السرجخانة في الموصل

919

السرجخانة في الموصل

محلة التسوّق النسائي ومعالم التاريخ

 

 ابراهيم خليل العلاف

وانا اكتب عن بيت نعمان جلبي الدباغ التاريخي والاثري الذي يعود في بنائه الى اوائل القرن التاسع عشر ، ومساحته حوالي 500 متر مربع في محلة السرجخانة تبادر الى ذهني أنني ما كتبتُ عن هذه المحلة ، ولا سوقها الشهير ،  ولا مساجدها ، ولا جوامعها ، ولا معالمها المهمة البارزة ، ولا ما تعرضت اليه من تدمير خلال سيطرة عناصر داعش على الموصل 2014-2017 ومعركة تحريرها منهم .

ومحلة السرجخانة ، من محلات أقصد أحياء مدينة الموصل القديمة ، وكانت تقع ضمن السور ، فهي في المدينة القديمة ، وعمرها يصل الى 7000 سنة ، وكلمة السرجخانة كلمة تركية تعني ( محل السراجة ) ؛ فخانة لاحقة تركية تعني باللغة العربية ( محل) . والسرجخانة ابتدأت محلة تشتهر بعمل سروج الخيول ، وانتهت بعد فتح شارع نينوى مع بداية الحرب العظمى 1914-1915 وفي زمن والي الموصل المتنور سليمان بك نظيف ، وكان اديبا وكاتبا وشاعرا ، مكانا تُباع فيه الملابس وخاصة النسائية وما تحتاجه المرأة من مستلزمات العطور ،  والميكياج ، والحقائب والاحذية وما شاكل  وهناك الان من يقول ان سوق السرجخانة سوق ترتاده النساء اكثر مما يرتاده الرجال مع ان في الشارع مقاه ومنها (مقهى الشرق) ، وصيدليات ومنها صيدلية السراج ،  وصيدلية العلاف  ، وعيادات للأطباء اتذكر منها عيادات الدكتورة سيرانوش الريحاني ، والدكتور عبد الله سرسم ، ومن قبلهما عيادة الدكتور داؤد الجلبي والدكتور يحيى نزهت .

ومحلة السرجخانة ، تتداخل مع محلات عديدة منها محلة حوش الخان ، ومحلة الجامع النوري الكبير ، ومحلة القطانين ، ومحلة الاوس (الجولاق) ، ومحلة السوق الصغير لذلك سوف اركز فقط على محلة وسوق السرجخانة بحدودها المعروفة للناس .

وفي محلة السرجخانة  ، محلات للخياطة .  وفيها خياطة العبايجي للنساء كما ان في السرجخانة ، وكالات لماكنات الخياطة ومنها ماكنة خياطة سنجر فضلا عن محلات كبيرة للملابس ، وما تحتاجه النساء منها محل اي بي سي  ABC ومحل نايف بهنو للأحذية ،  ودكاكين كثيرة لبيع مستلزمات المرأة .

زقاق الحصن

في محلة السرجخانة ، جامع زينب خاتون  وكان يسمى  ايضا (جامع زقاق الحصن ) ، وهذا الجامع عمرته زينب خاتون احدى النساء الجليليات قبل اكثر من 250  سنة، وهُدم خلال حرب تحرير الموصل من سيطرة عناصر داعش ،  وأعادت إعماره إمرأة موصلية محسنة  فاضلة  رفضت ذكر اسمها ، وافتتح يوم 15 تموز 2019 بارك الله بجهودها وجهود من أنابته عنها لحضور الافتتاح .

وليس جامع ( زينب خاتون ) ، هو الجامع الوحيد في محلة السرجخانة فهناك بضعة جوامع ومساجد منها (مسجد شيخ السبعة ) ويسمى ايضا مسجد حمام السراي ، وهناك (مسجد دندل ) وهو (مسجد السيد محمد اخو السيد عبد الله ) وهناك (جامع النعمانية) في قنطرة القطانين ، وهناك في السرجخانة (مقام الست نفيسة ) .كما ان هناك (مدرسة يحيى باشا الدينية ) .

من الجميل ان الباحث التراثي الكبير الاستاذ بهنام  سليم حبابة ،  أمد الله بعمره ومتعه بالعافية ، كتب عن شارع نينوى وصال وجال فيه ، ووقف عند محلة السرجخانة ؛ فذكر  محل باتا للأحذية ، وفوقه عيادة الدكتور (ناظم النكدي) طبيب المعارف ، ثم الدكتور عبدالهادي القاعاتي طبيب العيون وكلاهما من سوريا ، ومحل سنجر لمكائن الخياطة، أما العمارة ؛ فهي تعود  للصيدلي عبو الحكيم. وقال لو  سرنا قليلا  فإذا  نحن قبالة عيادة الدكتور (داؤد الجلبي) وذكرت لصاحبي أن هذا الطبيب هو من أعلام الموصل  ومن سدنة تراثها وهو صاحب المؤلفات الشهيرة ومنها كتابه الشهير (مخطوطات الموصل) وهو يتقن لغات عديدة وله مؤلفات كثيرة (توفي  سنة 1960)  وبعد قليل كنا أمام مدخل السراجخانة حيث تباع الأقمشة المختلفة للنساء، وفي المدخل ذاك (بيت شكر) ، وهم تجار مسيحيون كانوا من أغنياء ذلك الزمان. أما اذا  تجاوزنا السرجخانة فهذا أمامنا بيت (خاتون خوقة) القديم يسكنه بعض القادمين من القرى إلى الموصل للارتزاق بعمل الخبز والبقلاوة وبجانبه  بيت (مجيد دبدوب).. ..والطريق بعده الى مدخل الجامع الكبير وها هي منارة الحدباء الشهيرة، نحن الآن في محلة جامع الكبير، تلك عيادة الدكتور (عبد الستار الحبال) وتقابلها دار الدكتور (رؤوف عبو اليونان)  ، وهي جميلة الطراز بشرفاتها الخشبية الهرمية ، وبجانبها كانت بائعة الأقمشة المدعوة (مريم امرأة بولس) كان ذلك نحو سنة   1940 دكاكين الأقمشة ، فمنها لليهود وللمسيحيين والمسلمين .. والكل رزقهم على الله”  . سنون طويلة

الان هناك جهة اخرى لسوق السرجخانة باتجاه خان ومحلة القطانين وباب لكش ولكن هذه الجهة لم تكن قبل سنين طويلة جزءا من محلة السرجخانة والتي هي بالآصل محلة سكنية  سكنتها اسر موصلية عريقة لكن فتح شارع نينوى قبل اكثر من 100 سنة اضطر الكثيرين الى تحويل دورهم الى دكاكين ومحلات تجارية وعيادات للأطباء كما هو جار في بعض مناطق الموصل السكنية ومنها مثلا محلة الزهور ومحلة حي النور في الجانب الايسر من الموصل . ومن بيوتات محلة السرجخانة (ال اللاوند)  و( ال الحافظ ) و(ال حسين العباس)  و(الحمطاني ) و(ال حمو النيش) و( آل الخطيب) و( ال الدباغ) و(آل دبدوب)  ومنهم الفنان التشكيلي الكبير الاستاذ راكان دبدوب ، و(آل الدملوجي) ، و( آل رحو) و ( آل زين العابدين) و(آل طرية ) و(آل القدو ) ومنهم الفنان التشكيلي المرحوم الاستاذ ضرار محمود القدو 1935-1998 و(آل المحروق) ، ومنهم الشاعر الكبير المرحوم الاستاذ محمود المحروق 1931-1993 و(آل النائب) ومنهم الدكتور ابراهيم بشير النائب الاستاذ في كلية طب الموصل ، و( آل اليامور ) ومنهم الاستاذ الدكتور خالد يونس اليامور عميد كلية العلوم السابق  وآخرين .

ومن الطريف ان اذكر ان محلة وسوق السرجخانة اليوم وعند كتابة هذه السطور يتوسطه نصب جميل لعامل النظافة انجزته بلدية الموصل  بعد تحرير الموصل من سيطرة عناصر داعش 2017 وهو نصب جميل يدل على تقدير من يقوم بهذه المهمة واعتزازا بمساهمته في اعادة اعمار الموصل .

{ استاذ التاريخ الحديث المتمرس – جامعة الموصل

مشاركة