(الزمان) زمن الاحلام – ناجح المعموري

(الزمان) زمن الاحلام – ناجح المعموري

كان فجرا مختلفا بالكامل عن الذي سبقه من قبل .الهبوط من الباص بأرتباك واللاأدرية ،بينما تراكض الذين معي في الباص بأتجاه سيارات الأجرة .ولأني أدركت بأن الصديق الناقد عواد علي يقظ في ذلك الفجر من يوم عطلة رسمية في الأردن ،وأتذكربأنها يوم 14/7/1999 وأنا لاأملك غير هاتف المعهد الملكي الذي يعمل فيه صديقي العزيز والذي ابتدأ يزودني بالكتب المثيرة لأحلامنا عندما كنا معا في الحلة ،حيث كان مدرسا في كلية التربية الفنية ،وارتسمت عمان بذاكرتي بالمصادر الأولى التي ارسلها عواد علي والمكونة لأوليات مكتبتي عن الميثولوجيا. ووسط هذه التصورات استرخيت فوق قطع كارتون كثيرة مفروشة وسط موقف الباصات المستريحة بعد افراغ ركابها، وغفوت سريعا. الشمس أيقظتني بلسعة حرارتها في يوم تموزي استراح فيه الأردنيون بعد يوم من الأنتخابات . لم يكن أمامي غير التوجه الى فندق بسعر مناسب .وأخذني أحدهم وظل يدور ويدورفي وسط البلد ،هذا ماعرفته لاحقا بعد الأقامة في عمان حيث وضعني امام فندق لاأتذكر اسمه في جبل التاج ،وكان جديدا . أنزلت حقائبي وكيس مخطوطاتي وأوليات لعدد من الدراسات . وما زلت أتذكر انعكاسات اللعبة وخيوطها المنعكسة على ملامح السائق الذي برع في اقناعي بقلة المبلغ المطلوب اجورا. هذا غير ممكن ، عشرة دنانير عن مسافة قصيرة جدا . والمثير للأستغراب اصطفاف عمال الفندق مع السائق ،ووجدت نفسي مضطرا لدفع المبلغ مرغما بعد رفض السائق محاولاتي لأقناعه ،ولكن انتصر مع عمال الفندق .يوم صعب في عمّان،وتفاصيل الغربة والأبتعاد عن الأهل والوطن ،صارت بعضا من سرديات عمان التي ابتدأت اكتشف واتعرف على المكان القريب من سكني حتى اهتديت للأخ عواد علي في اليوم الثاني.

             ******

اتخذت قراري بعد ان تعرفت على وجود بعض الأسماء الثقافية المعروفة في عمان وعلاقتها بجريدة الزمان،مثل المرحوم محمد الجزائري وطراد الكبيسي وكاظم الحجاج وحسب الشيخ جعفر ومحمد مبارك ….الخ،وانجزت في اليوم الثاني مقالات ،استكملت تحريرها وذهبت سريعا الى مكتب الزمان وكانت محتفية بيّ ومرحبة ،وقدمت لي ما عزّز بدايتي مع جريدة الزمان ،وكانت المفاجأة عندما طلب مني صديقي الصحفي جاسم مراد المتعاون مع مكتب عمان ،بضرورة زيارته.لم أفكر الا بطلب للأستكتاب مثلما حصل معي سابقا لكني غادرت مكتب الصحيفة وفي جيبي مئة دينار اردني ،انه مبلغ كبير ،مكافأة عن المواد التي قدمتها مع توصية نقلتها لي الزميلة الفلسطينية المشرفة على المكتب من الأستاذ سعد البزاز تنطوي على ترحيب عال ودعوة للأستمراربالكتابة .  التقيت بالأستاذ البزاز عام 1969 في نينوى ،عندما زرت الصديق العزيز حسب الله يحيى الى داره في محلة الشيخ فتحي ،وتوطدت علاقتي مع البزاز عندما اختارني أنا وكاظم الحجاج من بين أسماء أخرى للكتابة في جريدة الجمهورية واستقبلني اكثر من مرة بطلب من الأخ الشاعر عبد المطلب محمود مدير مكتب البزاز.     انفتحت جريدة الزمان أمامي ووفرت لي ولغيري حماية من متاعب عمان الكثيرة جدا وكنت مقّربا وتفرغت للقراءة والكتابة وتنامى شعوري بالأستقرار والأطمئنان وأبلغت أهلي بما يفرحهم …وابتدأت أقتني المصادر الضرورية وتطور عملي الثقافي ونشطت بحضور الفعاليات الأدبية والثقافية وتحولت الى محاضر في كاليري الفينيق عن ” المسكوت عنه في ملحمة كلكامش” وتميزت بتلك الأمسية بزحمة المكان واستقطاب كثير من العراقيين الوافدين الى عمان صيفا والموجودين فيها وفعلا كانت المحاضرة عاصفة ،غطتها الصحف الأردنية الصادرة بعد ثلاثة أيام.وتكرس وجودي الثقافي بعد ذلك واخترت مكتبة عمان مكانا لي وانقطعت كليا للعمل الثقافي ،واتذكر بأني أنجزت ولأول مرة مقالا عن فوتوغرافيا فؤاد شاكر والأسطورة في النحت العراقي ،جواد سليم انموذجا،صدر لاحقا عن مديرية الفنون التشكيلية في وزارة الثقافة بمناسبة بغداد عاصمة الثقافة ،وأيضا عن منعم فرات والعديد من المقالات عن الأسطورة والكثير من التقارير التي حرصت بها على متابعة ما يحصل وسط عمان من أنشطة ثقافية وفعاليات فنية .

ما أريد التأكيد عليه ما منحتني اياه صحيفة (الزمان) واكتفيت بها ،ولم اكتب  لصحيفة أخرى ،وتمكنت من أيامي وهكذا عشت ونجحت بتوقيع عقدين للنشرمع مؤسستين للطباعة والنشر والتوزيع وهما المؤسسة العربية للدراسات والنشر وايضا الدار الأهلية وهما من أرفع دور النشر وأكثرها حضورا وأعمقها تأريخا . كنت سعيدا جدا،وحققت حلمي الذي سعيت من اجله،وصدر لي عن المؤسسة العربية [ الأسطورة والتوراة ]وعن الأهلية [موسى وأساطير الشرق ] .عدت الى العراق وتفرغت للكتابة ومراسلة الزمان بالطريقة السهلة بواسطة أحد السواق .وأنجزت ما ابتدأت به تنفيذا لأتفاق مع أحمد أبو الطوق ،مدير عام الدار الأهلية التي أصدرت لي لاحقا [ التوراة السياسي ،وأقنعة التوراة ].لكني لاأستطيع تجاهل المتاعب التي واجهتني مرارا بسبب النشر في صحيفة الزمان واستمرت فترة طويلة ولم تتوقف الاّ في عام 2000 عندما اشتدت الأزمة والتلويح بأسقاط النظام .لصحيفة الزمان مودة ومحبة ،منحتني فرصا واسعة لحياة لائقة وهادئة في عمان التي سكنت ضميري وذاكرتي ولها دور في تنامي مشروعي الثقافي والمعرفي منذ عام 2000 وحتى الآن .

 الزمان زمان الأحلام وتحققات متأخرة ولكنها أسعدتني كثيرا .

{ رئيس الاتحاد العام للادباء والكتاب العراقيين

مشاركة