(الزمان) تنفرد بنشر فصول من أول كتاب يكشف:  إنتخابات الزمن الصعب

(الزمان) تنفرد بنشر فصول من أول كتاب يكشف:  إنتخابات الزمن الصعب

فريد ايار

مقدمة

ترددت كثيراً في الكتابة عن الأنتخابات العراقية التي حصلت في عام 2005 وفي هذا الوقت بالذات ذلك لأنه لازال هناك، رغم مرور حوالي تسع سنوات عليها، الكثير من الجدل والنقاش حولها وحول الأستفتاء على الدستور، هذا الجدل الذي لا نعتقد انه سينتهي الأ بعد فترة طويلة من الزمن يكون العقل العراقي قد استقر واخذ يقترب من الوضوح والتفسير المنطقي العقلاني للأحداث .

مرد ترددي هو ان الحقائق كاملة يجب ان تقال وان حصل ذلك فان هناك الكثير من الفئات والشخصيات والأحزاب التي لعب كل منها دورا معينا في تلك الأنتخابات ستغضب وستتهم قائلها بجور الكلام وسيتم فتح باب لايمكن أغلاقه بسهولة من الجدل والجدل المضاد.

ولكن هل يفترض للأسباب التي ذكرناها  ان تخفى الحقائق عن أعين الناس؟  وهل لأجل عين الف عين عن الحقيقة تحرم؟؟ وهل من المسموح اخلاقيا ان تبقى الحقائق خافية عن اعين الشعب ارضاءأ لبعض المجموعات السياسية او الأثنية.

لم يكن لدينا اي خيار في تبني الرأي بضرورة قول الحقيقة مها كانت  والحديث الصريح عما جرى في الأيام والأشهر والسنوات الطويلة منذ شهر حزيران – يونيو 2004 وحتى أنتهاء انتخابات المجلس النيابي واعلان النتائج النهائية التي تمت بعد مخاض طويل  من التعقيدات والأخذ والرد والأتهامات والأتهامات المضادة  في مطلع عام 2006.

قد يبدو للبعض من الناس انه من السابق لأوانه الحديث عن الأنتخابات العراقية التي حصلت عام 2005 لأن مثل هذه المهمة يجب ان تترك لأولئك الذين يتيح لهم عنصر الزمن فرصة التطلع الى الوراء واستقراء الماضي، وبالرغم من ان وجهة النظر هذه  فيها بعض الحق الأ ان ذلك سيفقد التاريخ عنصرا هاما وهو الأفتقار الى اولئك الاشخاص الذين عرفوا وعاشوا الاحداث يوما بعد يوم  لذلك اجد من الخير أن أتحدث واكتب اليوم عن هذه الأنتخابات بدل تأجيل ذلك الى أوقات تالية قد تضيع فيها الكثير من الحقائق والملاحظات.

ان الحديث عن اول تجربة انتخابية حقيقية في العراق وكيف جرت وماذا حصل خلف الكواليس وامامها من امور فيها الكثير من التشعبات لا بل الأجتهادات ليس بالامر السهل  كونها هدفت  الى أيجاد نموذج جديد في الحكم وممارسته وفي التفكير بألية جديدة اسماها نائب الرئيس الامريكي السابق ديك تشيني في احدى تصريحاته “بالديمقراطية المتواضعة ” لذلك اسمينا هذه المرحلة من تأريخ العراق بسنوات القدر تارة والزمن الصعب تارة اخرى .

لقد حفزتنا عمليات التزوير المريعة التي حصلت في افغانستان اثناء الأنتخابات الرئاسية التي جرت في آب – اغسطس 2009  وكانت الأكبر والأبشع حتى تلك اللحظة ،في توسيع دائرة الحديث في كتابنا هذا عن  حالات التزوير التي حصلت في انتخاباتنا العراقية او الشكوك التي حامت حول الدستور ودور الامم المتحدة في اللعب ببعض النتائج  وأسباب ذلك.

 كتبت هذه المقدمة عام 2009

لم يكن، للأسف الشديد، من بين خبراء الأمم المتحدة او مسؤوليها في العراق  اثناء عام 2005 وما بعده من يضاهي السيد بيتر غاليرايت نائب رئيس البعثة الدولية في افغانستان في ضميره واخلاقياته المهنية وهو الذي استجمع شجاعته، واتهم رئيسه كاي ايدي رئيس البعثة بالتستر على حالات تزوير مريعة بلغت ما بين مليون الى مليون ونصف صوت احتسبت دون حق لصالح  المرشح كارازاي بعلم من رئيس البعثة الذي ادرك الأمر لكنه امر بعدم فعل اي شيء يذكر لأن صداقة متينة تربطه بالرئيس الأفغاني كارازاي.

لم أجد من بين خبراء الأمم المتحدة في العراق أثناء سنوات القدر تلك وحتى من الملاحظات التي كونتها حول انتخابات مجالس المحافظات عام 2009 في العراق ودور الأمم المتحدة في عمليات التزوير التي حصلت فيها، من يحمل ضميراً كضمير السيد بيتر غاليرايت، أذ كان الجميع بدءا من رئيس البعثة الى اصغر موظف فيها يبررون ما يحصل من اخطاء ويجهدون في ايجاد الكلمات والجمل الفارغة واخفاء الحقائق لتبرير تصرفاتهم وتغطية الأخطاء بهدف ضمان استمرار وجودهم في العراق، بل استطيع الجزم ان هؤلاء لم يكونوا موظفين تابعين لهيئة دولية يفترض ان تكون حيادية بقدر ما كانوا موظفين صغاراً في السفارة الامريكية في العراق. ان فداحة التزوير في افغانستان وانحياز بعثة الأمم المتحدة الى أحد الجوانب المتصارعة يؤكد ما ذهبنا اليه في فصول عديدة من هذا الكتاب من ان هذه البعثات ،التي يضفى عليها هالة من القداسة والشفافية والحيادية ، لايهمها مصالح البلد التي تعمل فيه بقدر ما يهمها مصالحها الشخصية ،هذا ما حصل  في العراق وقد كنت  شاهد عيان على ذلك.

لقد اضطر الأمين العام للأمم المتحدة الى الأعتراف بالخروقات التي حصلت في الجولة الأولى من الأنتخابات الأفغانية ووجود ادلة مقنعة وواضحة على وقوع التزوير وقال ان الأمم المتحدة تعلمت درسا قاسيا ومؤلما بعد مشاهدة هذه العمليات التزويرية،  واضاف لقد أدركنا انه من الصعب على ديمقراطية فتية (يقصد الافغانية) أن تصمد لوحدها حتى بمساعدة دولية قوية وتحديدا من قبل الأمم المتحدة..

قارب الأمين العام الحقيقة عندما قال ان افغانستان نالت مساعدة قوية من الأمم المتحدة لأن البعثة الدولية كانت شريكة اصيلة في عمليات التزويرالهائلة  بدليل محاولة السكوت عنها من قبل رئيس البعثة  نفسه فهل في ذلك مساعدة لأفغانستان؟

لم تكن الأنتخابات العراقية عام 2005 مثالية فقد حصل فيها تزوير وترويع ولكن على نطاق ضيق وفي حالات محدودة كشفت المفوضية العديد منها وكسبت بذلك غضب وتهديد بعض الكيانات السياسية المعنية ، هذا التزوير ناتج طبعا عن عدم وجود ثقافة انتخابية لدى المواطن العراقي بالأضافة الى عدم امكان السيطرة في بعض الأحوال على مشاعر البعض ممن يعتبرون تصرفاتهم قانونية رغم انها تصب في خانة التزوير المنظم  ففي  عقل الأنسان آليات تمارس دوما قدرا من الأقناع الذاتي  وتصور له انه يسعى في تصرفاته الى اهداف مثالية.

وقبل ان انهي كلامي حول الأنتخابات لا بد لي اخلاقياً من الأشارة الى ان زملاء لنا قدموا ارواحهم في سبيل انجاز العمليات الأنتخابية التي وضعت العراق على سكة الديمقراطية ففي يوم 19/12/2004 وبينما كان ثلاثة من الأخوة من العاملين في مكتب المفوضية بمنطقة الكرخ في بغداد يتجهون في سيارتهم عبر ساحة الطلائع قرب شارع حيفا واذ بمجموعة ارهابية تلاحقهم وتمطرهم بوابل من القذائف فأستشهد ثلاثة منهم بينهم الدكتور حاتم الموسوي نائب مدير مكتب المفوضية لمنطقة الكرخ… لقد صدف اثناء هذه العملية الاجرامية ان يكون احد مصوري وكالة الاسوشيتيدبريس موجوداً في المنطقة فسجل وقائع هذه الحادثة الاليمة جداً ننشرها في الفصل الخاص بالصور في هذا الكتاب. “رحم الله شهداء المفوضية واسكنهم فسيح جنانه”.

لا بد من ملاحظة اخيرة وهي ان زملاء لي شجعوني على تأليف هذا الكتاب والتعبير  عن رأيي فيما حصل في تلك السنوات القدرية واخص منهم الدكتور عبد الحسين الهنداوي والسيد عز الدين المحمدي وهما زميلان عملت معهما في المفوضية.  لقد سمعت منهما، كلما التقيتهما، كلمات  التشجيع لأنجاز هذا الكتاب الذي يساهم في تاريخ مرحلة مهمة من حياة الشعب العراقي. ولابد لي من ان اذكر الأزعاج الذي سببته لزوجتي وعائلتي التي ارادت ان اشاطرها الكثير من المناسبات وابقى معها  الا انني احجمت عن ذلك لرغبتي في انجاز هذا الكتاب قبل بدء العملية الانتخابية في مطلع عام 2010 ثم قررت تأجيل اصداره لفترة زمنية، فلهؤلاء جميعا وللكثير من الأصدقاء الأخرين ومنهم الدكتور نديم الجابري والدكتور باسم متي والسيد حسين التكمجي والدكتور فوزي لازم والدكتور رشيد الخيون، الذين لم يفتأوا، كلما التقيتهم، يستفسرون عن موعد انجاز هذا الكتاب  الذي لا اشك ان الأهواء والأفكار والتجارب التي احملها قد تسللت عبر صفحاته وليس من شك في ان هناك من سيناقض التفسيرات التي توصلت اليها وهذا متوقع طالما ان اراء الانسان ليست معصومة من الخطأ.

وقبل ان اطوي هذه الصفحة يهمني ان اذكر اليد البيضاء للشاعر اللبناني الياس خليل الذي بذل الجهد الخالص فأزاح عن هذا الكتاب بعض مما اعتوره من هنات وزلات لغوية فخرج بصورته الحالية  فله الشكر ووفقه الله وكلأه بعنايته.

فلهؤلاء جميعاً شكري ومحبتي لقد شكلوا، كلّ من موقعه، حوافز لي لأنجاز هذا الكتاب الذي أتحمل وحيدا نتائج نشره او وجود اى خطأ فيه.

ف أ   2009

الأنتخابات و سبل التأثير على الجماهير

لم يخطر ببالي يوماً ان اكون احد المعنيين بانجاز اول وأكبر وأهم ثلاث عمليات انتخابية يشهدها العراق في تاريخه عام 2005  وبعد زوال الحكم الدكتاتوري عام  2003 ذلك لأنني كنت امتلك، ولا ازال، افكاراً رسخت بذهني تفيد بعدم عدالة الأنتخابات في دول العالم الثالث بأشكالها الحالية طالما تتساوى فيها اصوات اشخاص لا يمتلكون القدرة للتمييز بين ما هو غث وما هو سمين ولا ارادة  لديهم   تمكنهم من اتخاذ قرارات مدروسة وثابتة تقوم على اساس التمييز بين مرشح وأخر واختيار الذي يحقق طموحاتهم وبناء مستقبلهم بسبب اندفاعاتهم العاطفية والدينية والطائفية ، وبين اشخاص يمتلكون قابليات عالية من التمييز نتيجة رصانة افكارهم التي تطورت من خلال مراحل التعلم العديدة والتثقيف الشخصي واكتساب المعرفة.

واستطرادا لذلك فلم يعد هناك اي مجال للشك بأن  القوانين الأنتخابية التي تصدرها مجالس النواب في العالم الثالث والتي تحدد عمر الناخب بـ (18) عاماً او (21) دون وضع شروط لحالة الناخب العلمية والثقافية هي قوانين لا تفضي الى قيام برلمانات حقيقية تعكس آمال وأماني الــــــشعب .

لم يعد موضوع التأثير على الجماهير بأستعمال الرموز الدينية امراّ خافياّ على احد ، ولأن   مجتمعات الدول المتحضرة  تمتلك ارادة وقدرة على التمييز اثناء العمليات الأنتخابية  وتشارك فيها على اساس تقييم برامج كل مرشح ، فأن اي استعمال لهكذا رموز في تلك المجتمعات يكاد يكون عديم التأثير بعكس الجانب المقابل وأعني دول العالم الثالث حيث تكثر الأمية ويهبط  المستوى التعليمي الى ادنى درجاته مما يسهل امكانات التأثير بأستعمال الرموز الدينية على نطاق واسع . ان هذه الجماهير، ويسميها عالم الاجتماع الفرنسي الشهير غوستاف لوبون (1) الجماعة” ، تأخذ الخيالات على انها حقائق ثابتة وتنظر الى تلك الخيالات بكيفية واحدة من التساوي، لذلك فأن التأثير الديني-الطائفي المبني على الخيال ،اكثر مما هو على الواقع، يلعب الدور المهم لدى تلك الجماعات وبالتالي يؤثر على خياراتها الأنتخابية.

ويقول العالم الفرنسي ايضاً ان الجماعة منقادة الى العمل من دون ان تشعر، وقد تكون الأفعال التي تصدر عنها كاملة من حيث التنفيذ الا ان العقل لم يكن رائدها ولهذا فان الخطباء الذين عرفوا كيف تتأثر هذه الجماعات انما يخاطبون شعورها دون العقل لأنه لا سلطان لقواعد المنطق عليها(2).

ان الأخذ بالنموذج الغربي (الديمقراطية البرلمانية) في صياغة القوانين الأنتخابية باعتبار التصويت هو حق لكل مواطن موضوع يجب اعادة النظر فيه ودراسته بشكل مستفيض والتفكير فيه ملياً، ويفترض بالمشرعين في الدول النامية ان يأخذوا بعين الأعتبار الواقع الأجتماعي والثقافي ونسبة الأمية والفئات العمرية في المجتمع عند صياغة القوانين الأنتخابية بالذات.

حملات انتخابية

ان المجالس البرلمانية التي تأتي اثر انتخابات تستعمل فيها حملات انتخابية تتركز على اثارة الغرائز والعواطف والتخويف من الماورائيات بهدف قيادة الجماهير الى صناديق الأقتراع، لا يمكنها ان تدعي اية صفة تمثيلية حقيقية للشعب لأن مثل هذه الحملات تعتبر عملية خداع للجماهير لا عملية اقناعها ببرامج واضحة ومعلنة يمكن ان ينفذها المرشح للمقعد الأنتخابي بعد فوزه او حكومة الحزب الفائز بعد تشكيلها.

{  لوبون، غوستاف، روح الاجتماع، ترجمة احمد فتحي زغلول باشا، الطبعة الثانية، المطبعة الرحمانية 1921 ص 23

{ المصدر ذاته ص 48

تهتم الدوائر التي تشارك في العمليات الأنتخابية باللعب بعواطف المصوتين، لا سيما اولئك الذين لا يمتلكون مستوى ثقافياً معيناً، فهؤلاء لهم قابلية للاندفاع والتقلب والغضب وهم العوبة في يد المهيجات كما يقول غوستاف لوبون (1) وان مثل هذا الأمر يحصل في معظم الدول وحتى المتطورة منها.

خير دليل على ذلك ما حصل اثناء الأنتخابات الأمريكية الثانية لرئاسة الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج بوش فقد اذيع عشية الأنتخابات عام 2004 تسجيل صوتي لأسامة بن لادن يحذر فيه الشعب الأمريكي من اعادة انتخاب الرئيس بوش فما كان من جماهير الولايات المتحدة الغاضبة والتي لم تنس ما حصل في نيويورك من تفجيرات الا القيام بالفعل العكسي مانحة اصواتها للرئيس الأمريكي… اما في العراق فقد كان ما يماثل ذلك في الانتخابات البرلمانية في كانون اول 2005  اذ اذاعت قناة الجزيرة القطرية (2) وقبل بدء العملية الأنتخابية بيومين مقابلة مع شخص تطاول فيها بشكل غير لائق على المرجع الشيعي سماحة السيد علي السيستاني لكن ردة الفعل في الشارع العراقي كانت انعكاسية حيث منح الكثير من المواطنين اصواتهم لقائمة الأئتلاف العراقي التي ركزت في حملاتها الأنتخابية على انها قائمة المرجعية…

وتشير مقالة نشرت حول الموضوع  “ان هذا الامر احدث ردود فعل واسعة في الشارع العراقي وادت مقابلة الجزيرة الى تبدل مفاجئ في المشهد الأنتخابي كونها جاءت قبل اقل من 48 ساعة من موعد الأنتخابات. جاءت كالغوث الألهي لقائمة الأئتلاف التي استثمرت هذه الحادثة سياسياً وأدت الى انعطافة في توجيه الجمهور الذي استعاد كل تاريخ المرارة، من الموقف الاعلامي العربي ومن صحافيي “النفط مقابل الضمير” ما دفع ذلك الجمهور للألتصاق ودعم القائمة الأنتخابية التي تماهت لديه بالحفاظ على ثوابته الدينية واحترام رموزه وتناسى في لحظات الهيجان العاطفي كل مآخذه على اداء الحكومة واحباطه منها، بل لم يقف ليتذكر بأن اياد علاوي الذي هوجمت مقراته ضمن هذه الاجواء المشحونة هو نفسه من اغلق مكاتب فضائية الجزيرة في بغداد ورفض اعادة فتحها اثناء حكمه”.(3)

 وبهذا الصدد يقول لوبون : ” أن الجماعة تتصف بغلو مشاعرها التي لاتعرف الشك او التردد وتذهب دائما الى التطرف ، وهي ايضا قليلة المسالمة وميالة الى التسلط والأمرة والمحافظة على القديم وفي خنوعها امام السلطة القوية ، اما أخلاق الجماعة فهي أحط كثيرا من اخلاق افرادها وقد تكون ارقى منها تبعا للمؤثرات التي تتأثر بها وقلما تكون المنفعة باعث العــــــمل عند الجــــــماعة. (4)

بالنسبة للواقع العراقي يمكن القول ان العمليات الأنتخابية الثلاث التي جرت عام  2005 لا يمكن اعتبارها دليل على  ان الشعب العراقي بمعظمه تفهم العملية الأنتخابية وان انتخابات العراق التالية ستكون مشابهة للأنتخابات الكندية او البريطانية او في الدول الراسخة في الديمقراطية .

السبب في هذا الأعتقاد يعود الى واقع التكوين الأجتماعي للشعب العراقي ، كونه من شعوب الدول النامية ، وهو تكوين قبلي ممزوج بمذهبية راسخة مما يعني ان الشخص العادي ، وايضا المثقف في اغلب الأحيان، يبقى تابعا لرئيس عشيرته ينفذ اوامره بطاعة عمياء ومنقادا في ذات الوقت للمذهب الذي ولد عليه ولمرجعه الديني معتبرا ذلك من الأمور التي لا جدال فيها .

{ المصدر ذاته ص 23

{ قاسم، فيصل، الاتجاه المعاكس، قناة الجزيرة القطرية 13/12/2005

{ جابر، حبيب جابر، هل صدام والجزيرة يدعمان قائمة الائتلاف؟ جريدة الشرق الاوسط، عدد 9889 في 25/12/2005 ص 9

{ لوبون : ص 25

 وبالرغم من ان الشعب العراقي اثبت، وبمساحات زمنية محددة ومعدودة ، وعيه وقدرته على التحكم بمصيره السياسي ،الا ان تعميم ذلك على العراق برمته امر غير صائب لأن مثل هذه الحالة كانت مرهونة بالتجمعات المدينية والمدن الرئيسية فقط ، اما  الأرياف الواسعة التي تضم النسبة العالية من السكان فتجمعاتها لازالت ، رغم الهجرة  الواسعة الى المدن، تتصرف بمنطق الجماعة القابلة للتأثر وتصديق بما يقال والخنوع امام السلطة القوية وما نتائج الانتخابات البرلمانية للعام 2010 وقبلها ايضا الا دليل على التغيير الذي حصل مثلاعلى ” الهوية البغدادية “و بقية المدن العراقية الرئيسية ونجاح ترييفها وبالتالي حصول مرشحي الاحزاب “الدينوطائفية” اكثرية  المقاعد البرلمانية .

السبب الاخر الذي دعانا الى الأعتقاد بأنه لم يحن الأوان لأجراء انتخابات حرة ونزيهة، هو ما قاساه الشعب العراقي من عسف وظلم في العهود الماضية مما جعله يتكيف بأستمرار مع هذه العهود ويماليء تصرفاتها وتعود بالتالي ان ينقل البندقية من كتف الى اخر بسرعة ويرقص لمن يصفق له فزالت قدرته على معرفة مصلحته من عدمها ذلك لان هاجسه كان فقط ان يعيش ويحيا .وفعلا نجد ان انتقالات واسعة تمت على هذا الصعيد بعد التغيير الذي حصل عام 2003   ففي الوقت الذي كان العديد من الشخصيات لها مواقع متقدمة ايام حزب البعث وهو حزب غير ديني، نجدهم اصبحوا من المتدينين ومخلصين حتى النخاع لطائفتهم وللحزب الديني او التنظيم الذي يمثل تلك الطائفة .  وقد يكون من سوء حظ العراق وشعبه ان اغلب الطبقة السياسية التي تسلمت الحكم بعد عام    2003 لم تكن تمتلك الخبرة والمعرفة في قيادة البلد، بالأضافة الى  ان بعض الأحزاب السياسية كانت تمتلك افكارا وبرامج لها بعد ديني مذهبي تسبب على مدى الايام في تقطيع اوصال النسيج الأجتماعي العراقي وبذلك تراجعت الوطنية العراقية خطوات الى الوراء لحساب الأفكار الدينية والمذهبية .ازاء كل هذه الاسباب كنا نشعر انه من المبكر اجراء هذه الأنتخابات ، فلم يكن الشعب العراقي مهيئا لقبول فكرة التنافس الحر في انتخابات برلمانية نزيهة ، بل ستكون الأفكار الدينية والمذهبية مسيطرة على الجو العام وهذا ما تم فعلا حيث جرت الأنتخابات على اساس قوائم وائتلافات طائفية فاضحة وكانت نتيجتها بروز فوضى وصراع مرير على السلطة لازال لغاية يومنا هذا.

لقد تنبأ برنارد لويس  بحصول فوضى بعد حدوث تغيير جذري في المجتمعات المحكومة من قبل نظم استبدادية وقال: ” بأن الأسراع بأجراء انتخابات مبكرة في مثل هذه المجتمعات سيـــــــؤدي ، كما حصل في جمهورية فايمار في المانيا (1918-1933) الى صعود اخطر عناصر المجتمع (صعود هتلر عام 1933).

واضاف في مقابلة اجرتها معه الجيروزاليم بوست في 25 شباط- فبراير 2011 ان اجراء الأنتخابات على الطراز الغربي تؤدي الى اتجاه واحد فقط وهو توجه السلطة الجديدة، وبشكل منهجي، لأحتكار السلطة”.

وحول ما يحصل في الشرق الأوسط من حراك قال لويس :” لا ارى حل مشاكل معظم بلدان الشرق الأوسط في ” الطراز الغربي للأنتخابات ” ، انها ستكون ” تفاقم خطير للمشكلة ” حيث ان ذلك الطراز ليس له على الأطلاق اية صلة بالأوضاع في تلك البلدان .

يبدو ان صحة تنبؤات لويس تنطبق بشكل جلي على العديد من البلدان العربية ومنها مصر، فبعد اجراء الأنتخابات الديمقراطية المصرية عام 2012 توجه الرئيس محمد مرسي، وهو ينتمي الى حزب ديني، وبشكل منهجي لأحتكار السلطة من خلال اصدار المراسيم المخالفة للأنظمة والقوانين المصرية وبشكل جعل فرعون يحسده .

ويقول الكاتب السوداني الحاج وراق :” ان الديمقراطية والعملية الأنتخابية هي اكثر بكثير من مجرد صندوق اقتراع … انها ثقافة محفورة في صندوق العقل قبل ان تكون في صندوق الأقتراع ” (1).

ويضيف الحاج وراق :” لا يمكن لأحدهم ان يتحدث عن الحرية في ظل غياب حرية العقول ، ان مأساة دول العالم الثالث ومنها العربية  هي عند سقوط الأنظمة الأستبدادية يتم حصد الثمار من الحركات التي تنادي بالعقول المغلقة اكثر من التفكير الحر مما ادى الى ان تكون النتائج عبارة عن انظمة اسوأ من تلك التي تم اسقاطها .

يقول احد المفكرين العراقيين :”ان الذين يحرصون على رؤية عراق مستقر لديهم سبب وجيه للأعتراض على عقد انتخابات مباشرة في الفترة الأنتقالية ، فالأنتخابات المباشرة يجب ان تمثل النتاج النهائي وليس المرحلة الأولية لعملية التحول الديمقراطي والعراق مثل الكثير من المجتمعات الأخرى تعرض للدمار الأقتصادي في اعقاب الحرب يعاني من ويلات العنف ويزخر بالسلاح ويفتقر الى وجود طبقة سياسية ناضجة من ذوي الخبرة في حل النزاع وبناء توافق الأفكار.

في اجتماع ضمنا ، نهاية عام 2004 مع احد اعضاء مجلس الحكم الذي اسسه بريمر قال:” عندما تحدث خبراء الأمم المتحدة مع اعضاء مجلس الحكم  حول الأنتخابات لم نكن نفهم معظم المصطلحات التي يذكرونها ، فكان من الصعوبة فهم معنى القائمة المفتوحة والقائمة المغلقة والنظام النسبي و”الهيركوتا” و”السان ليغو” وغيرها من المصطلحات الجديدة علينا” .

واضاف عليكم انتم في المفوضية شرح كل ذلك للسياسيين والمرشحين للأنتخابات. وفعلا فقد تسلمت المفوضية في بداية عهدها ولاسيما اثناء التحضير للأنتخابات الاولى سيلا من الاسئلة التي تطلب تفسير معنى “الكيان السياسي” والقائمة المغلقة والنظام النسبي وتسجيل الناخبين وكيفية جمع وطرح نتائج الأنتخابات الى ما شابه ذلك من اسئلة تعتبر في العديد من الدول من يديهيات العمل الأنتخابي- الديمقراطي.

نموذج اداري

لقد تم كل شيء على عجل وحتى طريقة تشكيل المفوضية تمت بشكل غير مدروس ولا تتلاءم مع النموذج الاداري المعروف في العراق… لقد استنسخت الامم المتحدة هذا الشكل من تجارب اعترفت هي انها لم تكن كاملة واتت بها الى العراق، هذه التجارب التي طبقت في كوسوفو وافغانستان وتيمور الشرقية وغيرها من دول العالم الثالث(2).هناك من يقول ان الأنتخابات حصلت ونجحت (وكان الرئيس الامريكي السابق جورج بوش اول من قال ذلك) ولكن حقيقة الأمر  انه نجاح ناقص حيث لم يستطع الشعب معرفة من ايد ومن انتخب وبذلك غابت امكانية محاسبة النواب من خلال عدم انتخابهم في المرة التالية وهذا الواقع مكن الكثير من النواب اعادة انتخابهم مرة اخرى رغم انهم لم يقدموا اي شيء لناخبيهم . لعبت العديد من العوامل، وبعضها لم يكن في الحسبان، دورا اساسيا في مشاركة الجماهير في العملية الأنتخابية ومن هذه العوامل ما يتعلق بخلط الجانب-الديني المذهبي بالتوجه المدني الديمقراطي في مسار العملية الأنتخابية، لقد قصد الملايين من العراقيين صناديق الاقتراع وهم مدفوعون ليس بفكرة “ممارسة حقهم الديمقراطي في الأنتخاب”، بل لاداء “فرض ديني” بضرورة الأنتخاب والا كان نصيب من لا يفعل ذلك “نار جهنم”  وبهذا التوجيه والتوجه استفادت كيانات سياسية واحزاب معينة ذات فكر ديني وحصلت على اصوات ومقاعد اكثر مما كانت تحلم به .

يتبع

مشاركة