السحر‭ ‬الأسود – نواف شاذل طاقة

599

كانت‭ ‬الهند‭ ‬ذات‭ ‬الحضارة‭ ‬العريقة‭ ‬والتقاليد‭ ‬الغريبة‭ ‬اول‭ ‬محطة‭ ‬عمل‭ ‬لي‭ ‬في‭ ‬سلك‭ ‬الخدمة‭ ‬الخارجية‭ ‬العراقي‭. ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬تطأ‭ ‬قدماي‭ ‬ارضها،‭ ‬ظننت‭ ‬أنني‭ ‬ذاهب‭ ‬الى‭ ‬دولة‭ ‬عظمى‭ ‬لكنني‭ ‬فوجئت‭  ‬يوم‭ ‬وصولي‭ ‬الى‭ ‬مطار‭ ‬نيودلهي‭ ‬عصر‭ ‬احد‭ ‬ايّام‭ ‬صيف‭ ‬عام‭ ‬1981‭ ‬برؤية‭ ‬القرود‭ ‬على‭ ‬اسطح‭ ‬مباني‭ ‬المطار،‭ ‬وبمظاهر‭  ‬الفقر‭ ‬المدقع‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭. ‬في‭ ‬طريقي‭ ‬من‭ ‬المطار‭ ‬الى‭ ‬الفندق‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬الغائم،‭ ‬شعرت‭ ‬بالوحشة‭ ‬وانا‭ ‬اشاهد‭ ‬شوارع‭ ‬مقفرة‭ ‬خالية‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬والسيارات،‭ ‬لكنها‭ ‬تكتظ‭ ‬بالعجلات‭ ‬الهوائية‭ ‬ومركبات‭ ‬(التوكتوك)‭. ‬وضعت‭ ‬حقائبي‭ ‬في‭ ‬الغرفة‭ ‬ثم‭ ‬نزلت‭ ‬أتجول‭ ‬في‭ ‬أنحاء‭ ‬الفندق‭ ‬الضخم‭ ‬بمقاهيه‭ ‬ومطاعمه‭ ‬وحدائقه‭. ‬جلست‭ ‬في‭ ‬بهو‭ ‬الفندق‭ ‬أراقب‭ ‬الناس‭ ‬بفضول‭ ‬كبير،‭ ‬بملابسهم‭ ‬المحلية‭ ‬الغريبة،‭ ‬وسحنتهم‭ ‬المميزة،‭ ‬وطريقة‭ ‬تبادلهم‭ ‬التحية،‭ ‬وكلامهم‭. ‬غير‭ ‬ان‭ ‬ما‭ ‬اثار‭ ‬فضولي‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الاول‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الفندق‭ ‬الموحش‭ ‬هو‭ ‬رؤيتي‭ ‬لرجل‭ ‬يسير‭ ‬بتؤدة‭ ‬مرتدياً‭ ‬زياً‭ ‬هندياً‭ ‬من‭ ‬الحرير‭ ‬الأبيض‭ ‬وهو‭ ‬يدخل‭ ‬الى‭ ‬مكتب‭ ‬صغير‭ ‬يقع‭ ‬في‭ ‬زاوية‭ ‬عند‭ ‬نهاية‭ ‬البهو‭. ‬تكررت‭ ‬رؤيتي‭ ‬لهذا‭ ‬الرجل‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬فدفعني‭ ‬الفضول‭ ‬الى‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬سره،‭ ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬عرفت‭ ‬انه‭ ‬قارئ‭ ‬كف‭ ‬يمتلك‭ ‬مكتباً‭ ‬صغيراً‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الفندق،‭ ‬وقد‭ ‬كتب‭ ‬على‭ ‬بابه‭ ‬أن‭ ‬أجرة‭ ‬قراءة‭ ‬الكف‭ ‬عشرة‭ ‬دولارات،‭ ‬وهو‭ ‬مبلغ‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬مقاييس‭ ‬ذلك‭ ‬الزمن‭. ‬كانت‭ ‬رؤية‭ ‬مكتب‭ ‬قارئ‭ ‬كف‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬فاخر‭ ‬قد‭ ‬اثارت‭ ‬دهشتي‭ ‬لكني‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬علمت‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬وجيزة‭ ‬من‭ ‬اقامتي‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ ‬الهندية‭ ‬ان‭ ‬المدينة‭ ‬تكتظ‭ ‬بأمثاله،‭ ‬وان‭ ‬قراء‭ ‬كف‭ ‬آخرين‭ ‬بمثل‭ ‬مستواه‭ ‬لا‭ ‬يتقاضون‭ ‬من‭ ‬زبائنهم‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬ما‭ ‬يتقاضاه‭ ‬صاحبنا‭. ‬هكذا‭ ‬تعرفت‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬التي‭ ‬شاهدتها‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬منتشرة‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬آسيوية‭ ‬عديدة‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬نيويورك‭. ‬كان‭ ‬العراقيون‭ ‬والعرب‭ ‬بل‭ ‬حتى‭ ‬الغربيين‭ ‬مولعين‭ ‬بزيارة‭ ‬قراء‭ ‬الكف‭ ‬للتعرف‭ ‬على‭ ‬مستقبلهم،‭ ‬ولا‭ ‬اكتم‭ ‬سراً‭ ‬بأني‭ ‬كنت‭ ‬أرافق‭ ‬بعض‭ ‬أصدقائي‭ ‬لزيارة‭ ‬هؤلاء‭ ‬بمتعة‭ ‬كبيرة،‭ ‬وصرت‭ ‬بمرور‭ ‬الوقت‭ ‬اعرف‭ ‬من‭ ‬هو‭ ‬اكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬قراءة‭ ‬الطالع‭ ‬من‭ ‬سواه،‭ ‬واستمتع‭ ‬بما‭ ‬كان‭ ‬العرافون‭ ‬يروون‭ ‬لزبائنهم‭ ‬من‭ ‬تنبؤات‭ ‬ترسم‭ ‬لهم‭ ‬صوراً‭ ‬وردية‭ ‬لمستقبل‭ ‬زاهر‭ ‬لم‭ ‬ينتظر‭ ‬أحداً‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬اغلب‭ ‬الأحيان‭. ‬قيل‭ ‬لي‭ ‬إن‭ ‬لكل‭ ‬هندي‭ ‬ثمة‭ ‬عرافاً‭ ‬يستشيره‭ ‬بكل‭ ‬صغيرة‭ ‬وكبيرة،‭ ‬ولا‭ ‬يخطو‭ ‬خطوة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬موافقته‭. ‬وعندما‭ ‬كُلفت‭ ‬يوما‭ ‬بمهمة‭ ‬رسمية‭ ‬للذهاب‭ ‬الى‭ ‬احدى‭ ‬الولايات‭ ‬الهندية‭ ‬بالطائرة،‭ ‬علمت‭ ‬ان‭ ‬الحجز‭  ‬لرحلتي‭ ‬غير‭ ‬مؤكد‭ ‬وان‭ ‬اكثر‭ ‬من‭ ‬60‭ ‬راكباً‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬انتظار‭ ‬المسافرين‭ ‬ينتظرون‭ ‬دورهم‭ ‬وكنت‭ ‬آخرهم؛‭ ‬قلت‭ ‬للموظف‭ ‬الهندي‭ ‬إن‭ ‬لا‭ ‬طائل‭ ‬من‭ ‬ذهابي‭ ‬للمطار‭ ‬ففرصتي‭ ‬في‭ ‬السفر‭ ‬شبه‭ ‬معدومة‭. ‬ابتسم‭ ‬الموظف‭ ‬وقال‭ ‬لي‭ ‬بكل‭ ‬ثقة‭ ‬وهدوء:‭ ‬على‭ ‬العكس‭ ‬فان‭ ‬مقعدك‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬تلك‭ ‬الطائرة‭ ‬شبه‭ ‬مؤكد،‭ ‬وقد‭ ‬صدق‭. ‬فهمت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬المسافر‭ ‬الهندي‭ ‬لا‭ ‬يجتاز‭ ‬باب‭ ‬الطائرة‭ ‬قبل‭ ‬ان‭ ‬يستشير‭ ‬عرافه‭ ‬الخاص‭ ‬الذي‭ ‬بدوره‭ ‬يقرر‭ ‬مصير‭ ‬سفره‭ ‬ولهذا‭ ‬السبب‭ ‬تعودت‭ ‬شركات‭ ‬الطيران‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬على‭ ‬اعداد‭ ‬قوائم‭ ‬طويلة‭ ‬بأسماء‭ ‬المسافرين‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬الانتظار‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬الطائرات‭ ‬غالبا‭ ‬ما‭ ‬تنطلق‭ ‬بمقاعد‭ ‬شاغرة‭. ‬بيد‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬اغرب‭ ‬ما‭ ‬كنت‭ ‬اسمعه‭ ‬من‭ ‬أصدقائي‭ ‬الهنود‭ ‬المهووسين‭ ‬بقراءة‭ ‬الطالع،‭ ‬هو‭ ‬السحر‭ ‬الأسود‭ ‬الذي‭ ‬يتحدثون‭ ‬عنه‭ ‬بخوف‭ ‬ورهبة‭. ‬قالت‭ ‬لي‭ ‬يوماً‭ ‬سيدة‭ ‬اعمال‭ ‬هندية‭ ‬إن‭ ‬صديقة‭ ‬لها‭ ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬ساحر‭ ‬هندي‭ ‬ان‭ ‬يصنع‭ ‬لها‭ ‬سحراً‭ ‬أسودَ‭ ‬يقضي‭ ‬على‭ ‬خصمها‭ ‬التجاري‭ ‬الى‭ ‬الأبد‭ ‬فوافق‭ ‬الساحر‭ ‬شريطة‭ ‬ان‭ ‬تقبل‭ ‬السيدة‭ ‬مستقبلاً‭ ‬أن‭ ‬تلبي‭ ‬له‭ ‬أي‭ ‬طلب‭ ‬يتقدم‭ ‬به‭ ‬مهما‭ ‬غلا‭ ‬ثمنه‭ ‬وعزت‭ ‬قيمته‭ ‬فوافقت‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تردد‭. ‬وبالفعل‭ ‬قضى‭ ‬الساحر‭ ‬على‭ ‬خصمها‭ ‬كما‭ ‬ارادت‭ ‬السيدة‭ ‬الهندية،‭ ‬لكنه‭ ‬عاد‭ ‬اليها‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬ليخبرها‭ ‬بانه‭ ‬سيقضي‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬ابنها‭ ‬الوحيد‭ ‬ثمناً‭ ‬للخدمة‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬لها،‭ ‬والكلام‭ ‬للسيدة‭ ‬الهندية‭. ‬بدت‭ ‬تلك‭ ‬السيدة‭ ‬في‭ ‬حكايتها‭ ‬التي‭ ‬روتها‭ ‬خائفة‭ ‬ومؤمنة‭ ‬تماماً‭ ‬بقدرة‭ ‬السحر‭ ‬الأسود‭. ‬كانت‭ ‬هذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬الغريبة‭ ‬التي‭ ‬سمعتها‭ ‬من‭ ‬اصدقاء‭ ‬هنود،‭ ‬حيث‭ ‬لمست‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬السنوات‭ ‬الثلاث‭ ‬التي‭ ‬أمضيتها‭ ‬هناك‭ ‬ان‭ ‬الهنود‭ ‬يؤمنون‭ ‬بوجه‭ ‬عام‭ ‬بمثل‭ ‬هذه‭ ‬الامور‭ ‬التي‭ ‬كنت‭ ‬أعدها‭ ‬ضرباً‭ ‬من‭ ‬الخرافات‭ ‬لكنها‭ ‬كانت‭ ‬مترسخة‭ ‬في‭ ‬معتقداتهم‭. ‬في‭ ‬الواقع،‭ ‬لقد‭ ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬الاعتقاد‭ ‬بوجود‭ ‬السحر‭ ‬الأسود‭ ‬لدى‭ ‬الهنود‭ ‬هو‭ ‬فلسفة‭ ‬الحياة‭ ‬والحكمة‭ ‬التي‭ ‬بنوها‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المعتقدات،‭ ‬وخلاصتها‭ ‬ان‭ ‬على‭ ‬المرء‭ ‬أن‭ ‬يبتعد‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬عن‭ ‬الخبائث‭ ‬وألاّ‭ ‬يورط‭ ‬نفسه‭ ‬بفعل‭ ‬الشر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يبعث‭ ‬له‭ ‬المسرة‭ ‬المؤقتة‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬إلا‭ ‬انه‭ ‬سيدفع‭ ‬ثمنه‭ ‬أضعافاً‭ ‬مضاعفة‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬عندما‭ ‬تعود‭ ‬اليه‭ ‬الشياطين‭ ‬مطالبة‭ ‬بالديون‭ ‬المستحقة‭ ‬فتقتص‭ ‬منه‭ ‬ابشع‭ ‬اقتصاص‭. ‬اليوم‭ ‬وبعد‭ ‬مضي‭ ‬نحو‭ ‬أربعين‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬اقامتي‭ ‬في‭ ‬الهند،‭ ‬استذكر‭ ‬صناعة‭ ‬السحر‭ ‬كلما‭ ‬رأيت‭ ‬بعض‭ ‬الساسة‭ ‬العراقيين‭ ‬ممن‭ ‬استعانوا‭ ‬بالسحر‭ ‬الأسود‭ ‬لتحقيق‭ ‬غاياتهم‭ ‬الشريرة،‭ ‬فقضوا‭ ‬على‭ ‬البلاد‭ ‬وسمحوا‭ ‬للأجنبي‭ ‬أن‭ ‬يعيث‭ ‬بالأرض‭ ‬فسادا،‭ ‬فانتشر‭ ‬الظلم‭ ‬وحلّ‭ ‬الخراب،‭ ‬لكن‭ ‬موعد‭ ‬الحساب‭ ‬لن‭ ‬يطول‭ ‬فالشياطين‭ ‬التي‭ ‬استعانوا‭ ‬بها‭ ‬بالأمس‭ ‬ستطالبهم‭ ‬قريبًا‭ ‬بتسديد‭ ‬الديون،‭ ‬ولات‭ ‬ساعة‭ ‬مندم‭. ‬

مشاركة