الساخر العظيم .. وثيقة سردية لوقائع الزمن المر

554

الساخر العظيم .. وثيقة سردية لوقائع الزمن المر

أحمدعبد المجيد

تابعت باهتمام المنتج الجديد للقاص امجد توفيق (الساخر العظيم) لسببين ، الاول اني اعرف بطل روايته سيف معرفة جيدة تتيح لي امكانية تقويم يومياته على مدى 662 صفحة حاشدة بالوقائع ، وان بدا بعضها جزءاً من معمار العمل الابداعي ، اما السبب الثاني فان موضوع الرواية يدور حول الموصل وحيثيات دخول عناصر تنظيم داعش اليها والاوجاع التي كابدتها المدينة في ظل سلطة ظلامية ، قدمت وجهاً مستغرباً لعقيدة دينية تمثل اغلبية مكوناتية بالنسبة للبيئة التي خاض داعش تجربة بناء دولته المزعومة فيها .

واقعية تقريرية

وتندرج الرواية ، بامتياز ، تحت ما يمكن تسميته بالواقعية التقريرية . فاحداثها ليست غريبة عن القارئ وتفاصيل ما آل اليه وضع المنطقة ، في صلب حياته ، وهو اذ يمضي في قراءة الرواية لا يجد هذه التفاصيل بعيدة او مستغربة بالنسبة له ، ما يجلب الظن ان بطل الرواية سيف ليس سوى كاتبها بالذات .

وبرغم ان معظم الروايات في العادة ، تستوحى من بيئة الروائي ، لكنها لا تكون نسخة مطابقة لها ، بمعنى ان الروائي يرسم بمخيلته مسارات قريبة وبعيدة لاحداثها لتبدو ممثلة لفضاء وشخوص مختلفين . وذلك يعزى الى خشية الروائي من احتمال ان يؤدي التشابه التام بين حوادثها او شخصياتها مع الواقع ، الى مشاكل اخلاقية هو في غنى عنها او تستجلب له تحديات لا يكون بمستواها  ، فضلا عن خشية الروائي من ان يوسم عمله بالتقريرية ويبتعد عن مقومات السرد الفني ، سواء بالحوارات او ما يتعلق بحركة شخوص الرواية ضمن محيط محلي .

لقد ادرك كاتب الرواية امجد توفيق ، هذه المعضلة فحذر في ملاحظة وضعها بمقدمة الكتاب من ان الساخر العظيم ليس معنياً بتوثيق تاريخي للاحداث والشخصيات ، بل هو عمل معني بالبناء الفني والقيمة الجمالية . وحقا فان هذه الملاحظة لا تتطابق كلياً مع محصلة القراءة ، لان القارئ يكتشف منذ السطور الاولى، ان سيفاً يعيش وقائع مرت عليه طيلة سنوات ، وستدخل في ما بعد بالبعد التاريخي، حالها حال اي حدث راهن قبل ان يستقر في الماضي البعيد .

ويحسب للروائي جرأته في كشف اسرار بيئة عمل انخرط فيها حاملاً قيماً مهنية ووطنية تنتمي الى ابناء جيله ، الا انه استيقظ على اوضاع تجسد اهداف واخلاقيات الاحتلال الامريكي للعراق وتحول ادوات ورسائل سلوك المنخرطين بالوضع الجديد ، الى اساليب لتدمير البلاد . وقد احسن الروائي وصف كل ما يخص هذه الاساليب ، وان كان سيف قد مارس خلالها ملذاته وحقق جانباً من رغباته الشخصية (المشروعة) وانجز بعض واجباته الاجتماعية ازاء عائلته وابناء عمومته ، في ظلها وبمساعدة منها. واشار الى الضابط الامريكي (ستيوارت) كوسيط مساعد ، انتقل من خانة الريبة والشكوك الى جادة الفهم الانساني المشترك عبر زوجته المقيمة في بلد ثالث .

في (الساخر العظيم) الذي فسره الروائي بانه الزمن المتحول المرتبط بعجلة المصادفات العظيمة بحسب ما املته مخيلة الروائي، فان هذه المصادفات تدعو الى التساؤل وتضع مستقبل السرد برمته في الرواية امام دائرة الشك . وهو في جل فصول الرواية البالغ عددها 58 فصلا ينتقل ليبرئ المدينة التي ولد وترعرع فيها من اي اتهامات ظالمة قد تصفها بالمتواطئة او المشاركة في اوجاع مكون اجتماعي اساسي من اهلها تمثله السبية بهار . وقد وضع الروائي معادلاً موضوعياً لها هو ابن عم سيف ، (سعد) الشاب الذي يؤيها ويقع في حبها ويسهمان معاً في كشف تبعية العائلة والاطلاع على ارثها والوقائع الدموية التي واجهتها في قرية عين الذئب.

ان الواقع عندما يكون مثقلا بالمآسي والتحديات يفرض قوانينه على المخيال مهما كان ممتدا وفسيحا ولا نهاية له، ويؤدي الى نكوص محتمل لا مناص منه عند الشروع بوضع خريطة ومسارات الرواية . وقد تبرز جليا نقطة التلاقي مع الشخصيات والحوادث بصيغة تكوينات وافكار وامكنة شبيهة تماما بما يدور في محيط القراء ، الى درجة ليس بمقدور السرد ولا البناء الفني اخفاء معالمها . وهو ما تجلى في الساخر العظيم الى درجة ان شخصيات نسائية وردت في الرواية تكشف عن نفسها بنفسها ، وتصرخ (ها انا ذا) . فهل هو حضور الشخصية الطاغي في ذاكرة الروائي ؟ ام هو عجز المفردات والصور والالوان بحيث تصبح قاصرة عن اضافة مكياج لتزوير عمر الشخصية ومعالم المكان والزمان ؟

اغلب ظني ان امجد توفيق وقع في محنة التماهي مع شخصياته الى درجة من التطابق بين سلوكه الانساني والمهني والفكري المعروف ، ومجريات تصرف ابطال روايته . فهي شخصيات من لحم ودم ومن بيئة موصلية او بغدادية لا انفكاك عنها ولا براءة من حضورها . وقد صادف ان نقلها الروائي من يومياته الحية الى افاقها المفروضة بقوة السرد او البناء الفني . ولانها من نمط المكونات التي تمثل عناصر اساسية في هذا البناء ، فانها احتفظت بكامل بصماتها وسلوكها على ورق الكتاب . وذلك ليس عيبا في الرواية ولا انتقاصا من قدرة المبدع بقدر ما هي حالة طبيعية ازاء وظيفة اجتماعية يتعين ان نفهم موجباتها في اطار الوظيفة الاخلاقية للادب والوظيفة الوطنية للروائي ، اي روائي . وامامنا تجربة الروائي المصري نجيب محفوظ ، انه لم يخلق شخصيات استدرجها من رحم الغيب ، بل هو اطلق عنانها بعد مكوث او الزام بالاقامة تحت وقع التحولات الاجتماعية والسياسية التي مرت بها مصر . وعمليا فانه لم يصنعها بقدر ما اسهم كروائي في اعادة صياغة موقفها لتعبر عن بيئة حقيقية عاشتها بكل ما تحفل به من تراجع او اقدام ، سلبا او ايجابا .

وهكذا سارايقاع رواية (الساخر العظيم) لتشير الى مثل ومبادئ وتدعو لبدايات جديدة وتنأى عن الوقوع في سفالات الواقع المر وتراجعاته ، انطلاقا من وظيفة ادرك امجد توفيق اهميتها . فاذا كان موصلي اصيل مثله لا يوثق محنة غير مسبوقة تجترحها المدينة . فمن سيتولى بدلا عنه الكتابة عنها ؟ انها من المحن القاسية والعجيبة والاستثنائية بحيث تطلبت منه كل هذا الاستطراد والمزاوجة وتداخل قصة ماض غرائبي بحاضر يحفل بالتناقضات وتعدد الوجوه وتبدل المواقف. انه ، كما رأيت ، كشف الزيف لدى اقرانه ومزامليه ، في مقابل تقديم نمط اخلاقي متجذر بين افراد عائلة الحاج شهاب الاصيل واخيه ابراهيم وابنائهما ازاء تبدلات ظروف املتها حقب ملكية وجمهورية وما بعد جمهورية ، شيدت في النهاية على انقاض ما يعرف بالدولة الاسلامية في العراق وسوريا (داعش) . ويعترف امجد توفيق انه (الراوي العظيم كله معرفة قرر ان يفتح السخرية على معناها ، عندها فقط ستتحقق مملكته) . لكنه في ضوء متطلبات النص يضطر الى فضح هذه المملكة المغرقة بالكذب والوشاية والمعاشرات المشبوهة . انها باختصار شديد ازدواجية سلوكية مر عليها سيف عبر اشارة لتحليل الدكتور علي الوردي للشخصية العراقية ، ربما ترسم صورة لقاع الافراد وبشاعة التصرف .

وفي وقت امتعتني اعترافات سيف ، فانها اثقلت علي من نواح عدة واصابتني بأرق في ليال طويلة بقيت فيها اتوقع واطابق واقترب من التوقع ثم اتراجع وانتفض ، وسرعان ما اتواصل مع الحوادث من زاوية التوق لرصد النهايات او متابعة البحث عنها في تفاصيل اخرى اقترنت بيوميات سيف وجولاته التي شهدتها بيروت وعمان وباريس وبغداد واربيل . وهي مدن وعواصم حلت كما اظن بديلا عن مثيلاتها العواصم العربية والاوربية بهدف اخفاء الوقائع واضافة مساحيق الى وجوه الشخصيات ، الراحل منها والباقي على قيد الحياة . وهذه فضيلة اخرى تضاف الى فضائل الرواية ، واعني بها دفع القارئ الى مشاركة الروائي في توليد الدلالة عبر عملية القراءة الواعية بحدود المفردات والسياق العام فضلا عن ضرورة اشراك القارئ بالتعرف على اسرار الواقع ورموزه..

مقال السلطة

يبقى شأن واحد تعذر علي فهم موجباته في الرواية ، واعني به مقال (السلطة) الذي يلي نهاية الرواية . ومسوغات نشره في سياق البناء العام .

ولعلني رأيت فيه فلسفة حيــــــاة قد تتصل ببعض الافكار التي وردت في مخيلة سيف او تحليلات سعد ازاء الماضي والحاضر وازاء الحكم والحكــــــــام والحروب واشكال التورط في الازمـات . وهي ايضا اعتراف مبطن بخدعة كبرى يقع فيها التابعون والاغلبية الصــــــــــامتة في ما يتعلق بهيمنة الدكتاتوريات وسريان موجبات السلطة ومدخلاتها . ولا اغالي اذا قلت ان امجد توفيق في هذه الحالة ترجم القول المأثور (اياك اعني فاسمعي يا جارة) .

مشاركة