجاءت به منظمة الشفافية العالمية في تقريرها الاخير حيث عُدّ العراق من أفسد خمس دول في العالم كلّه ويشارك الصومال والسودان وافغانستان وليبيا باتساع مظاهر الفساد فيه ومن المعروف ان تلك المنظمة تتميز بتقاريرها الحيادية البعيدة جدا عن المؤثرات والاعتبارات السياسية

لقد آن الاوان لنرفع سيوفنا الباترة واسياطنا اللاسعة للقضاء التام على السرّاق وآكلي اموال المحزونين والمعوزين العراقيين وناهبي ثرواتهم وممتلكاتهم ولتكن خطوتنا الاولى في المؤسسات الامنية التي يعشعش فيها الفاسدون والمفسدون لأنهم هم من يقوّي الارهاب بأموال السحت والنهب الحرام ثم المؤسسة السياسية وتطهيرها من كل رأس فاسد ويدٍ عابثة طويلة تتلاعب بثرواتنا الى ان نصل الى تصفية بؤر الفساد الى اصغر مرفق من مرافق الدولة ، فلم يعد السكوت ممكنا وكفانا غِلاًّ لأيدينا طالما ان النصح والإرشاد والمعاملة باللين والتوجيه والتوصيه اصبحت مثار سخرية واستهجان ، فالهوس بالمال وحبّ الاكتناز والمطامع التي لاحدّ لها هي الخطر الحقيقي الذي يطيح بالوطن لامحالة ، وأملنا كبير في الخطوات اتي بدأها السيد رئيس الوزراء مع انها خطوات أقلّ بكثير مما نطمح  لكنها في الطريق الصحيح لو رفعت سيفها عاليا وهزّت سوطها بمهارة وجرأة لتضرب ظهر الفساد لسْعاً موجعاً ومن المؤكد اننا سنرى الارهاب يحزم أمره ويولِّي هاربا الى غير رجعة

مشاركة