
فاتح عبد السلام
راشد يزرع ، كانت هذه هي أول جملة بدأ يتعلمها الأميون في العراق في خلال الحملة الكبرى لمحو الامية في نهاية السبعينات من القرن الماضي. وتمّ القضاء على الأميّة فعلاً ، وانتقل تلاميذ كبار السن من مقاعد مدارس محو الامية الى المعاهد والجامعات ، وانتهت الحملة وتعلّم الملايين القراءة والكتابة ، ولكن نفسه لم يزرع ولم يحصد كما يليق ببلد عرفه العالم منذ قرون بأنه بلد زراعي . حتى إنّ الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات الذي كان له ثأر بائت عند صدام حسين كونه قاد الحملة العربية لطرده من الجامعة العربية إبان زيارته للقدس ، كان السادات يعيّر صدّام في بداية حكمه ، قائلاً باللهجة المصرية ،( تعال ياصدّام أولِّنا- قل لنا- راشد بيزرع إيه ،وانتَ شعبك لولا النفط مش لائي ياكل) منذ كتب المدرسة الابتدائية تقرأ الاجيال أنّ العراق بلد زراعي ، بيد إنه منذ عقود لا تعدو الزراعة أن تكون أكثر من مساحات رمزية لاقيمة تجارية لها، قياساً الى حاجة الاستهلاك ونسبةً الى الامكانات الهائلة للبلد في سعة الاراضي الصالحة للزراعة وضفاف الانهار والبحيرات والسدود المائية المتاحة. نعم هناك زراعة واسعة للحنطة والشعير لكنها جهود فردية لعائلات زراعية المنشأ والتوارث وليست جهود مؤسساتية تنموية ، لا تسد الحاجة المحلية ،كما لا تفي بغرض التصدير لجلب العملات الصعبة ،ولم تخضع لدراسات معمقة حول حصيلة الجدوى من عقدين في الأقل . المصادر المائية في العراق برغم كل التحديد الذي أصابها بعد اقامة تركيا لسدودها العملاقة ، لا تزال كافية لاقامة زراعة ذات جدوى اقتصادية ليمتلك العراق من خلالها مصدراً حيوياً للدخل القومي يستطيع منافسة النفط ، بحسب خبراء زراعيين ، يرون ان نهضة الزراعة تحتاج نهضة للقاعدة الصناعية المرتبطة بالمنتج الزراعي وقاعدة تجارية نشيطة للتصدير مع حملات اعلانية واظهار الاهتمام العالي في جودة الانتاج . في اوروبا ، يرى العراقي التفاح في الاسواق ويقول تفاح بلادي أطيب وألذ ، لكن لا يعرف احد في العالم ان العراق يمكن ان يشهد زراعة تفاح ، وهذا مثال عابر . الزراعة في العراق ليست شأناً خاصاً بوزارة وعدد من الموظفين ، وانما هي جزء حيوي من الأمن القومي الغذائي والمالي والتصنيعي ، لكن هل يوجد في المشهد السياسي الحالي ، أحد يرى في هذا الكلام أية جذور واقعية قابلة للتحقق ، وهم مشغولون بكل ما ليس له علاقة بنهضة البلد ومستقبله .
رئيس التحرير ـ لندن
fatihabdulsalam@hotmail.com



















