
السماوة.. أحداث وملامح في فم الزمان
السباهي: صدق وتفاؤل الناس يرسمان علاقتي بهم – محمد العامري
السماوة واحة وارفة بالعطاء والتي خصّبها لقاحُ الأصالة والمجد وطال حديث التأريخ معها فكانت لها الفصول المضيئة والمشاهد المشرقة التي أضاءت ذاكرتها في أحداث وملاحم وأسماء كبيرة أثرت فم الزمن بعطاءاتها فكانت حديث مجدٍ وفخر اذ كُتبت على ضفاف فراتها أول ملحمة تغنت بالحياة والخلود فظلَّ هتافها التليد( هو الذي رأى كل شيء فغني بذكره يا بلادي )ايقونة انسانية خالدة وعلى رمال فراتها غرّد سطيح الكاهن بنبوءته الخالدة مبشراً بمولد النبي الأعظم محمد (ص) ( إذا فاضتْ ساوة وغاصتْ سماوة ولِدَ صاحب الهراوة ) كناية عن مولد الرسول الاعظم(ص) وغرب فراتها أيضاً وقف المتنبي ثائراً مغرداً
يرون الموت قداماً وخلفاً
ويختارون الموت اضطرارُ
ومن قصد السماوة غير هادٍ
فقتلاهم لعينيه منارُ
وهكذا طال حديث هذه المدينة مع الزمن .
لاتحصى رموزها ولا تعد عطاءات ابنائها فمن عبد الحميد السماوي الشاعر الفيلسوف الذي ترك ارثاً شعرياً لا يمكن تجاهلهُ أو نسيانه كسفرٍ خالدٍ من أسفارِ الفكرِ والثقافةِ والشعر الذي ما زال على ألسنةِ السماويين يشكل اضاءةً في مجد هذه المدينة وتراثها العتيد إلى رموز هذا الجيل من شعراء وكتاب شغلوا حيزاً كبيراً في المجال الثقافي وكان لهم حضورٌ في الميدان هنا في هذه البقعة في أرض العراق وكذلك في المحافل الادبية العراقية
وحديثنا اليوم حديث استثنائي نتناول فيه رمز سماوي سجلَ حضوره الفاعل في الميدان الثقافي في هذه المدينة خصوصاً ولاربعة عقود من الزمن وكذلك في المحفل الثقافي العراقي وهو الشاعر والناقد والمربي الفاضل سعد سباهي المولود هنا عام 1955 والذي نشأ في أجواءٍ أسرية تحفل باللغة والشعر وقراءة القرآن وكلّل هذه الأجواء بدراسة اللغة العربية بجامعة البصرة عام 1980 ليكون فضلاً عن عطائه في الشعر والنقد مربياً لاجيالٍ عديدة من الشعراء والكتاب تبنى تأهيلهم واصبح الكثير منهم من المؤلفين واصحاب الدواوين والذين عُرفت الاجواء الثقافية لهذه المدينة بأسماء البعض منهم .
والحديث عن هذا الرمز قد يلزم المتحدث بتناول شيءٍ من شخصيتهِ الاجتماعية والمعرفية والادبية فقد نشأ في وسط أسرةٍ كادحة عن أبٍ عسكريّ متقاعد كان له حضور في ذاكرة أبنائه إذ امتلأت أيام حياتهم الأولى بفضاء المعاملة القاسية التي كان مردّها التربية العسكرية لرب الأسرة من جانب ومن جانبٍ آخر فقد كرس اهتمامَهُ بقراءة القران وحبّهِ للشعر وما لعلاقته مع الشاعر العراقي الراحل ملا عبود الكرخي من اثرٍ في تجذير هذا الاهتمام في نفسه خلال مطالع الاربعينيات والذي فرض طابعاً خاصاً في تربية من سينشأ في ظل هكذا تكوين أسري فكانت حصة شاعرنا الاستاذ سعد سباهي من التأثر بتلك البيئة لا شك كبيرةً وواضحة فقد حفظ الشعر منذ طفولتهِ ومارس كتابة الشعر منذ وقت مبكر في حياته وله في هذا ذكريات قد لا تسمح طبيعتها البدائية بالاستشهاد بما كتب أو نظم .
مراحل الدراسة
خاض الغمار وهو في المدارج الاولى لمراحل الدراسة أي منذ المتوسطة والاعدادية فالجامعة وفي كل هذا هو يعتبر ما كتبهُ وما نظمهُ أبّان تلك الفترة كتابة بدائية لا ترقي الى الوصف بأنها شعر أو تقرأ في محـفل إنما يعتبرها بداية لاتستحق في نظرهِ أن تشكل أثراً يذكر .
التقيته بعد أن حصلت الفرصة للقاء بيننا وبعد رغبة مني للحفر في عوالم شعرائنا وكتابنا ورموزنا وفي عطاءاتهم وكان لي معه هذا الحوار
{ متى هي البداية وكيف ؟
– البداية منذ سنواتي الأولى وأقصد بداية الاهتمام إذ كنت وفي أعوام الستينيات فتىً مقبلاً على الدنيا كنت أسمع كثيراً الشعر في أجوائنا العائلية وكان أكثر ما يلاحق أسماعنا شعر الملا عبود الكرخي الذي كانت لوالدي علاقة معرفة أو صداقة معه خلال أعوام الأربعينات وقد عثرت ذات مرة على ديوانه وفي أحدى المصادفات وأنا أراجع هذا الكتاب القديم الموجود تحت اليد في بيتنا فقد وجدت على إحدى صفحاته ختم الشاعر الكرخي وتأريخ هذا الختم في عام 1946 اضافة إلى أجواء الشعر التي أشاعتها رغبة والدي في بيتنا فقد كان رحمه الله قارئاً للقران الكريم وكان مجتهداً في قراءته في أكثر أوقات فراغه.
{ هل كانت ظروف الدراسة والانشغال عائقاً ام مشجعاً لكتابة الشعر ؟
– الحمد الله الذي هيأ لي مجالاً دراسياً مناسباً لاهتمامي الادبي فقد وصلت الجامعة عام 1976 لدراسة اللغة العربية تلك الدراسة التي بصّرتني اكثر بعالم الشعر وجعلتني اقرب إلى الميدان وشجعني كذلك التزام اساتذتي رحم الله الراحلين منهم كالمرحوم الدكتور نوري العوادي والدكتور مصطفى عبد اللطيف والمرحوم الدكتور أحمد النجدي.
{ لو قسمت الشعراء إلى اجيالِ فمن اي جيل انت ؟
– سأكون من الجيل السبعيني ومازلت سبعينياً فناً وموضوعاً لكني لم يكن اهتمامي الظهور والشهرة لانها تسحب الاقدام الى الامـاكن التي لا ارضاها لنفسي لاننا عشــــــنا في مراحل كان الشعار في اكثرها( الرقـــص مقابل المكرمة) .
من يقف تحت الشمس قد يدفع ثمن سخونتها فقد تطالبه المرحلة بأن يكون مدّاحاً وقد يُطلب منك أن يمجد الحرب والموت والطغيان لهذا كان الاختفاء هو الاسلوب الذي تنقذ لسانك وتأريخك من شرور الوقوع في ضائقته .
{ عرفنا لك أكثر من اهتمام من دون الشعر؟
– نعم أرى في نفسي مشروعاً للكتابة في كلّ مجال أرى لي قدرة وتبريراً صادقاً للرأي فيه فقد كتبتُ في النقد انطباعات وتصورات حول قصائد لشعراء شباب وضّمنْتُ بعضها في كتابي( تحت سماء المدينة ) الذي صدر عن دار مسامير عام 2020 فضلاً عن الكتابة في السيرة والتأريخ وكذلك ضّمْنتُ بعض المقالات التي اختصت بهذين المجالين في كتابي هذا.
{ كيف ترى أن تكون شخصية الشاعر؟
– انهُ سؤال قد يكون من الاسئلة المسكوت عنها ولا أدري سر ذلك الشاعر انسان والانسان قيمة وموقف ومن يتخلى عن هذا الوصف فهو رقم في تسلسل دوائر النفوس ومنذ وجودي في المحافل الأدبية واجهت البعض من زملاء الاهتمام وهم من ذوي الوجهين وذوي الموقفين، معلن على اللسان وآخر مستتر لا تقدير له،نعم ترك لنا تأريخ الشعر أحاديث كثيرةً عن مواقف لشعراء كانوا معروضين للبيع في أسواق الأمراء والملوك وهم يتبارون بالمدح وصولاً إلى جاه أو عطاء رغم أن زمننا هذا لا يسمح بمثل هذا لكن مازلنا نرى ونسمع حالات بيع اللسان في محاضر أصحاب السيادة والفخامة بالمقابل هنا شعراء كانوا رموزاً للصلابة ولشرف الموقف منهم من تعرض إلى الضيم والتشريد والجوع والاضطهاد دون أن يغادر موقفه أو يبيع فنه أمام السيف أو المال .
{ باعتبارك أحد الشعراء الكبار في المثنى ولأكثر من أربعة عقود من الزمن ماذا جنيت في رحلتك مع الشعر ؟
– جنيت الكثير فأنا أرى الشعر سلاحاً أواجهُ به الهموم والأعباء النفسية التي اعتبر الشعر المتنفس الوحيد للتخفيف ولقتل الهمّ والضغط النفسي ، والأمر الآخر انني وجدت لي محبين وهواة لشعري مثلما أجد المبغضين رغم أنني وعبر السنين الطويلة التي امتدت لأكثر من أربعين عاماً وأنا أرعى أجيالاً من الشباب المهتمين وجدت نفسي أمام حالات من النكران والجحود ممن تخرجوا من ميداني وجعلني أضيف في كل يومٍ درساً جديداً من دروس الحياة والناس.
{ نلاحظ أن الشعراء القدامى وحصراً في عهود ماقبل 2003 كانوا معدودين وكذلك ابداعهم معروف في حين بعد التغيير السياسي ظهرت أعدادٌ لا حصر لها من الشعراء ماهو تفسيرك لهذا؟
– قد تكون هناك أسباب موضوعية لتفسر ظاهرة التفريخ هذه وخروج هذه الاعداد من الشعراء سواءً كانوا من شعراء العربية أو من شعراء العامية في ما سبق هذا الحدث أي مرحلة التغيير السابق في العراق كان الشعراء أكثر أصالة وأكثر جدية والان حين نريد أن نقيس مستوى الابداع الشعري فأننا نتمثل في شعر السبعينيات لتجده أزهى وارقى ما وصل اليه الشعر عموماً لانها فترة الاسترخاء السياسي فأنعكس هذا في ابداع الشعراء فناً وابداعاً فكانت مواهبهم مواهب تركت آثارها التي نراها قمماً لا ترقى معها ابداعات الذين سبقوا عهد السبعينات أو الذين تلوا تلك الحقبة
أما شعراء مابعد 2003 فمنهم من أجاد وأ ضاف رونقاً جديداً للقصيدة ونحن نشيد بهذا .
ميسورات الهاوي
ومنهم من كان زاحفاً ساعدت وسائل النشر والاعلام التي لا رقابة عليها على خروج أعداد هائلةٍ من أصحاب هذا الوصف بحيث أصبح النشر والطبع من ميسورات الهاوي لا المحترف مما دفع إلى تدني الذوق والذائقة وصرنا نجد في رموز الشعر العراقي الكبار الذين دكّوا قلاع الابداع في السبعينيات وقبلها الستينيات والخمسينيات القدوة التي طبعت الذائقة الادبية باللون الفني الذي تميزوا به.
{ كيف تكتب القصيدة ومتى تحين ولادتها وما هي طقوس كتابتها لديك؟
– القصيدة لديّ هي لحظة فوضى وهجوم غير مبرمج على الذات وتحطيم إلى صورة المشهد الذي في الجدار أي تهشيم المشهد واعادة بنائه فالشاعر يرى المشهد لا كما يراه غيره فالجبل هو كائن من الرمل والحصى كما يقول حمزاتوف والذي يخلق له الرهبة هو الخيال والنظرةُ المستفزَّة فالخيال الذي يوُسسه مزاج الشاعر فضلاً عن المقدرة اللغوية والبلاغية التي تحيل الاشياءَ إلى مشهدٍ بليغ .
{ قبولك لرئاسة اتحاد ادباء المثنى مسؤولية كبيرة كيف تقبلت هذه الفكرة هل كانت تحت طلب أو تأثير؟
– انا الذي تصديتُ للترشيح وذلك لسد الطريق على من لا أراه جديراً ولديه القدرة على استمالة الكثيرين بوسائله التي تدرب عليها سابقاً والذي كان يحرك البعض منهم الشعور بعقدة الجاه والحاجةِ الى كسب العنوان .
وكنت عازماً على تغيير طبيعة العمل في المؤسسة الثقافية لكن واجهنا معوقات وعقبات خلفها البعض ممن هم من تركة العهد السابق ونحن الان ماضون بمشروعنا الثقافي خدمةً لهذه المدينة ونتمنى أن نقدم المزيد للمشهد الثقافي.
طبيعة علاقة
{ حدثنا عن علاقاتك بالأدباء من جيلك؟
– انا ما يرسم طبيعةً لعلاقاتي بعموم الناس هو صدقهم ونقاؤهم وصاحبي من أراه صادق اللسان والموقف واختلف مع من أراه ذا وجهين والحقيقة اني واجهت نفاقاً للأسف الشديد لم أجده في سيرة سلوك حتى السيئين من الناس رغم أن الكثير من الادباء هم من أصحاب الموقف النقي الطاهر.
{ اريد الان التعريف عن اصداراتك؟
– عندي مجموعة من الإصدارات البعض منها لم أعثر عليه حتى في مكتبات أصدقائي أمثال المجموعة الشعرية المعنونة/حديث مع البحر/ 2001
والمجموعة الشعرية المعنونة/ سمفونية الرايات/2002 والاصدارات التي بين يديّ الان هي :
- 1. البرلمان الثقافي العراقي/ بمشاركة زميليّ المرحوم أحمد عبد جاسم والاستاذ حسين علي التوبي/2004
- 2. غداً فم الايام مجموعة شعرية/ 2005
- 3. لم تزل كربلاء/ مجموعة شعرية/ 2008
- 4. ديوان شعر عمودي بعنوان / طائر الليل/ 2010 . مجموعة شعر تفعيلة بعنوان/ العزف على الوتر الخامس 2020
6.كتاب مقالات في النقد والادب بعنوان / تحت سماء المدينة/ 2020
- 7. مجموعة شعر تفعيلة بعنوان/ هناك انتظرني/ 2021وتحت الطبع
حكايات من مدينتي مجموعة شعرية بعنوان /وكون السحر /.
{ وعن مشاركاتكم في المهرجانات واللقاءات السنوية؟
– شاركت في مهرجان المربد لثلاث مواسم 2005/ 2007 / 2009
شاركت في مهرجان الجواهري ببغداد/ 2005 ولي مشاركات في مهرجانات محافظات الفرات الاوسط وفي مناسبات وطنية ودينية فضلاً عن اللقاءات الشعرية في المحافظة هنا
{ وكلمة أخيرة؟
– جريدة الزمان قدمت منجزاً في تدوين الثقافة العراقية خصوصاً وبما تقدم من جهدٍ كبير يعتبر انجازاً وطنياً لخدمة المشهد الثقافي العراقي تستحق التقدير والثناء واخيراً أشكر ادارة جريدة الزمان عموماً وأخص من العاملين الأخ الاستاذ محمد العامري لجهده المثابر وتقصيه في تدوين ارثِ وعطاء أدباء العراق في هذه المدينة والمسكوت عنهم.


















