الزهور‭ ‬مفاتيح‭ ‬هوية‭  ‬أطفالنا-فاروق الدباغ

في‭ ‬وطنٍ‭ ‬مثقل‭ ‬بالذاكرة‭ ‬الثقيلة‭ ‬والاضطرابات‭ ‬اليومية،‭ ‬يظل‭ ‬الطفل‭ ‬العراقي‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬زهرةً‭ ‬تنتظر‭ ‬بيئة‭ ‬تسمح‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تتفتح‭. ‬إن‭ ‬فهم‭ ‬درجة‭ ‬الحساسية‭ ‬لدى‭ ‬أطفالنا‭ ‬ليس‭ ‬ترفًا‭ ‬فكريًا،‭ ‬بل‭ ‬أداة‭ ‬حقيقية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬أرواح‭ ‬وهوية‭ ‬أجيال‭ ‬كاملة‭.‬

وفقاً‭ ‬للبحث‭ ‬العالمي‭ ‬الذي‭ ‬اعتمد‭ ‬عام‭ ‬2005‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬الباحثين‭ ‬بويس‭ ‬وأليس،‭ ‬ظهر‭ ‬مقياس‭ ‬HSP‭ (‬Highly Sensitive Person‭) ‬لقياس‭ ‬حساسية‭ ‬الأطفال‭. ‬ثلاثة‭ ‬أسئلة‭ ‬بسيطة‭ ‬قد‭ ‬تفتح‭ ‬أمامنا‭ ‬أبواب‭ ‬الفهم‭ ‬العميق‭:‬

1‭.‬⁠‭ ‬⁠هل‭ ‬ترتبك‭ ‬من‭ ‬الأضواء‭ ‬الساطعة‭ ‬أو‭ ‬الروائح‭ ‬القوية‭ ‬أو‭ ‬الأصوات‭ ‬الحادة؟

2‭.‬⁠‭ ‬⁠هل‭ ‬تحرّكك‭ ‬الفنون‭ ‬والموسيقى‭ ‬بعمق؟

3‭.‬⁠‭ ‬⁠هل‭ ‬يتراجع‭ ‬أداؤك‭ ‬إذا‭ ‬شعرت‭ ‬بأنك‭ ‬مراقب‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬منافسة؟

ومن‭ ‬هذا‭ ‬المقياس‭ ‬ظهرت‭ ‬ثلاثة‭ ‬أنماط‭ ‬رمزية‭:‬

طفل‭ ‬زهرة‭ ‬الهندباء

مرن‭ ‬يتحدى‭ ‬الظروف‭ ‬كالهندباء‭ ‬التي‭ ‬تنمو‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬تربة‭. ‬في‭ ‬العراق،‭ ‬نراه‭ ‬بين‭ ‬أطفال‭ ‬المخيمات،‭ ‬الناجين‭ ‬من‭ ‬النزوح‭ ‬أو‭ ‬الفقر‭ ‬المدقع،‭ ‬الذين‭ ‬رغم‭ ‬القسوة‭ ‬يواصلون‭ ‬العيش‭ ‬بابتسامة‭.‬

‭ ‬طفل‭ ‬زهرة‭ ‬الأوركيد

شديد‭ ‬الحساسية،‭ ‬كالأوركيد‭ ‬الذي‭ ‬يذبل‭ ‬تحت‭ ‬الإهمال‭ ‬ويزدهر‭ ‬مع‭ ‬الرعاية‭. ‬هؤلاء‭ ‬نجدهم‭ ‬في‭ ‬البيوت‭ ‬التي‭ ‬تشهد‭ ‬عنفاً‭ ‬أو‭ ‬أمراضاً‭ ‬نفسية،‭ ‬يحتاجون‭ ‬دفئاً‭ ‬واحتضاناً‭ ‬خاصاً‭ ‬ليبقوا‭ ‬أحياءً‭ ‬نفسياً‭.‬

طفل‭ ‬زهرة‭ ‬التوليب

وسط‭ ‬بين‭ ‬الاثنين،‭ ‬يتأثر‭ ‬بالرعاية‭ ‬لكنه‭ ‬يمتلك‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬الصمود‭. ‬هم‭ ‬أطفال‭ ‬مدارسنا‭ ‬الذين‭ ‬ينعكس‭ ‬عليهم‭ ‬مزاج‭ ‬المعلم‭ ‬وأجواء‭ ‬الصف‭ ‬فوراً‭.‬

Sense of Coherence‭ (‬SOC‭) ‬–‭ ‬الإحساس‭ ‬بالسياق

لفهم‭ ‬قدرة‭ ‬الطفل‭ ‬على‭ ‬النجاة‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬مليئة‭ ‬بالتوتر،‭ ‬نستعين‭ ‬بمفهوم‭ ‬Sense‭ ‬of‭ ‬Coherence‭ (‬SOC‭) ‬الذي‭ ‬وضعه‭ ‬آرون‭ ‬أنطونوفسكي‭.‬

الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬يتمتعون‭ ‬بـ‭ ‬SOC‭ ‬مرتفع‭ ‬يشعرون‭ ‬أن‭ ‬حياتهم‭:‬

‭ ‬مفهومة‭ ‬–‭ ‬يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬حولهم‭.‬

قابلة‭ ‬للإدارة‭ ‬‭ ‬لديهم‭ ‬الموارد‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬التحديات‭.‬

ذات‭ ‬معنى‭ ‬‭ ‬لحياتهم‭ ‬اتجاه‭ ‬وغاية‭.‬

أما‭ ‬انخفاض‭ ‬SOC‭ ‬فيجعل‭ ‬الطفل‭ ‬أكثر‭ ‬عرضة‭ ‬للاضطراب‭ ‬النفسي‭ ‬والجسدي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬بيئة‭ ‬الأسرة‭ ‬مثقلة‭ ‬بالعنف‭ ‬أو‭ ‬الإهمال‭.‬

ملامح‭ ‬السلوك‭ ‬الخطر‭ ‬عند‭ ‬أحد‭ ‬الوالدين

في‭ ‬العراق،‭ ‬نجد‭ ‬مؤشرات‭ ‬تحذيرية‭ ‬متكررة‭:‬

التقليل‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬الطفل‭ ‬أو‭ ‬وصفه‭ ‬بعبارات‭ ‬جارحة‭.‬

فرض‭ ‬أعمال‭ ‬شاقة‭ ‬أو‭ ‬توقعات‭ ‬غير‭ ‬واقعية‭.‬

استخدام‭ ‬العنف‭ ‬الجسدي‭ ‬كأسلوب‭ ‬تربية‭.‬

عزل‭ ‬الطفل‭ ‬عن‭ ‬الآخرين‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط‭.‬

هذه‭ ‬المؤشرات‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬السكوت‭ ‬عنها،‭ ‬فكل‭ ‬طفل‭ ‬يحمل‭ ‬زهرة‭ ‬تستحق‭ ‬أن‭ ‬تنمو‭.‬

كلمة‭ ‬ختام

كما‭ ‬قال‭ ‬جبران‭ ‬خليل‭ ‬جبران‭:‬

‭”‬إن‭ ‬أطفالكم‭ ‬ما‭ ‬هم‭ ‬بأطفالكم‮…‬‭ ‬قد‭ ‬تمنحوهم‭ ‬حبكم‭ ‬ولكن‭ ‬دون‭ ‬أفكاركم‮…‬‭ ‬فلهم‭ ‬أفكارهم‭.”