السؤال الخالد.. لماذا تخلّفنا؟ – عدنان أبو زيد

541

زمان جديد

لا‭ ‬يزال‭ ‬السؤال‭ ‬التقليدي‭ ‬الذي‭ ‬تنشغل‭ ‬به‭ ‬مختلف‭ ‬المنابر‭ ‬الفكرية‭ ‬والإعلامية،‭ ‬منذ‭ ‬عقود،‭ ‬يضغط‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق:‭ ‬لماذا‭ ‬تأخر‭ ‬العرب‭ ‬عن‭ ‬حضارة‭ ‬العصر؟‭.‬

تصفّح‭ ‬غوغل،‭ ‬يتيح‭ ‬رصد‭ ‬أعداد‭ ‬لا‭ ‬حصر‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬البحوث‭ ‬والدراسات،‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الفكرية،‭ ‬يتقاذف‭ ‬فيها‭ ‬أسباب‭ ‬الانكفاء‭ ‬الحضاري،‭ ‬علمانيون‭ ‬واسلاميون،‭ ‬من‭ ‬سياسيين‭ ‬واقتصاديين‭ ‬ورجال‭ ‬دين،‭ ‬وباحثين،‭ ‬فيما‭ ‬لم‭ ‬يسفر‭ ‬هذا‭ ‬الجهد‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬محسوسة‭ ‬تساهم‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الفوارق‭ ‬بين‭ ‬الأمم‭ ‬المتحضرة‭ ‬والمتأخرة،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تحوّل‭ ‬الى‭ ‬نقاش‭ ‬عبثي‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬والعقائد،‭ ‬لا‭ ‬الحقائق‭.‬

الجديد‭ ‬في‭ ‬الإشكالية‭ ‬الحضارية‭ ‬هذه،‭ ‬انّ‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الشعوب‭ ‬العربية‭ ‬والإسلامية،‭ ‬باتوا‭ ‬يٌخدعون‭ ‬بوهم‭ ‬تقلّص‭ ‬التفاوتات،‭ ‬لاعتقادهم‭ ‬ان‭ ‬حيازة‭ ‬الأدوات‭ ‬المادية‭ ‬من‭ ‬سيارة‭ ‬وتلفون‭ ‬ووسائل‭ ‬اتصال،‭ ‬وتقنيات،‭ ‬يجعلهم‭ ‬في‭ ‬مصاف‭ ‬الدول‭ ‬المتطورة،‭ ‬فيما‭ ‬الحقيقة‭ ‬ان‭ ‬التباينات‭ ‬تتّسع‭ ‬بشكل‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستقرار‭ ‬المجتمعي،‭ ‬والسلم‭ ‬الأهلي،‭ ‬والصناعات‭ ‬والابتكارات‭ ‬المحلية،‭ ‬والهوية‭ ‬الثقافية،‭ ‬والسلوك‭ ‬الحضاري‭.‬

وفي‭ ‬الدول‭ ‬النفطية‭ ‬الغنية،‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬يكاد‭ ‬ينعدم‭ ‬تمييز‭ ‬الاختلافات‭ ‬الحضارية،‭ ‬بسبب‭ ‬الغشاوة‭ ‬على‭ ‬العيون‭ ‬والعقول‭ ‬التي‭ ‬تتسبّب‭ ‬بها‭ ‬الحضارة‭ ‬الخدمية‭ ‬الجاهزة،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يبدع‭ ‬فيها‭ ‬المواطن،‭ ‬ولا‭ ‬يشارك‭ ‬فيها‭ ‬الا‭ ‬بقدر‭ ‬بسيط،‭ ‬حيث‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مستورد‭ ‬وجاهز،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يحصل‭ ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭.‬

لقد‭ ‬نجحت‭ ‬الدول‭ ‬النامية‭ ‬انْ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المتخلّفة‭ ‬في‭ ‬جعل‭ ‬مجتمعاتها‭ ‬سوقا‭ ‬مفتوحة‭ ‬ليس‭ ‬للبضاعة‭ ‬المادية‭ ‬فحسب،‭ ‬بل

للسلعة‭ ‬الثقافية‭ ‬والفكرية،‭ ‬وهو‭ ‬انفتاح‭ ‬محمود،‭ ‬لكنها‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬التأسيس‭ ‬لسلعة‭ ‬وطنية‭ ‬على‭ ‬ذات‭ ‬المستوى‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬والأداء،‭ ‬وفيما‭ ‬اتخُمت‭ ‬الشوارع‭ ‬بالإعلانات‭ ‬الضوئية‭ ‬عن‭ ‬الأحزاب،‭ ‬والمشاريع‭ ‬الثقافية‭ ‬والمعرفية،‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬فان‭ ‬هذه‭ ‬الكيانات‭ ‬تحوّلت‭ ‬الى‭ ‬نجوم‭ ‬ناجحة‭ ‬إعلاميا،‭ ‬لكنها‭ ‬فاشلة‭ ‬في‭ ‬التغيير‭ ‬والبناء‭ ‬وانتشال‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬التخلف‭ ‬والضياع‭.‬

واستعارت‭ ‬الدول،‭ ‬تجارب‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني،‭ ‬ومنتديات‭ ‬الحوار،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والبحثية،‭ ‬لكنها‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬أذرعا‭ ‬سياسية‭ ‬للقوى‭ ‬المتنفذة،‭ ‬وغرقت‭ ‬في‭ ‬الفساد‭.‬

وحتى‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الإنتاج‭ ‬المادي،‭ ‬فانّ‭ ‬الذي‭ ‬استورد‭ ‬المكائن‭ ‬الانتاجية،‭ ‬أنتج‭ ‬سلعا‭ ‬فاسدة‭ ‬لا‭ ‬تضاهي‭ ‬المنتوج‭ ‬الأجنبي‭.‬

كل‭ ‬ذلك،‭ ‬يعود‭ ‬الى‭ ‬اعتماد‭ ‬الانقلاب‭ ‬الشكلي،‭ ‬والديكورات‭ ‬السياسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والعلمية،‭ ‬فيما‭ ‬بقيت‭ ‬الأمراض‭ ‬والمشاكل،‭ ‬على‭ ‬حالها،‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬تحولت‭ ‬القيميّة‭ ‬الى‭ ‬ادّعاء‭.‬

أحد‭ ‬الأمثلة‭ ‬الشاخصة‭ ‬في‭ ‬عراق‭ ‬اليوم،‭ ‬العدد‭ ‬المرعب‭ ‬من‭ ‬الجامعات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تخرّج‭ ‬مستويات‭ ‬متدنية

في‭ ‬العلم‭ ‬وتطبيقاته،‭ ‬وفي‭ ‬دولة‭ ‬مثل‭ ‬هولندا‭ ‬فانّ‭ ‬مهارات‭ ‬خريج‭ ‬مدرسة‭ ‬صناعة‭ ‬تتفوق‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬يمتلكها‭ ‬خريج‭ ‬جامعة‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الاختصاص‭.‬

كما‭ ‬ان‭ ‬الفلاح‭ ‬الألماني‭ ‬يتفوق‭ ‬كثيرا‭ ‬في‭ ‬مهنيته،‭ ‬وابداعه‭ ‬وقدره‭ ‬على‭ ‬الابتكار،‭ ‬من‭ ‬الكثير‭ ‬خريجي‭ ‬كليات‭ ‬الزراعة‭ ‬ومعاهدها،‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬العالم‭ ‬الثالث‭.‬

أحد‭ ‬أسباب‭ ‬الترهّل‭ ‬في‭ ‬الانطلاق‭ ‬الى‭ ‬المستقبل‭ ‬الذي‭ ‬يمسح‭ ‬الفوارق‭ ‬الحضارية،‭ ‬هو‭ ‬بنية‭ ‬الانسان‭ ‬الفكرية،‭ ‬المدمنة‭ ‬على‭ ‬الأنماط‭ ‬الفكرية‭ ‬النقلية،‭ ‬التي‭ ‬تلتفت‭ ‬كثيرا‭ ‬الى‭ ‬الماضي،‭ ‬وتنظر‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ثقبه‭ ‬الى‭ ‬المستقبل،‭ ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬يجعلها‭ ‬تسير‭ ‬بأثقال‭ ‬من‭ ‬العقد‭ ‬التاريخية‭ ‬والدينية‭ ‬ومظاهر‭ ‬النفاق‭ ‬الاجتماعي‭.‬

وكان‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك،‭ ‬تحوّل‭ ‬الفرد‭ ‬الى‭ ‬شخص‭ ‬تنظيري‭ ‬عاطفي،‭ ‬ومجادل‭ ‬بارع‭ ‬في‭ ‬النصوص‭ ‬الدينية‭ ‬والسياسية‭ ‬والتاريخية،‭ ‬فيما‭ ‬الابداع‭ ‬والابتكار،‭ ‬ينحسر‭.‬

التكدسات‭ ‬الماضوية،‭ ‬وهي‭ ‬تتفاجأ‭ ‬بتطورات‭ ‬العصر‭ ‬السريع‭ ‬المستوردة‭ ‬وليست‭ ‬المستنبطة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الفرد،‭ ‬ولّدت‭ ‬غالبية‭ ‬مشوّهة‭ ‬فكرياً‭ ‬وسلوكياً،‭ ‬قادت‭ ‬الى‭ ‬انفصام‭ ‬واضح‭ ‬في‭ ‬ذات‭ ‬الفرد،‭ ‬بين‭ ‬مثاليات‭ ‬تحفل‭ ‬بها‭ ‬النصوص‭ ‬المحفوظة‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب،‭ ‬وبين‭ ‬الواقع‭ ‬المرير‭ ‬الذي‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬الخدمات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬القطاعات‭.‬

انّ‭ ‬الارتهان‭ ‬إلى‭ ‬الخطاب‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي،‭ ‬والإعلامي،‭ ‬الحالي‭ ‬سوف‭ ‬يعوق‭ ‬وظيفة‭ ‬العقل‭ ‬الجمعي‭ ‬الابتكاري،

لان‭ ‬التلقين‭ ‬والتربية‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬والمجتمع‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬النرجسية‭ ‬الماضوية،‭ ‬والافتخار‭ ‬بأمجاد‭ ‬غابرة،‭ ‬واليقين‭ ‬بانّ‭ ‬ما‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬معتقدات‭ ‬هي‭ ‬أفضل‭ ‬من‭ ‬مثيلاتها‭ ‬لدى‭ ‬الاخرين،‭ ‬تضغط‭ ‬على‭ ‬العقل،‭ ‬وتجعله‭ ‬أسير‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬رسمها‭ ‬لنفسه،‭ ‬وتقذف‭ ‬به‭ ‬خارج‭ ‬معادلة‭ ‬التطور‭ ‬والانفتاح‭.‬

مشاركة