السعوديون‭ ‬يشعرون‭ ‬بالحيرة‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬تغير‭ ‬‮«‬الخطوط‭ ‬الحمر‮»‬

422

الرياض-(أ‭ ‬ف‭ ‬ب)‭ ‬‭ ‬يشعر‭ ‬السعوديون‭ ‬بالحيرة‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬تغير‭ ‬«الخطوط‭ ‬الحمر»‭ ‬بشأن‭ ‬التعبير‭ ‬علنا‭ ‬عن‭ ‬الاراء‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تناقض‭ ‬رد‭ ‬السلطات‭ ‬في‭ ‬قضايا‭ ‬مشابهة‭. ‬ومثال‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬يعبر‭ ‬سعوديان‭ ‬عن‭ ‬رأيهما‭ ‬علنا،‭ ‬فيتم‭ ‬اعتقال‭ ‬احدهما،‭ ‬ويطلق‭ ‬سراح‭ ‬الآخر‭ ‬بدعوى‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭. ‬ومسائل‭ ‬الجنس‭ ‬والدين‭ ‬والسياسة‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬المحرمات‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬كجزء‭ ‬من‭ ‬مدونة‭ ‬سلوك‭ ‬اجتماعية‭ ‬غير‭ ‬مكتوبة‭ ‬لكنها‭ ‬معروفة،‭ ‬وذلك‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬البقاء‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬المشاكل‭.‬

لكن‭ ‬مع‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬السريعة‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬النفطية‭ ‬وصعود‭ ‬المد‭ ‬الوطني‭ ‬بقوة،‭ ‬فإن‭ ‬رد‭ ‬السلطات‭ ‬غير‭ ‬المتسق‭ ‬بمواجهة‭ ‬ما‭ ‬تعتبره‭ ‬انتهاكات‭ ‬يؤدي‭ ‬الى‭ ‬إرتباك‭ ‬لدى‭ ‬الراي‭ ‬العام‭ ‬الذي‭ ‬يحاول‭ ‬معرفة‭ ‬حدود‭ ‬تحركه‭.‬

وقامت‭ ‬محكمة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬جدة‭ ‬الساحلية‭ ‬هذا‭ ‬الشهر‭ ‬بتبرئة‭ ‬مواطن‭ ‬من‭ ‬تهمة‭ ‬نشر‭ ‬مقاطع‭ ‬تسيء‭ ‬للمجتمع‭ ‬عبر‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬خطوته‭ ‬كانت‭ ‬«من‭ ‬قبيل‭ ‬النقد‭ ‬وحرية‭ ‬التعبير»،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬أوردت‭ ‬وسائل‭ ‬اعلام‭ ‬سعودية‭. ‬ولقي‭ ‬هذا‭ ‬الحكم‭ ‬ترحيبا‭ ‬وأثار‭ ‬الدهشة‭ ‬في‭ ‬المملكة،‭ ‬حيث‭ ‬تعتقل‭ ‬السلطات‭ ‬منتقدين‭ ‬ونشطاء‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭. ‬وكتبت‭ ‬صحيفة‭ ‬عكاظ‭ ‬أن‭ ‬«حرية‭ ‬التعبير‭ ‬مكفولة»‭.‬

لكن،‭ ‬يبدو‭ ‬الأمر‭ ‬مختلفا‭ ‬في‭ ‬قضية‭ ‬المحاضر‭ ‬الجامعي‭ ‬أنس‭ ‬المزروع،‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬ناشطون‭ ‬حقوقيون‭ ‬أنه‭ ‬اعتقل‭ ‬الشهر‭ ‬الماضي‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أعرب‭ ‬عن‭ ‬تضامنه‭ ‬مع‭ ‬الناشطات‭ ‬السعوديات‭ ‬المعتقلات‭ ‬خلال‭ ‬ندوة‭ ‬في‭ ‬معرض‭ ‬الكتاب‭ ‬في‭ ‬الرياض‭. ‬ولم‭ ‬ترد‭ ‬وزارة‭ ‬الاعلام‭ ‬على‭ ‬استفسار‭ ‬لوكالة‭ ‬فرانس‭ ‬برس‭ ‬حول‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭. ‬وهناك‭ ‬تناقضات‭ ‬مشابهة‭ ‬في‭ ‬أمور‭ ‬اخرى‭ ‬أيضا‭. ‬في‭ ‬شباط/فبراير‭ ‬الماضي،‭ ‬استدعت‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭ ‬فنانا‭ ‬كوميديا‭ ‬واجبرته‭ ‬على‭ ‬الاعتذار‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬سخر‭ ‬من‭ ‬هيئة‭ ‬الأمر‭ ‬بالمعروف‭ ‬والنهي‭ ‬عن‭ ‬المنكر،‭ ‬الشرطة‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬التي‭ ‬تقلصت‭ ‬صلاحياتها‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭.‬

ولكن‭ ‬يقول‭ ‬مراقبون‭ ‬أن‭ ‬فنانين‭ ‬كوميديين‭ ‬اخرين‭ ‬سخروا‭ ‬من‭ ‬الهيئة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬يذكر‭.‬

‭-‬بين‭ ‬التشدد‭ ‬والمرونة‭-‬

وأغلقت‭ ‬السلطات‭ ‬مقهى‭ ‬في‭ ‬جدة‭ ‬مؤخرا‭ ‬بسبب‭ ‬الاختلاط‭ ‬بين‭ ‬الجنسين‭.‬

وقد‭ ‬اثار‭ ‬ذلك‭ ‬حيرة‭ ‬المسؤولين‭ ‬عن‭ ‬أماكن‭ ‬أخرى،‭ ‬مع‭ ‬السماح‭ ‬للجنسين‭ ‬بالاختلاط‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭. ‬كما‭ ‬اعتقلت‭ ‬السلطات‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬موظفا‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬الفنادق‭ ‬بعد‭ ‬ظهوره‭ ‬في‭ ‬شري‭ ‬طفيديو‭ ‬وهو‭ ‬يتناول‭ ‬الفطور‭ ‬مع‭ ‬زميلته‭.‬

وكتب‭ ‬نوح‭ ‬الغامدي‭ ‬في‭ ‬تغريدة‭ ‬على‭ ‬تويتر»النظام‭ ‬عندنا‭ ‬متناقض»‭ ‬مؤكدا‭ ‬«من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬تقوم‭ ‬بأمر‭ ‬عفوي‭ ‬ولا‭ ‬يعجب‭ ‬توجهات‭ ‬مسؤول‭ ‬معين‭ ‬ويبطش‭ ‬بك»‭. ‬ونشر‭ ‬فنان‭ ‬الكاريكاتور‭ ‬السعودي‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬جابر‭ ‬في‭ ‬أيلول/سبتمبر‭ ‬الماضي‭ ‬رسما‭ ‬حول‭ ‬الخط‭ ‬الأحمر‭ ‬يظهر‭ ‬فيه‭ ‬سعودي‭ ‬يشعر‭ ‬بالارتباك‭ ‬وهو‭ ‬عالق‭ ‬وسط‭ ‬أحجية‭ ‬من‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمر‭ ‬بينما‭ ‬يستجوبه‭ ‬مسؤول‭. ‬وأثارت‭ ‬هذه‭ ‬التناقضات‭ ‬أسئلة‭ ‬كثيرة‭ ‬عن‭ ‬السلوك‭ ‬المقبول‭ ‬اجتماعيا‭ ‬مع‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الإصلاحات‭. ‬وتحاول‭ ‬السعودية‭ ‬منذ‭ ‬تسلّم‭ ‬الأمير‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬منصب‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬في‭ ‬2017،‭ ‬تقديم‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬انفتاحا‭ ‬وتحررا‭. ‬وقد‭ ‬أجرت‭ ‬المملكة‭ ‬تغييرات‭ ‬اجتماعية‭ ‬مهمة‭ ‬وإصلاحات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬أبرزها‭ ‬السماح‭ ‬للمرأة‭ ‬بقيادة‭ ‬السيارة‭ ‬وإعادة‭ ‬فتح‭ ‬دور‭ ‬السينما‭. ‬يحذر‭ ‬مسؤولون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬الاصلاحات‭ ‬في‭ ‬مجتمع‭ ‬تغلب‭ ‬عليه‭ ‬النزعة‭ ‬المحافظة‭ ‬أمر‭ ‬محفوف‭ ‬بالمخاطر‭ ‬خصوصا‭ ‬مع‭ ‬تطلعات‭ ‬الشبان‭ ‬وتزايد‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭. ‬من‭ ‬جهته،‭ ‬يقول‭ ‬علي‭ ‬الشهابي‭ ‬مؤسس‭ ‬«معهد‭ ‬الجزيرة‭ ‬العربية»‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬القريب‭ ‬من‭ ‬الرياض‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬أن‭ ‬«الاستراتيجية‭ ‬السعودية‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬التشدد‭ ‬والمرونة»‭. ‬ويعتمد‭ ‬رد‭ ‬السلطات‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬كما‭ ‬يرى‭ ‬مراقبون‭. ‬وبحسب‭ ‬الشهابي‭ ‬فإنه‭ ‬«يتم‭ ‬مواصلة‭ ‬رفع‭ ‬السقف‭ ‬مع‭ ‬رصد‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬من‭ ‬الناس،‭ ‬والتصرف‭ ‬وفقا‭ ‬لذلك»‭. ‬ويضيف‭ ‬الشهابي‭ ‬أن‭ ‬«ردود‭ ‬فعل‭ ‬الناس‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬مؤثرة،‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون،‭ ‬وهذا‭ ‬يظهر‭ ‬أن‭ ‬الحكومة‭ ‬تمضي‭ ‬قدما‭ ‬مع‭ ‬التعامل‭ ‬بحذر‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته»‭.‬

‭- ‬منطقة‭ ‬رمادية‭-‬

وكتبت‭ ‬الباحثتان‭ ‬ايمان‭ ‬الحسين‭ ‬وسارة‭ ‬المحمدي‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬لمعهد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬«الحكومة‭ ‬السعودية‭ ‬قطعت‭ ‬شوطا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬المضي‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬الإصلاح‭ ‬الاجتماعي»‭. ‬لكنهما‭ ‬حذرتا‭ ‬أنه‭ ‬«دون‭ ‬تحديد‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬مقبول،‭ ‬فإن‭ ‬المنطقة‭ ‬الرمادية‭ ‬قد‭ ‬تتوسع‭ ‬بشكل‭ ‬أكبر‭ ‬وقد‭ ‬تعرض‭ ‬الاصلاحات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬للخطر»‭. ‬وتبدو‭ ‬حملة‭ ‬القمع‭ ‬ضد‭ ‬ناشطات‭ ‬وسط‭ ‬حملة‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بها‭ ‬السلطات،‭ ‬أمرا‭ ‬يثير‭ ‬الحيرة‭. ‬ويشعر‭ ‬كثيرون‭ ‬بالخوف‭ ‬بعد‭ ‬حملات‭ ‬القمع‭ ‬التي‭ ‬طالت‭ ‬نشطاء‭ ‬بارزين،‭ ‬خصوصا‭ ‬مع‭ ‬توجه‭ ‬السعوديين‭ ‬إلى‭ ‬التشدد‭ ‬وطنيا‭.‬

وكان‭ ‬عضو‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى‭ ‬عبد‭ ‬الله‭ ‬الفوزان‭ ‬قال‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬أن‭ ‬السعوديين‭ ‬لديهم‭ ‬حق‭ ‬في‭ ‬وصف‭ ‬أحدهم‭ ‬ب‭ ‬«الخائن»‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬فشله‭ ‬في‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬بلاده‭ ‬أو‭ ‬اختياره‭ ‬الصمت‭.‬

ودفع‭ ‬الخوف‭ ‬والارتباك‭ ‬بشأن‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمر‭ ‬بالعديد‭ ‬من‭ ‬النشطاء‭ ‬الليبراليين‭ ‬إلى‭ ‬اغلاق‭ ‬حساباتهم‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬تويتر‭.‬

وتواجه‭ ‬بعض‭ ‬الناشطات‭ ‬المعتقلات‭ ‬تهما‭ ‬تتعلق‭ ‬بالحديث‭ ‬مع‭ ‬وسائل‭ ‬الاعلام‭ ‬الأجنبية،‭ ‬ما‭ ‬عزز‭ ‬المخاوف‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬إلى‭ ‬المراسلين‭ ‬الأجانب‭ ‬المعتمدين‭.‬

وقالت‭ ‬كريستين‭ ‬ديوان‭ ‬من‭ ‬معهد‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬«قد‭ ‬يأتي‭ ‬بنتائج‭ ‬عكسية»‭.‬

وأضافت‭ ‬«هناك‭ ‬خطر‭ ‬في‭ ‬إثارة‭ ‬الشكوك‭ ‬حيال‭ ‬الأجانب‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الذي‭ ‬تسعى‭ ‬فيه‭ ‬السعودية‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬البلاد‭ ‬أمام‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الأجنبية‭ ‬والسياحية»‭.‬

مشاركة