
السلطنة الكلثومية.. تفرد وميزة أعمال غنائية
كوكب الشرق هرم رابع في الإبداع والصوت الشجي
صباح الخالدي
تعد أم كلثوم فاطمة بنت إبراهيم البلتاجي (أيقونة ) مقدسة في حياة المصريين وكم من النقاد العرب والاجانب كانوا يصفون حفلاتها الشهرية بانها تغيير يشمل حياة الناس في الشرق الأوسط على اختلاف طبقاتهم وأعمارهم وعقائدهم مرة في كل شهر ودائما في العاشرة مساء فالمرور يكاد يتوقف في القاهرة وفي مقاهي الدار البيضاء تختفي الطاولة وفي بغداد يترك الأغنياء تجارتهم والمثقفين كتبهم وتفرغ الشوارع من المارة وكلهم آذان صاغية تتركز على إذاعة القاهرة في انتظار أم كلثوم… التي كانت تعرف أيضاً بإلقاب اخرى من بينها ( ثومة، و سيدة الغناء العربي،و شمس الأصيل،و صاحبة العصمة،وكوكب الشرق،) هي الشابة المتوقدة علما وموهبة .
ورغم رحيلها عن الدنيا في شباط من عام 1975 مازالت أم كلثوم تلهم المبدعين في كل مكان حول العالم ويتوهج حضورها في فعاليات ثقافية كبرى فان فنها مازال حاضرا يتربع في قلوب الملايين واغانيها ذاتها تتحول الى شحنة من الاحاسيس والعواطف لكل زمان ..كانت ام كلثوم في مقدمة المساهمين بالمجهود الحربي بعد حرب 1967 فترأست تجمعا لهذا الغرض وقدمت اسورة كبيرة مرصعة بالماس وعقدا هو عبارة عن سلسلة ذهبية مجدولة طولها متران وساعة ذهبية وعقدا اخر مرصعا بالماس لدعم القوات المسلحة المصرية . وهي في الوقت ذاته سيدة الوجدان وشادية القلوب بلا منازع فيما انتزعت احلى الآهات من اعماق محبيها وهي تشدو (هجرتك) و(انت فين والحب فين) وتتغنى بكلمات الشاعر بيرم التونسي( هو صحيح الهوى غلاب) ولمأمون الشناوي (انساك) وتبدع في كلمات الشاعر السوداني الهادي آدم (آغدا القاك).يصف احد النقاد مسيرة كوكب الشرق من ان ( نمو الظاهرة الكلثومية سار فى موازاة تطورات موضوعية لم يكن بد من الخضوع لها والافادة منها اي مسألة اشتقاق تاريخ الفن من تاريخ السياسة وادراج ام كلثوم فى التاريخ الثاني مقدمة التماثل بين الشعب وصوتها). كانت كوكب الشرق تعبر عن مصر وامتداد لدورها العربى فغنت لشعراء عرب من سائر البلدان من سوريا لنزار قبانى (اصبح عندي الآن بندقية) ومن لبنان لجورج جرداق (هذه ليلتي) ومن السعودية لعبد الله الفيصل (من اجل عينيك)… انهاكانت مطربة القرن العشرين في مصر والوطن العربي فقد تغنت بأشعار الكبار ومن بينهم أمير الشعراء احمد شوقي صاحب (ما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا ).. ويعد الغناء جزءا اصيلا في تركيبة الشخصية المصرية منذ فجر التاريخ و حتى الفنون التي أتى بها من استعمر مصر من الغزاة هي الاخرى تحولت الى (سبيكة مصرية خالصة) فيما كانت رحلة الموسيقى الغنائية في مصر خلال القرن العشرين (جهودا مضنية وناجحة للتخلص من الطابع التركي الى أن تحررت منه تماما على يد الفنانين سيد درويش ومحمد عبد الوهاب ومحمد فوزي.من المحطات البارزة في مسيرتها في عام 1966 ..
رياض السنباطي وسر
لحن الاطلال
غنت من الحان رياض السنباطي (الأطلال )من كلمات الشاعر إبراهيم ناجي وكان غناؤها لهذه الأغنية بعد عام واحد من غنائها لاغنية (أنت عمري )من الحان محمد عبد الوهاب، وكان ذالك بمثابة رد من السنباطي على عمل عبد الوهاب (أنت عمري) الذي حقق نجاحًا كبيرًا وكانت اغنية (انت عمري) ثمرة اول تعاون بين ام كلثوم ومحمد عبد الوهاب، ولذا يطلق عليها اسم (لقاء السحاب)، وهي من كلمات احمد شفيق كامل…واثبت السنباطي أيضًا قدرته الفائقة علي تلحين القصائد وكانت الاطلال لحنا مبدعا وُضع أم كلثوم بمساحة صوتية محدودة لأسباب المساحة الصوتية .. واكد عدد من النقاد في مجال الموسيقى ان ( السنباطي ابدع في لحنه رغم ضيق مساحته الصوتية المخصصة لكي تؤديها أم كلثوم ، وهي المساحة الصوتية التي فرضها على نفسه لأسباب من بينها، ان السنباطي فرض على نفسه قيدا صعبا وهو ان يضع الاغنية في اضيق مساحة صوتية ممكنة لام كلثوم), ويرون ان ( ثومة كانت انذاك في مرحلة الستينات من عمرها واراد الملحن ان تكون القصيدة قابلة للاداء وتزيد من المساحة الصوتية حسب قدراتها كما ان السنباطي خطط للحنه من ان يستغل جميع الدرجات الصوتية المتاحة في افضل صورة وكان اللحن جملا صوتية متتالية مرسلة مع ايقاع هادئ مع فقرات لحنية متوهجة وقد اعطى لكلمة (سكارى )درجة صوتية اضافية هي درجة (الدو .. جواب )وكمل بذلك اللحن على هذه الطريقة الرائعة التي انشدتها ام كلثوم .. كما ان أغنية (ان كنت اسامح وانسى الأسية) للشاعر أحمد رامي والتي لحنها محمد القصبجي لأم كلثوم عام 1928 تشكل ثورة في الغناء العربي حيث دشنت القالب المعروف الآن باسم (المونولوج) اي مناجاة النفس للنفس ولم يكن معروفا في ذلك الوقت مما شكلت تحفة الفنية كانت نقطة تحول في تاريخ الغناء العربي وهذه الأغنية كانت بداية مرحلة جديدة وبيع من طبعتها الأولى مليون اسطوانة كما ان انتشارها كشف عن ان ذائقة المصريين كانت عالية وواعية وعاشقة لكل ماهو اصيل ومبدع في الكلمات والألحان والغناء.. من المرحل المهمة في مسيرتها فقد مرضت عام 1954مما دفعها الى التخفيف من جدول حفلاتها الموسيقية وذلك بسبب تعرضها لعدد من المشاكل الصحية، بحيث كانت تضع على عينيها النظارة السوداء بشكلٍ دائم لوجود مشكلة في الغدة الدرقية لديها، ممّا أدى إلى جحوظ عينيها، وكان أيضاً السبب الذي أدى إلى توقف نشاطها التمثيلي الذي كان ستة أفلام فقط .. كانت ام كلثوم الظاهرة الفنية الأكبر أثرًا في التاريخ العربي المعاصر , والموهبة الفريدة التي مُزجت بحضور طاغ و ذكاء فني نادر وشخصية كاريزمية من الطراز الرفيع , ضمنت بها محبين على مدار التاريخ و طالما يُسمع للغناء صوت …أم كلثوم ليست قصة معجزة بل قصة عمل جماعي خلطة كلام موزون ولحن مصنوع على يد الملحن وصوت بدون آلات و الأهم مشاعر موجودة لا مستوردة أو مصطنعة من أجل الظهور المؤقت .. انها عطاء متواصل ونجاح باهر بصوتها الجميل وأدائها الرائع وتعبيرها الأخاذ وبأحب ما تغنى به الناس من كلمات وألحان.. من فلاحة في إحدى القرى إلى كوكب الشرق ، رحلة مليئة بالكفاح والإصرار على التفوق حتى آخر العمر، وفى وسط الحروب والصراعات والملوك والبسطاء غنت أم كلثوم لمجد الجميع ولرفعتهم وأنشدت ما اهتزت له مشاعر العرب شرقا وغربا على مدى عشرات السنين.. قيل عنها ان (أنه لم يجتمع العرب على شيء مثلما اجتمعوا فى صوت أم كلثوم ),أضحى الغناء بصوتها رمزا للعروبة إذ أنها كانت تتأنى كثيرا فى اختيار ما تغنيه ، ولم تكن تقبل إلا شعر كبار الشعراء قديمهم وحديثهم ، وقد غذت بأغنياتها فرعا هاما من فروع القومية باستطاعتها توحيد الوجدان العربى وتعبيرها عن المشاعر العربية الأصيلة كلاما ونغما وأداء.. كانت ناجحة في مكسيرتها الفنية ويرج السبب الى اختيارها للراقى من الكلمات
اختيار القصائد نقلة نوعية متطورة وتفضيلها لشعر العربية الفصحى ومن بين تلك القصائد ( ولد الهدى ، و سلوا قلبى ، ونهج البردة لأحمد شوقى ، ورباعيات الخيام و أراك عصي الدمع لأبى فراس الحمدانى والأطلال لإبراهيم ناجي).كما من اسباب نجاحها ايضا اختيارها لأبرع الملحنين وحفاظها على الصورة المحترمة للفن وتطويعها للفن فى خدمة قضايا أمتها العامة وإخلاصها لجمهورها بتقديم الجيد والجديد وكان فرقتها الموسيقية التي تشكلت عام 1926 بقيادة محمد القصبجى الذي اختار لها أمهر العازفين وبدأ يزودها بألحانه ..
جاءت أغنية ( يا ليلة العيد ) لحن السنباطي وكلمات أحمد رامي من معالم الاحتفال بليلة العيد فى الوطن العربي ، وكتبت أصلا للتهنئة بالعيد قائلة فى مطلعها (يا ليلة العيد آنستينا وجددتي الأمل فينا)..وقد اشتركت كأغنية عيد مع رائعة زكريا أحمد الليلة عيد من كلمات بيرم التونسى وهى فى الأصل أغنية عاطفية تبدأ (حبيبى يسعد أوقاته )لكنها عبقرية الشيخ زكريا التى حولت المقطع الليلة عيد .. ع الدنيا سعيد إلى مناسبة اجتماعية وفرح شعبي يتغنى به الناس ليلة ظهور هلال العيد كل عام. كانت ام كلثوم تقيم حفلات شهرية استمرت كتقليد منتظم لمدة 40 عاما حتى عام 1973 وفي تلك الحفلات كانت تقدم أغنياتها الجديدة ، ولاقت تلك الحفلات نجاحا استقطب الجمهور من جميع البلاد العربية.هذه الفناة الكبيرة التي صدح صوتها فألهب القلوب، والتي غنت فأبدعت، دام صوتها رمزا للحب، ودامت كلماتها في رسائل المحبين، عاشت للحب فأصبحت أيقونته، واجتمع العرب على صوتها، علمت الناس الحب، كان طبيعيا أن يقع في غرامها عدد من الرجال، المشاهير شعراء وملحون واطباء وسياسيون .. المهم كيف استطاعت كوكب الشرق ان تأسر قوب الملايين من محبيها من العرب والاجانب ..
خاصة ان الكثير من المحلّلين، سواءً الموسيقيين أو غيرهم، يغفلون البعد الأدائي في تفسير عبقرية أو البعد الإبداعي في غناء أم كلثوم منهم يركّز على طبيعة الصوت أو الأسلوب الغنائي أو السياق السياسي والاجتماعي أو السياق الفنّي (علاقتها بأهم شعراء عصرها والموسيقيين المهمين في تلك الفترة).
لكن يبقى فهم تجربة أم كلثوم منقوصة من دون النّظر إلى طبيعة وعناصر الأداء كمدخل، ليس فقط للتحليل، إنّما لإثراء النقاشات والبحث المستمر حول مقدرتها الفنيّة.
وكما هو معروف ان نظريّة الأداء هي معاصرة مستحدثة ليس لها فهي نتاج أبحاث علم الإنسان في الستينيّات، والتي قامت بملاحظة تحليل طقوس وشعائر مجتمعات بعيدة عن مفهوم الحداثة،وان ام كلثوم قامت باستعارة عناصر أداء نوع من الغناء، وأسقطتها على نوع آخر بطريقة فيها شيء من الابتكار والتجديد
. ما سمح لها باستخدام قدراتها بشكل مثالي، وفتحت لنفسها مجالاً جديداً للتجريب والإبداع، اضافة الى تفاعل الجمهور معها بشكل آني وعفويّ وغير مرتبط بقواعد استماع معيّنة، بحيث تصبح ردّة الفعل ونتيجة الغناء متزامنتين مع ما تقوم به أو ما تقدّمه ويشكّل نوع الأداء، فيصبح الجمهور هو المؤلف الثاني، وتصبح التجربة الفنيّة تجربة شراكة بالأساس وليســــت تجربة مُلقي ومتلقّي.
ومن اسباب نجاحها ايضا (زمنيّة الأداء) وهي من أهم معالم تلك التجربة فقد كانت أم كلثوم تغنّي لمدة قد تصل إلى سبع أو ثمان ساعات متواصلة، معتمدة على التوافق العاطفي والإنساني مع المادة المغنّاة والجمهور. وهو الملمح الذي لازمها في أغلب حياتها الفنيّة بعد ذلك، إن لم يكن الملمح الأساسي لأسلوبها الأدائي. فالمعروف في نظرية الأداء أن الأداء الزمني المجاوز لمدة معروفة مسبقاً والذي يستمر لفترات طويلة، إنّما هو طريقة أخرى لاكتشاف جميع الاحتمالات الفنيّة الكامنة في أي مادة فنيّة
. استمرّت أم كلثوم بإنتاج أعمال فنية تلتزم بتلك القواعد غير المكتوبة حتى وصلت لدرجة من الشهرة والنضج الفني، لتتحول ببطء نحو الشكل المتعارف عليه من الغناء والأداء.
لم تخترع أم كلثوم للعالم العربي مفهوم (السلطنة ) لكنّها أعادت صياغة المفهوم وطرق استقباله من قبل الجمهور وطرق قياس مدى نجاح أي مؤدي للوصول إلى (السلطنة)، حتى تم تفريد نوع مخصوص من (السلطنة ) باسمها (سلطنة كلثوميّة) لأنها لا تندرج، لا من ناحية الأداء أو من الناحية الموسيقيّة، تحت طرق و أساليب (السلطنة )المعتادة قبلها أو في عصرها..















