الزيباري يجرد الفكر الإعتزالي بدراسة نقدية – وسام قصي

530

إصدار جديد

الزيباري يجرد الفكر الإعتزالي بدراسة نقدية – وسام قصي

بغداد

تشكل المعتزلة احدى ابرز الفرق الإسلامية التي نشأت في البصرة، ضمن حدود نهايات المئة الأولى للهجرة، يُطلق عليهم أصحاب العدل والتوحيد. اهتم عددٌ كثير من المفكرين المعاصرين بدراسة تراثهم الفكري، اذ ان المعتزلة أول من أدخلوا النزعة العقلية في الفكر الإسلامي ، لان سمة الفكر الإعتزالي عقلية برهانية.  الباحث التونسي عبد الرزاق القلسي المختص في الادب و الحضارة العربية الاسلامية، ومنهجيات دراسة الادب القديم و الحديث، بين في بحثه الموسوم:( قراءة الاعتزال من منظور الألفية الثالثة) .. “صدى المعتزلة في الفكر الإسلامي بين الماضي والحاضر” أنموذجا :

 “ولئن انتهى الاعتزال كخلفيّة فلسفيّة وأفق إيديولوجي لنظام الحكم العباسي سنة 155هـ، فإنّ تقاليده الكبرى قد ظلّت كامنة في وعي كلّ جهد أو حركة تنويرية في التاريخ الإسلامي القديم والحديث.  ولأجل ذلك اتفق الباحثون على أنّ الاعتزال لم يغب تماما عن تداولية الفكر الإسلامي، بل خلق لنفسه مريدين وأتباعا في السُنّة الثقافية الإسلامية، وقد أحيا هذا الفكر لدواع مختلفة تماما في القرن 19 وخاصة في القرن العشرين إلى درجة أنّ المفكّر الإيراني الكبير عبدالكريم سروش يقول بقوّة: (إنّي معتزليّ جديد)”. الباحث والناقد والاديب عبد الكريم الزيباري جرّد الفكر الإعتزالي  بمنجز نقدي صادر عن دار شهريار في البصرة 2019? بعنوان :” الفكر الإعتزالي بين السياسة والدين والفلسفة”. إذ يؤكد الباحث ان الاسئلة والافكار التي اثارها المعتزلة قبل الف سنة، تجد آذاناً تتلقفها، والسنةُ تتداولها الى درجة تسمية بعض مثقفي عصرنا الحديث بالمعتزلة الجدد، رغم ذلك لم يأخذ تاريخ افكارهم ما يستحقه من اهتمام في الابحاث والدراسات التي تناولت المجتمع العربي الاسلامي.

سؤال الفلسفة والدين بدأ بظهور المعتزلة

 ويعرّج الزيباري على ان تراث المعتزلة يحمل بين طياته حوامل تاريخية  تأرجحت بين السياسة والدين، ولحظة التأرجح هذه أيقظت الوعي الفلسفي، ليبدأ تاريخ الفلسفة الاسلامية، وهو تاريخ الفلاسفة، وتاريخ الفلاسفة هو تاريخ الاسئلة التي طرحوها، والسؤال الفلسفي في صيرورة مستمرة، واذا كان سؤال الفلسفة والسياسة قديما منذ جمهورية افلاطون، وترجمة كتبهم في زمن المأمون، فان سؤال الفلسفة والدين بدأ بظهور المعتزلة، وهذا السؤال عينه لم يطرح في الغرب الا في العصور الوسطى، وبسط ظلاله الدامية السوداء على روح العصر بأكمله. ينطلق بحث الزيباري من تحقيق افكار المعتزلة المتأرجحة بين الفلسفة والدين، الى اربعة اطوار فكرية في اربع حقب زمنية، وقراءة اسهام المنتج الفكري للمعتزلة في كل حقبة، ودورها في الصراع السياسي الاسلامي، هذا الصراع الذي لم ينفصل فيه، السياسي عن الديني والفكري والاجتماعي، منذ مقتل عثمان حتى يومنا.

تفعيل العقل التجريدي

يؤكد الباحث ان محاولات المعتزلة استمرت تحديداً في تعطيل وتفنيد العقل الشمولي، وتفعيل العقل التجريدي ؛ لتعزيز وحدة الجمهور واستمالته وكسبه كمؤسسة عقلانية بعيدة عن الخرافات والاساطير. وأضاف:  يحاول البحث اثبات ان الفكر الإعتزالي ظل سجين العلاقة بين المعتزلة والسلطة، يجول جولة ويضمحل بزوال دعم السلطة لهم، وان المعتزلة  لم يبدوا اهتماماً بنشر افكارهم بين جمهور الناس، او ان جمهور الناس لم يهتموا بأفكار معقدة لا يقال فيها الا بالظن،  وهي بعيدة عن دينهم ومعاشهم، ففشلت محاولاتهم باستخدام الترغيب والترهيب في تبديل معتقدات الناس. يذهب الباحث الى ان نقدا للعقل الإعتزالي، هو استشراف للصراع الفكري والحضاري ، ونقد للعقل العربي الاسلامي  في العصرين الاموي والعباسي، وان نقدا كهذا، سيتطرق الى علاقة النخبة بجمهور الناس ، وهو بمثابة نقد للعقل العربي الجمعي آنذاك، مع التأكيد على  ان العقل النخبوي لبعض مثقفي عصرنا الحديث، لا يختلف  كثيرا من ناحية  تكرار الاخطاء عينها.  يستنبط الباحث في الفصل الاول تأثيرات العقل الإعتزالي على الجمهور وطرق تفكيره في كل مرحلة من مراحله الاربع، من خلال تحليل واعادة ربط بعض احداث ومكانة المعتزلة، ومن نقد العقل الاسلامي في العصرين الاموي والعباسي، نستنتج علاقة النخبة بالجمهور وهذه العلاقة بمثابة نقد للعقل الاسلامي الجمعي آنذاك مع ربطه بالعقل النخبوي لبعض مثقفي عصرنا الحديث، المنهمك بتكرار بعض الاخطاء عينها.

يقول الباحث: ” يُؤمَل لهذا النقد، أن يسهم في تاريخ الافكار، وحركتها وتطورها ودورها في التأسيس لإحدى مراحل الحضارة الاسلامية بتأكيدها على حرية الفرد ونفي الجبرية. وحيث وقف المعتزلة بكل قوتهم ضد السلطة الاموية، ووقفوا على الحياد بداية العصر العباسي، ثم اشتركوا في السلطة منذ بداية حكم المأمون والمعتصم والواثق وبداية حكم المتوكل لكنهم لم يحاولوا الاندماج مع البويهيين”. موضحاً :”ويكاد يتفق المؤرخون على أنَّ المعتزلة لو لم يجبروا الناس على الاعتقاد بخلق القرآن، منذ بداية حكم المأمون والمعتصم والواثق وبداية حكم المتوكل، لما تعرضوا للاضطهاد الانحسار فيما بعد ذلك”.

يبحث الفصل الثاني تأرجح المعتزلة بين الدين والجمهور بدءاً بالأسماء التي اطلقوها على انفسهم ، والتي اطلقها الناس عليهم في المبحث الاول، وفي الثاني حول مخالفتهم الاجماع، وفي الثالث تأرجحهم بين العقل والشرع. يناقش الفصل الثالث تأرجحهم بين الفلسفة والجمهور، بدءاً بحربهم على الخرافات في المبحث الاول، ومناظراتهم مع خصومهم في الثاني وفي الثالث وخوضهم في القضاء والقدر. ومن الجدير بالذكر ان الاديب والناقد عبد الكريم الزيباري حاصل جائزة الشارقة للإبداع العربي في دورتها الثانية عشرة /2008 في مجال النقد الادبي ، فضلا عن جوائز عديدة، له من الكتب (13) كتباً  تنوعت  ما بين الرواية والنقد والترجمة  والقصة…، فضلا عن ابحاث منشورة  له في مؤتمرات دولية، تناول منجزه الابداعي عدد من الباحثين الاكاديميين في  اطروحاتهم ورسائلهم العلمية… له اكثر من ألف مقالة في جريدة الزمان الدولية، فضلا عن دراسات وكتابات الصحف والمجلات والدوريات المحلية والعربية والعالمية.

مشاركة