
همسات ساخنة… ومضات هادئة
السؤال الصعب: الثورات المتزنة لا تدوم بدون التطور – لويس إقليمس
في عصرنا الحاكم في منطقتنا بأمر أولي العقائد المتزمتة بفكرها ودينها ومذهبها القائم على تقديس الماضي السحيق وأدواته البشرية المتصلبة بكل عواهنها وأخطائها وسلوكياتها الخائبة في الكثيرمنها، لا يبدو من السهل على النخب المنفتحة في عقولها وأفكارها واتزان سلوكياتها الإنسانية والبشرية، تلك المؤمنة بتطور الزمن والبشر وأدواتهم الحداثوية المتزنة، إحداثَ تغيير أو تطوير في المناهج العقائدية لهذه الفئة التي تعشقُ السكنى والعيش في دهاليز ذلك الماضي السحيق الذي نال منه الزمن والمكان والتاريخ والجغرافيا. فالتاريخ يحدثنا عن فئاتٍ أو جماعات أسّست لأنظمة متهالكة وضعتْ لزعاماتها وشخوصها هالة من «القدسية» الوهمية في مسيرتها وحبائلها المارقة الطامعة في الحكم والجاه والنفوذ واكتناز المال. وبعد أن شاخت هذه وهرمت بسبب مراوحتها في أفكار الماضي «المقدّس» غير المستساغ بل الوهمي في تشكيله ورؤيته ومنطقه وطوباويته غير المكتملة، راحت تدّعي الأحقية في حكم شعوبها اللصيقة بها ومتجاوزةً على غيرها من شعوب الأرض من دون وجه حقّ ولا منطق ولا تخويل، إلاّ من حُكمِ بناتِ أفكارِ مَن أرادوا فرضَ أنفسهم ورؤيتهم وسلاحهم الدنيوي والروحي معًا بوجه مَن يعارضون أو يعترضون على منهجهم الصاخب غير السويّ. وأمثال حَمَلة هذه الأفكار والرؤى المتصلبة غير قابلة التطور والتغيير مع تطور الزمن ومع عصر التقنيات المتجددة لا يمكن لها أن تدوم في ظل الأثمان الباهضة من أشكال التخلّف التي تتركها وراءها وتكلف شعوبَها وأتباعَها وجيرانها الكثير من الوقت وراحة البال والفكر والبناء الصالح على السواء.
ظروف القصيدة
لا شكَّ أنّ العالم يمرُّ اليوم في ظروف استثنائية مقيِّدة لأي زوغان أو تيهٍ عن حاجة الإنسان إلى طريق صحيحٍ سلسٍ قدر الإمكان في توفير العيش الكريم والرزق الحلال في مسيرة حياته، قصرتْ أم طالتْ. لكنّ ما نشهدُه حقًا يناقضُ تمامًا هذه الرؤية البسيطة والسالمة في توفير الظروف التي تضمن هذا الشكل من الحياة الطبيعية بفرضيتها والتي زادت تعقيداتُها بسبب طغيان أدوات الحكم في العديد من أنظمة العالم التي لا تعي حجم الكارثة التي حوصرت بها دول وأمم وشعوب مناطق كثيرة وقعت في شباك التهلكة العقائدية جرّاء التسبب بحروب ضروس مدمّرة ضربت وماتزالُ تضربُ أطنابها في مناطق عديدة. وقد يبدو للناظر والمشاهد والمراقب الحاذق أن الأمر ليس قضاءً وقدَرًا بقدرِ ما هو في واقع الحال نمطٌ جديدٌ من حكم القوي على الضعيف ومَن بيده المال والنفوذ والسلاح وأدوات الفقه والدين والمذهب، سواءً في فرض شكل المنهجية السياسية أو الدينية أو الفكرية أو المذهبية عبر ما يُفرزُ له من مناهج على أيدي تجّار الحروب والمراهنين على صفقات إقليمية وعالمية مصيرية تتجاوز المحليات والمحدودات من حيث الشكل والأسلوب. فتجار الدين والمذهب يستعينون اليوم أكثر من ذي قبل بخبراء السياسة وسادتها وأوليائها طمعًا بتكريس تجهيل السذّج من شعوبهم وأتباعهم عبر خلق آليّاتٍ مستحدثة في إدامة تخلّف هؤلاء الأتباع إيغالاً في بقائهم تحت سطوتهم وبما يتيسرُ لهم من وسائل تجويع وإيهامٍ بضرورة الخضوع لوليّ الأمر «المفترَض» ضمن ما يتم إشاعتُه ببقاء الحاكمية بين أيدي فئة معصومة من سادة القوم و»أوليائهم» المحاطين كذبًا وبهتانًا بهالة «القدسية» الوهمية الزائفة. لذا تجد الرعاع في مثل هذه المجتمعات يتهالكون في الجري الحثيث وراء هذه الهامات والأدوات المتسيّدة بدون وعي أو تفكير حتى لو كلّفهم ذلك حياتَهم أو اضطرّوا لارتهان مقاماتهم وأموالهم ومقتنياتهم، بل ومصيرهم ومستقبل ضناهم وأعراضهم لأجل هذه المسمّيات الوهمية التي أخذت عقولَهم ونالت من إرادتهم الواهنة الفاقدة لأي قرار متزن في حياتهم.
نخبٌ حائرة
أمام هذه الأوجاع المستديمة والوضع المأساوي في تقرير المصير، تقف النخب المثقفة المتمسكة بأهداب الثقافة والتطور ومفردات الإنسانية وضرورات الحياة المعاصرة، في حيرة واندهاش في انتهاج طريقة متاحة لإقناع مجتمعاتها المتهالكة الراضخة لمثل هذه المآسي من دون توفر القدرة على التغيير وكسر الجمود والبحث عن وسائل فعّالة لاختراق هذه الكتل الثلجية المتراكمة وإذابة ما يمكن في سبيل تغيير واقعها المتجمّد فكرًا ودينًا ورؤيةً. فالكلّ يدرك مدى خطورة بقاء الجمود الفكري للمجتمعات على حالها من دون إجراء تغيير في وسائل الحكم والإدارة والتعامل اليومي بين الحاكم والمحكوم، رجل الدين والأتباع، السياسيّ والمواطن البسيط الذي لا حولَ ولا قوةَ له إلاّ بالخضوع والاستسلام والرضوخ لمَن بيده المال والنفوذ وكلمة الفصل سواءً في الدين أو السياسة عبر وسائل تخدير موسمية تتجدّد مع كلّ فرصة لتدوير الوجوه والآليات. لذا من الصعب على الشعوب التي تؤمن بعقيدةٍ قائمةٍ على «دين ودولة» أن تقبلَ بغير هذا المفهوم في مخالفة تنظيم حياة شعوبها ومجتمعاتها خارج هذا الإطار الضيق الذي لا يقبل بالتغيير والتطور وفق العصر ومقتضياته. فالدين والدولة شأنان قائمان كلٌّ بذاته ولا يمكن تلاقيهما في بوتقة التحكم أو إدارة حياة الأفراد والشعوب بسبب واقعية صعوبة تغيّر الظرف والزمان والحاجات والضرورات والأدوات، إنْ لم نقل استحالتها.وهذا ما يتحدث عنه المحدّثون وأصحاب العقول المستنيرة المنفتحة في الذهن والفكر والرؤية من التي تعي ضرورات كلّ مفهومٍ حياتيّ متجدّد على حدا أو مجتمعًا معًا. وهنا يكون الانطلاق بدءً من ضرورة فصل الدين عن السياسة حيث لا يمكن بأي حالٍ من الأحوال فرضُ أية عقيدة أو إقحامُها في شؤون دنيوية بحتة قابلة التغيّر مع تراتبية الزمن والظرف والفرد والجماعة. من هنا ظهرت مقولة «الدين لله والوطن للجميع»، حيث يبقى الوطن خيمة للجميع في ضوء إدارته السياسية أيًا كانت منهجيتُها ومفهومُها خارج إطار الحاكمية العقائدية الزائفة التي لا تنفع ولا تبني ولا تصلح بقدر ما تؤذي وتدمّر وتنخر في الجسم السليم. فيما يبقى رجال الدين المزيَّفون، وما أكثرهم في زمننا الأغبر، مسؤولين أمام الله الخالق في الزوغان عن توجيه البشر روحيًا نحو ربهم الحقيقي وفي طريقة عبادة هذا الأخير بالنصح السليم والتعليم الصحيح والتوجيه القويم. ومنها ضرورة تجنّب هذه الفئة الدينية المتنامية كالأميبا الدخولَ في مهاترات السياسة ودهاليزها الحلزونية المتعرّجة في الفرض والقول والفعل لكون الكثير منها يدخلُ ضمن خانة البُطل والتقيّة والمحاباة والمجاملة متناسين أو متجاهلين عبارة المستشار الألماني بسمارك بكون «السياسة فنّ الممكن»! ولكونها فنًّا ممكنًا، فهي تتقبل أيضًا فرضية التكّيف العلميّ مع ما يستجدُّ من ظروف متغيّرة لا ترفضُ في مساعيها البراغماتية أية فرصٍ ديناميكية لتغيير الأحوال والأدوات نحو الأفضل والأحسن في تحقيق الأهداف وليس نحو الأسوأ، مهما كان فكرُ منظّريها وانتماءاتُهم والتحديات التي تجابهُهم. لذا يرى أصحابُ الفكر الناضج والباحثون عن استقرار أوطانهم ورفاهة شعوبهم وراحة أبنائهم بضرورة تطورّ مفاهيم أصحاب الثورات تكيّفًا مع تطور الحياة وضروراتها إذا أرادوا كسب ودّ مواطنيهم وشعوب وبلدان غيرهم والعيش معهم في حوارٍ إيجابيّ مستدام.
سر النجاح
وهذا هو سرّ النجاح في أيّ نظام حاكمٍ أو منظومة سياسية تدير شؤون البلاد والعباد. ومثل هذا ينطبق قولاً وفعلاً على أية مؤسسة دينية تنشدُ القبول من أتباعها من دون خدش أصولها الأساسية التي تبقى ثابتة مع تغيّرٍ في أدوات التوجيه فيما يمكن عدُّه قشورًا حياتية لا تصلحُ في أيّ وقتٍ وأيّ ظرفٍ، بل تتطلبُ تطهير المظاهر غير الضرورية وتنقيتها وفــــــق تطور الزمن والمكان والفكر القائم وحاجة الإنسان. أمّا المخزونات التعصبية المتزمّتة، فهي تبقى خارج الزمن ومن ثمَّ لا مجال للعيش في نطاق بقائها وإصرارها بالانغلاق على ماضيها السحيق. فالتجارب في عصر السرعة والذكاء الاصطناعي والتقني المتجدّد، جميعُها أثبتت فشل العديد من الأنظمة الشمولية في العالم التي عاثت في الأرض فسادًا وقهرت شعوبًا ودكّت حصونَ أصحاب حرية الراي والتعبير طيلة فترة حكمها، حيث شهدنا لبعضها قبل نهاية الألفية الثانية. ومن المرجّح أن يتبعها ما تبقى من أوصافها وسماتها وأدواتها في حقبٍ تالية لغاية استنزاف أفكار حامليها وانتهاء سلوكيات القائمين عليها بدل استمرار الجثم على صدور الشعوب والأفراد. إنّ دروس الحياة كثيرة، والعبرة فيمن يتعلّمُ منها ويحثّ الخطى من أجل التجديد والتحديث والتقدّم نحو الأفضل وليس التراجع قرونًا إلى الخلف.قد يخلق مثل هذا التوجه المنهجي الحداثوي شرخًا في تفاعل اشكال التحديات ضدّ المألوف القائم. لكنّه الحلّ الأمثل لوضع حدود لصراع الأجنحة المتناقضة في الرأي والأسلوب بين الماضي المتهرّئ والقادم الأفضل الذي يرحبُ دومًا بأية منهجية لإصلاح ذات البين وفتح صفحات جديدة ناصعة للإنسانية تكون فيها الأولوية في المصلحة للشعوب وليس للأنظمة الشمولية المتهالكة، دينيةً كانت أم سياسية أو سواها ممّن تحتمل أو تتمسّك بالجمع بين الدين والسياسة نظامًا شموليًا تراه متكاملاً خدمةً لمصالح فئات معينة تعتاشُ على التكسّب من كليهما.
وفي كلّ الأحوال، لا يمكن عدّ القبول بمناهج إصلاحية خدمةً للوطن والمجتمعات المتعايشة تاريخيًا وجغرافيًا وطوبوغرافيًا، خروجًا عن المألوف بقصد فتح أبواب الفوضى، كما يدّعي بعض الجهلاء، بل سيدخل ضمن أفضل الخدمات التي تتقبلها المجتمعات متعددة الثقافات والأديان والحضارات عندما يحصلُ كلّ مواطن ما يستحقه من حقوق في وطنه براحة وأريحية بلا منّة من أحدٍ ولا باستخدام صحوات الدّين المشوّهة للتأثير على حقوقه الأساسية في وطنه. فما يهمّ الفرد السويّ والعاقل في مجتمعه ووطنه لا يتجاوز حصوله على لقمة عيش حلال وراحة بال واستقرار النفس وصحة الجسد. لم نعد بحاجة لصحوات دينية أو عشائرية أو مذهبية مفبركة وهمية غافلة عن حقيقة منظّريها ولا خطابات غير مقبولة ضيقة الآفاق، بل عن حياة طبيعية هادئة لا تنسى ذكرالخالق ولا تتجاهل حرية الآخر ولا ترفض احترامَه في اختلافه الديني أو المذهبي أو في أيّ انتماء مهما كان شكلُه أو لونُه. ولنتذكّر أن أفضل الدول والأنظمة هي من تمنح الشعوبَ الحريةَ والخبز والكرامة وتجدُّ في رفاهتها وراحتها وتطوّرها. وهذا خلاصة طوق نجاتها ونهضتها وتقدّمها.
□ كاتب صحفي


















