السرقات في لبنان إلى ارتفاع مذهل وتطال حليب الأطفال

327

بيروت‭, ‬15‭-‬7‭-‬2020‭ (‬أ‭ ‬ف‭ ‬ب‭) – ‬أثناء‭ ‬تجوله‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬مظلم،‭ ‬اعترض‭ ‬سائق‭ ‬دراجة‭ ‬نارية‭ ‬زكريا‭ ‬وشهر‭ ‬سكيناً‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬طالباً‭ ‬منه‭ ‬المال‭ ‬أو‭ ‬مرافقته‭ ‬لشراء‭ ‬طعام‭ ‬لأطفاله،‭ ‬في‭ ‬حادثة‭ ‬تتكرر‭ ‬مؤخراً‭ ‬مع‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬السرقات‭ ‬وأشكالها‭ ‬على‭ ‬وقع‭ ‬انهيار‭ ‬اقتصادي‭ ‬متماد‭ ‬في‭ ‬لبنان‭. ‬وتؤكد‭ ‬احصاءات‭ ‬قوى‭ ‬الأمن‭ ‬الداخلي‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬الجرائم‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬خصوصاً‭ ‬القتل‭ ‬والسرقة‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬2020‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية‭. ‬وتربط‭ ‬ذلك‭ ‬بتدهور‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدلات‭ ‬الفقر‭ ‬والبطالة‭. ‬يستعيد‭ ‬زكريا‭ ‬العمر‭ (‬37‭ ‬عاماً‭) ‬تفاصيل‭ ‬ليلة‭ ‬الخامس‭ ‬من‭ ‬تموز‭/‬يوليو،‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يسير‭ ‬ليلاً‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬مظلم‭ ‬في‭ ‬محلة‭ ‬الحمرا‭.‬

ويوضح‭ ‬أن‭ ‬الشارع‭ ‬كان‭ ‬خالياً‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬بضعة‭ ‬سيارات،‭ ‬حين‭ ‬توقفت‭ ‬دراجة‭ ‬نارية‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقترب‭ ‬منه‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬الخلف‭ ‬موجهاً‭ ‬السكين‭ ‬نحوه،‭ ‬مردداً‭: “‬لا‭ ‬تقل‭ ‬أي‭ ‬كلمة،‭ ‬لست‭ ‬هنا‭ ‬لأؤذيك،‭ ‬أريد‭ ‬منك‭ ‬أن‭ ‬تعطيني‭ ‬النقود‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬تأتي‭ ‬معي‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬محل‭ ‬لتشتري‭ ‬لي‭ ‬بعض‭ ‬الأغراض،‭ ‬تركت‭ ‬أولادي‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬يبكون‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬طعام‭”.‬

بتوتر‭ ‬شديد،‭ ‬أخرج‭ ‬زكريا‭ ‬نقوداً‭ ‬من‭ ‬محفظته‭ ‬وأعطاها‭ ‬للرجل‭ ‬الأربعيني‭ ‬الذي‭ ‬ركض‭ ‬باتجاه‭ ‬دراجته،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتوقف‭ ‬ويعود‭ ‬باتجاه‭ ‬زكريا‭ ‬الذي‭ ‬تسمّر‭ ‬في‭ ‬مكانه‭ ‬خوفاً‭.  ‬ويروي‭ ‬زكريا‭ “‬خفت‭ ‬كثيراً‭ ‬حين‭ ‬رأيته‭ ‬يعود‭ ‬نحوي،‭ ‬لكنه‭ ‬بدأ‭ ‬بالبكاء‭ ‬والاعتذار‭ ‬مني،‭ ‬وأراد‭ ‬أن‭ ‬يعيد‭ ‬لي‭ ‬النقود‭. ‬قال‭ ‬لي‭ +‬أنا‭ ‬لست‭ ‬بسارق،‭ ‬لكنني‭ ‬جائع‭ ‬وأولادي‭ ‬أيضاً‭ ‬جياع‭+”.‬

ويوضح‭ ‬أنه‭ ‬بعدما‭ ‬رفض‭ ‬زكريا‭ ‬استعادة‭ ‬نقوده‭ ‬من‭ ‬الرجل،‭ ‬الذي‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬فقد‭ ‬عمله‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬يقوى‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬دفع‭ ‬الإيجار،‭ “‬قلت‭ ‬له‭ ‬إنني‭ ‬أسامحه،‭ ‬ثم‭ ‬غادر‭”.‬

ويقول‭ ‬زكريا‭ “‬خفت‭ ‬كثيراً،‭ ‬كان‭ ‬الموقف‭ ‬صعباً‭ ‬اختلط‭ ‬فيه‭ ‬شعور‭ ‬الرعب‭ ‬بالحزن‭ ‬على‭ ‬رجل‭ ‬ينهار‭ ‬أمام‭ ‬عينيّ‭”.‬

ويشير‭ ‬مصدر‭ ‬أمني‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ ‬إلى‭ “‬نوع‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬السلب‭ ‬يستهدف‭ ‬حليب‭ ‬الأطفال‭ ‬والطعام‭ ‬والأدوية‭”‬،‭ ‬كاشفاً‭ ‬عن‭ ‬أنّ‭ “‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ضحية‭ ‬كشفوا‭ ‬في‭ ‬إفاداتهم‭ ‬عن‭ ‬اعتذار‭ ‬المشتبه‭ ‬فيهم‭ ‬منهم‭ ‬أثناء‭ ‬سرقتهم‭”.‬

وعلى‭ ‬وقع‭ ‬الانهيار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الأسوأ‭ ‬في‭ ‬تاريخ‭ ‬لبنان‭ ‬الحديث،‭ ‬خسر‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬وظائفهم‭ ‬أو‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬رواتبهم‭. ‬وبات‭ ‬نصف‭ ‬اللبنانيين‭ ‬تقريباً‭ ‬يعيشون‭ ‬تحت‭ ‬خط‭ ‬الفقر،‭ ‬ولامس‭ ‬معدل‭ ‬البطالة‭ ‬35‭ ‬في‭ ‬المئة‭.‬

ولم‭ ‬توفر‭ ‬تداعيات‭ ‬الانهيار‭ ‬أي‭ ‬طبقة‭ ‬اجتماعية،‭ ‬خصوصاً‭ ‬مع‭ ‬خسارة‭ ‬الليرة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ثمانين‭ ‬في‭ ‬المئة‭ ‬من‭ ‬قيمتها‭ ‬أمام‭ ‬الدولار،‭ ‬ما‭ ‬تسبب‭ ‬بتآكل‭ ‬القدرة‭ ‬الشرائية‭ ‬للمواطنين‭.‬

وانطلاقاً‭ ‬من‭ ‬كون‭ ‬لبنان‭ ‬بلداً‭ ‬يعتمد‭ ‬على‭ ‬الاستيراد‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير،‭ ‬بالدولار،‭ ‬فقد‭ ‬ارتفعت‭ ‬أسعار‭ ‬السلع‭ ‬بشكل‭ ‬جنوني‭ ‬خصوصاً‭ ‬الحليب‭ ‬وحفاضات‭ ‬الأطفال‭. ‬وبات‭ ‬كثر‭ ‬عاجزين‭ ‬عن‭ ‬ملء‭ ‬براداتهم‭. ‬وتقايض‭ ‬أمهات‭ ‬على‭ ‬مواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ثيابهن‭ ‬أو‭ ‬مقتنيات‭ ‬منازلهن‭ ‬بحليب‭ ‬وحفاضات‭.‬

وارتفع‭ ‬سعر‭ ‬أرخص‭ ‬كيس‭ ‬حفاضات‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬ألف‭ ‬ليرة‭ ‬إلى‭ ‬34‭ ‬ألفا،‭ ‬وفق‭ ‬صاحبة‭ ‬إحدى‭ ‬الصيدليات‭. ‬كما‭ ‬ارتفع‭ ‬سعر‭ ‬حليب‭ ‬الأطفال‭ ‬ممن‭ ‬يتخطى‭ ‬عمرهم‭ ‬العام‭ ‬الواحد،‭ ‬وبلغ‭ ‬سعر‭ ‬أحد‭ ‬الأصناف‭ ‬35‭ ‬ألفاً‭ ‬مقارنة‭ ‬بـ23‭ ‬ألفاً،‭ ‬وارتفع‭ ‬سعر‭ ‬صنف‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬ألفاً‭ ‬إلى‭ ‬45‭ ‬ألف‭ ‬ليرة‭.‬

‭- “‬أخذوا‭ ‬عامين‭ ‬من‭ ‬العمل‭” -‬

وأحصت‭ ‬قوى‭ ‬الأمن‭ ‬ارتفاع‭ ‬معدل‭ ‬السرقات‭ ‬الموصوفة‭ ‬بواسطة‭ ‬الكسر‭ ‬والخلع‭ ‬لمنازل‭ ‬ومحالّ‭ ‬وصيدليات،‭ ‬إذ‭ ‬بلغت‭ ‬863‭ ‬عملية،‭ (‬معدل‭ ‬وسطي‭ ‬173‭ ‬شهرياً‭) ‬مقابل‭ ‬650‭ ‬العام‭ ‬الماضي‭ ‬بأكمله‭.‬

وأظهر‭ ‬شريط‭ ‬فيديو‭ ‬التقطته‭ ‬كاميرا‭ ‬مراقبة،‭ ‬وتداوله‭ ‬مستخدمون‭ ‬لمواقع‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬لبنان،‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشخاص‭ ‬يسيرون‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬وهم‭ ‬ينقلون‭ ‬خزنة‭ ‬كبيرة‭ ‬سرقوها‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬مطاعم‭ ‬بيروت‭ ‬بعد‭ ‬منتصف‭ ‬الليل‭.‬

ويقول‭ ‬صاحب‭ ‬المطعم‭ ‬وليد‭ ‬عطايا‭ ‬لفرانس‭ ‬برس‭ “‬خلعوا‭ ‬الباب‭ ‬وبقوا‭ ‬لساعة‭ ‬ونصف‭ ‬الساعة‭ ‬في‭ ‬المطعم،‭ ‬أخدوا‭ ‬الأموال‭ ‬من‭ ‬الصندوق‭ ‬وحتى‭ ‬العملات‭ ‬المعدنية،‭ ‬ثم‭ ‬بحثوا‭ ‬جيداً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وجدوا‭ ‬الخزنة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يتمكنوا‭ ‬من‭ ‬فتحها‭”.‬

وبعدما‭ ‬فشلوا‭ ‬في‭ ‬فتحها،‭ ‬أقدموا‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬الخزنة‭ ‬من‭ ‬الجدار‭ ‬وذهبوا‭ ‬بها‭.‬

ولم‭ ‬يفصح‭ ‬عطايا‭ ‬عن‭ ‬المبلغ‭ ‬الذي‭ ‬تمت‭ ‬سرقته،‭ ‬لكنه‭ ‬يقول‭ “‬أخذوا‭ ‬عامين‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬معهم‭”.‬

ويوضح‭ “‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أضع‭ ‬النقود‭ ‬في‭ ‬المصارف،‭ ‬وأخاف‭ ‬أن‭ ‬أضعها‭ ‬في‭ ‬المنزل‭”‬،‭ ‬فكانت‭ ‬النتيجة‭ ‬خسارتها‭.‬

خلال‭ ‬الأشهر‭ ‬الماضية‭ ‬التي‭ ‬شهدت‭ ‬شحاً‭ ‬في‭ ‬السيولة،‭ ‬ونتيجة‭ ‬تشديد‭ ‬المصارف‭ ‬القيود‭ ‬على‭ ‬العمليات‭ ‬النقدية‭ ‬وسحب‭ ‬الأموال‭ ‬خصوصاً‭ ‬بالدولار،‭ ‬بات‭ ‬كثر‭ ‬يعمدون‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬نقودهم‭ ‬في‭ ‬منازلهم‭. ‬وفضل‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬يشتري‭ ‬بها‭ ‬عقارات‭ ‬أو‭ ‬سيارات‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬تركها‭ ‬في‭ ‬المنازل‭ ‬عرضة‭ ‬للسرقة‭.‬

وارتفعت‭ ‬كذلك‭ ‬سرقة‭ ‬السيارات،‭ ‬إذا‭ ‬سُرقت‭ ‬303‭ ‬سيارة‭ ‬العام‭ ‬الحالي‭ ‬مقارنة‭ ‬مع‭ ‬273‭ ‬سيارة‭ ‬خلال‭ ‬النصف‭ ‬الثاني‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬2019‭ ‬وفق‭ ‬احصاءات‭ ‬قوى‭ ‬الأمن‭ ‬الداخلي‭.‬

ويوضح‭ ‬المصدر‭ ‬الأمني‭ “‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصل‭ ‬نوعية‭ ‬الجرائم‭ ‬وطبيعتها‭ ‬عن‭ ‬تردّي‭ ‬الوضع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وارتفاع‭ ‬معدّلات‭ ‬البطالة‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬بين‭ ‬الشباب‭”.‬

مشاركة