(الزمان) تنفرد بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر عزيز السيد جاسم

661

منذ تغييبه سنة 1991 يعود بنتاج جديد …  لماذا الفلسفة ؟ (1)

(الزمان) تنفرد بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر عزيز السيد جاسم

بغداد – الزمان

تنفرد (الزمان) بنشر أول كتاب غير مطبوع للمفكر الشهيد عزيز السيد جاسم بعنوان (لماذا الفلسفة؟) ، وكان المفكر قد انجز مسودته وهو ما يزال في عامه التاسع عشر حين كان طالباً في دار المعلمين الابتدائية في مدينة الناصرية بلواء المنتفك.

ويقول الأديب والناقد شكيب كاظم رئيس قسم التصحيح في جريدة (الزمان)  الذي كلف في وقت سابق بالاشراف على قراءة وتصحيح المسودة التي خص بها الجريدة الكاتب والصحفي علي عزيز السيد جاسم في معرض قراءته للكتاب ان (الكتاب فلسفي ، تعجب لطالب لمّا يبلغ العشرين من عمره ، وقد احتجن كل هذه المعلومات والأفكار ، تعجب لهذه القراءات الثرة والثرية ، في هذا العمر المبكر ، فلا يكاد فيلسوف غَرَب عن ذهنه وعن مطالعته : بيكون ، كنت ، ديكارت ، هيوم ، ليبينتز ، وماركس وانجلس ، والأحدث ، سارتر وكامو وهوسرل ، فضلاً عن القدماء ، سقراط وافلاطون وارسطو ، ودراسة عميقة لفيلسوف القوة والعنف الباحث عن السوبرمان ، الإنسان المثالي ، أعني (فريدرك نيتشه) ولقد وقف طويلاً ، عزيز السيد جاسم ، إزاء الحاد نيتشه وتجديفه ضد المسيح والمسيحية فهذا الداعي لسيادة القوة لا ترتضيه وداعة السيد المسيح ، ومحبته للناس أجمعين.

واذ سبق لـ (الزمان) ان افردت عشرات الملفات عن المفكر المغيّب عزيز السيد جاسم وخصصت جائزة ابداعية سنوية بأسمه تعنى بالشعر والنقد والقصة واستمرت لثماني دورات ، فإنها تفتح اليوم نافذة جديدة عن ابداعه وتيسير نتاجه بين يدي القارئ لما له من افادة معرفية قيمة.

من هو الفيلسوف؟

غالبا ما تثير كلمة فيلسوف الرهبة الغامضة او السخرية، فالذين يبالغون في تمجيد الفيلسوف يعتبرون الفيلسوف مخلوقا علويا او كائنا سماويا ينظر بعينين لا كعيون الناس وله مخ من ذهب وهذا التقديس الخاص للفيلسوف بني على مفهوم خاطئ لاهمية الفيلسوف ودوره وهو إقرار منا بانتشار الجهالة والجمود الفكري والخضوع لآفة التقليد والتقاليد وارثهما الثقيل الظلام والغيبوبة وهناك من ينظر الى الفيلسوف بسخرية واستهزاء وكثيرا ما تكون التصرفات المتطرفة والمتضادة اشكال لجوهر انفعالي واحد ولدينا الان امثلة واقعية كثيرة لا تعد ولا تحصى عن التعظيم المبالغ به للفيلسوف وكذلك امثلة اكثر تبين الى أي حد يهان الفيلسوف.

من هو الفيلسوف اذن؟ انه أولا وقبل كل شيء انسان.. انسان مثلنا له عقل وحواس، اما اختلافه عنا فهو في تأملاته واستغراقه الدؤوب من اجل ارواء ظمئه للمعرفة والادراك ومن اجل التوصل الى فهم كامل وصحيح لكل الأشياء والتي جاء الى الوجود فوجدها موضوعة امامه بهذا النسق الخاص، بغية ان يساعده هذا التفهم الصحيح على تبديل كل عتيق روئ بجديد جيد.

وفي الحقيقة ان الفيلسوف ينبغي ان يتزود بمواد خام لافكاره، فكما ان المواد الخام تعتبر الأساس في كل صناعة واختراع فكذلك لابد للفيلسوف ان يمتلك هذه المواد ليستطيع تصنيف ما يستفيد منه ويستعمله وما لا فائدة فيه وهذه المواد الخام لا ينالها الفيلسوف الا باجتماعيته ولا اقصد بالاجتماعية هنا الاختلاط والمجاملة والعيش بين الناس فحسب بل اقصد اعتبار المجتمع وسعادته الغاية التي ينبغي ان تكون نصب عين الفيلسوف، انعزالية الفيلسوف لفترة معينة ليست عيبا او نقيصة ما دامت محسوبة فترة حضانة لافكاره الوليدة المنبثقة، ولكن مدة الانعزال والانطواء النفي قليلة في حياة الفيلسوف الذي يعيش حياته بصدق وعمق وبحث وتساؤل.. فهو ابدا بين الناس ومع الطبيعة، ينظر لكل عملية ولادة ويرقب كل عملية احتضار وموت ويشاهد أنواع الصراع، وهو بقريحته المتفتحة وعقله المتوقد يعلل ويفسر ويحاكم.

اما الغرابة في حياة الفيلسوف فهي ليست امرا متعمدا او افتعالا القصد منه اسباغ مظهر خاص على شخصية الفيلسوف لاجل ان يشار اليه بالبنان وانما هي نتيجة لغربة الفيلسوف واحساسه أحيانا بالانفصال عن الاخرين ولان مشاعر عدة وغريبة تغزوه، فهو مثلا يحس بالغربة لانه محاط أينما توجه بعقول متأخرة ومظاهر سلوكية لا يقرها، انه يريد ان ينظم العالم من جديد ووفق نظرياته وافكاره، ولكن العالم لا يرضى، ثم ان التناقض الملحمي الذي نتناساه دائما او نأنف من ذكره مع انه عتيد ازلي الا وهو ما يبذله الفيلسوف والعالم من جهد مرهق عسير من اجل معرفة كنه وحقيقة أشياء بسيطة وعادية دون ان تؤثر بها أفكار هذا الفيلسوف او تغير من حقيقتها.

فلو ان الفلاسفة والعلماء قالوا ان الأرض اسطوانية او مكعبة او متوازية الاضلاع.. فانها تبقى هي هي سواء تكلم الفلاسفة ام لا، كما ان الفيلسوف قد يتساءل عن كنه الحجر.. ما هو وما طبيعته وما كيفية نشوئه ولكن الحجر لا يتحول عشبا بل يبقى هو هو مهما تساءل الفيلسوف ومهما كتب والف.

ثم ان هناك المجتمع الذي يعتبر كل مفكر جديد او صاحب وجهات نظر مبدعة حديثة، مارقا او كافرا لانه يمزق الحجب ولو انها اعمت بصيرة الناس ولكنهم اعتادوا عليها لذا فأنهم لا يرغبون بتمزيقها ولهذا السبب فانهم يصبون جام غضبهم على الفلاسفة الذين لم ينقادوا وراء الضلال والخطيئة بل تمردوا وجابهوا المجتمع بصراحة وهكذا كثيرا ما يكون الفيلسوف غريبا في مجتمعه لانه لا يفهمه وغريبا في بيته لانه مع أفكاره وغريبا عن نفسه لان أفكاره أوسع من ان يضمها جسده الصغير والان هل ان ثمة علاقة تربط بين حياة الفيلسوف وفلسفته؟ طبعا هذا امر بديهي لان الفلسفة هي نتاج حياة الفيلسوف، فالفيلسوف مهما حاول ان يشغل نفسه في أمور غريبة بعيدة عن ذاته ونفسه فهو يعبر بالضبط عن ذاته ويخرج فورانها وتطلعاتها على هيئة تحليلات فلسفية، كما وان حياة الفيلسوف تؤثر على مدى انتشار فلسفته، فان تقلصها وتوسع مجالها مرهون بنشاطه ومثابرته وهمته وكلما اصطبغت حياة الفيلسوف بالطابع المأساوي فانه يكون اقرب الى العطف والتقدير ومن ثم الفهم ولنا في حياة كل فيلسوف امثلة نحتذي بها، فهذا سقراط لم يهتم بغده ولم يفكر بالعيش بل شغل نفسه بين مبادئه وأفكاره مجتمعا مع تلاميذه في أروقة اللوقيون لانه كان مؤمنا بان الشباب هم قوة الحياة وعليهم وعلى قوة عقولهم وسواعدهم تتقرر التبدلات الجذرية والخطيرة.

لقد كان سقراط يقول لتلاميذه دائما (حددوا الالفاظ التي تستعملونها) ولم يكن قصده في ذلك الا ان يسلمهم المفتاح الذي بواسطته يفتحون كل ما يستعصي عليهم وان زوجته (زانتيب) تقول عنه بانه رجل جلب لاسرته شهرة اكثر من جلب لها خبزا، وطبعا لم تكن تلك الشهرة ما يبتغيه سقرط نفسه بل انها إرادة الأجيال والتاريخ جاءت على لسان زوجته، ان هذا يعد من أروع معاني الفداء والإخلاص للقضية الفلسفية، شخص رث الثياب فقير الحال جائع يهتم بايصال الحرف لافواه الاخرين، حقا ان هذا نكران الذات والتسامي من اجل المعرفة الحقة الخالصة ومثل اخر نأخذه درسا من حياة سقراط انه غامر بحياته وخاطر بها من اجل انقاذ تميذه (السيبياديز) في احدى المعارك، والمثل الرائع الذي سيظل ابدا يبهر كل العقول عندما تقدم سقراط الى الموت بخطى ثابتة دون ان يطلب العفو ودون ان يوافق على مساعدة أصدقائه لاجل إنقاذه.

لقد رأى سقراط بانه اتم رسالته وقال أفكاره فلم يعد من داع لان يتهالك من اجل الحياة كان قد فقد حياته من بعيد، ان أفكاره وحدها هي التي كانت تجعله ينطق وينظر وينصت ويحس فليمت هو مادامت أفكاره قد سمت وانتشرت، وتقبل الموت بكل بساطة بقلب ثابت وقدم راسخة وايمان مشرق مهيب.

هذا اول فيلسوف عظيم وأول شهيد للفلسفة.. ويحق لنا ان نتساءل هل انه حافظ على تواضعه ام ان الغرور والعجرفة والزهو الذاتي كان يملأ اعطافه؟ لنسمعه يقول.. ماذا يقول (اني اعلم شيئا واحدا وهو اني لا اعلم شيئا). واترك هذا لمحبي الفلسفة ليأخذوا القدوة المثلى في التواضع الجم وفي التقدير الحكيم للمعرفة والعلم.

ان صفة الغرور وانتفاخ الاوداج هي صفة شاذة وغريبة عن الفيلسوف الحقيقي، كما وان الخيانة والإساءة واحتقار العامة من الأمور التي تسيء الى سمعة الفيلسوف وتنقص وتحط من أهمية وقيمة فلسفة. ان بيكون عندما يقول (لقد أصاب (فوقيون) حين ابدى الدهماء اعجابهم به في احد مواقفه فتساءل: ترى أي خطأ اتيت؟) فانه بذلك يلصق بنفسه نقيصة غير مشرفة على أي حال، كما انه بخيانته لولي نعمته (الأرل اسكس) واستغلاله منصبه في القضاء واتهامه بكل الاتهامات حتى حكم عليه بالموت وهو المحسن اليه وصاحب الفضل الأكبر عليه، خلق لفلسفته خصوما عديدين نظروا اليه باحتقار بالغ حتى انهم جردوه من أي فضل على الفلسفة واعتبروه دعيا خلق حول نفسه ضجة اكثر بكثير مما يستحق.

ان الفيلسوف الحقيقي لن يكون فيلسوفا ما دام لم يتخط تلك الصغائر والدناءات الموروثة اجتماعيا، انه قبل ان يعلن على الملأ فلسفته عليه ان يعلن انتصاره على ذاته بحيث يستطيع ان يجعلها ملكا له وحده فيوجهها انى شاء في طريق سلوكي مهذب وهنا يستطيع ان يمنح حياته لافكاره وتبدو الغبطة والسعادة الحقة في نكران الذات والتضحية المثيرة الدائمة من اجل منح اجنحة حقيقية تنشر أفكاره واراءه في كل الأجواء، ان الفيلسوف الجدير بالتبجيل والذي هو اهل للاحترام هو ذلك الذي لا يتنصل عن فلسفته بل يدافع عنها في كل ظرف وآن وفي كل مكان دون ان يتراجع عما امن به ودعا اليه، ان الفيلسوف (جيوردانو برونو) لازال التاريخ وسيظل ذاكرا باعجاب بالغ جهاديته في سبيل مبادئه التي قادته الى محكمة التفتيش التي حكمت عليه بالموت دون ان تراق قطرة من دمه فأعدم أحراقا بالنار، ان أفكاره ولو اننا نراها الان ليست بتلك الدرجة من الجدة والحيوية لكننا نقف عند ذكرها كثيرا وكثيرا لانها فلسفة لفيلسوف لم يستطع ان يعيش مع التخلي عن فلسفته.

وهنا فان الفيلسوف اذن بعد ان يكون قد جعل من المعرفة سلاحا لكشف ذاته أولا ثم لكشف كل القضايا الطبيعية ثانيا فانه يجعل تلك المعرفة خلاقة انشائية هدفها أسعاد المجتمع وخيره العميم وهو بهذا لا يكون راهبا منعزلا مبتعدا عن الناس بل انه كأفلاطون يبحث عن المعرفة في كل فج وصوب، او لم يغادر افلاطون أثينا سنة 399 ق.م وعاد اليها سنة 378 ق.م رجلا في الأربعين من عمره؟ او لم يذهب الى مصر ثم الى صقلية ثم الى إيطاليا؟ او لم يقال انه وصل أيضا الى ضفاف (الكنج) وكذا اجتمع بكثير من فلاسفة الهنود؟ هنا الفيلسوف الحقيقي، ليس القابع في بيته مكتفيا بما يكتبه على الورق هو الفيلسوف الناضج. ان النضوج والحكمة والدراية والخبرة التي لا غنى لاي فيلسوف عنها لكي تكون فلسفته متكاملة، ان هذه الصفات كلها لا تأتي الانسان الا بالسفر والتجوال والملاحظة والعمل والاستقصاء فمن يجوب الافاق ويبحث عن العمل وينتقل بحثا عن الحقيقة من مكان لمكان ومن يجعل حياته وثروته رخيصة هينة بالقياس الى عظمة وقيمة فلسفته هو وحده الذي يستطيع ان يقدم لنا فلسفة تحمل حقا معاني الفلسفة الهادية.

وقد يتساءل شخص ايشترط في الفيلسوف ان يكون من اسرة نبيلة المحتدُ من اسرة ارستقراطية رفيعة؟ وفي الحقيقة ان هذا تساؤل مضحك، فمادامت أبواب المعرفة والحكمة مفتوحة لمن يلجها، فليس هناك اذن فرض بكون الفيلسوف من اسرة وجيهة الحسب والنسب، ان البسطاء الذين نراهم يوميا يملأون الازقة والدروب والحارات، والذين يأكلون دون ان يفكروا لماذا يأكلون ان هؤلاء لو تهيأت لهم مجالات العلم والتعلم والدراسة لتمكنوا على الاقل من إيجاد افضل الأجواء التي تنبت الفيلسوف والفلاسفة.

ان وجهات النظر القائلة بان الفلسفة (هبة الهية) او بأنها (ذكاء فطري موروث) انما هي وجهات نظر ضيقة الأفق خبيثة المآرب القصد منها خدمة أفكار معينة وهدر كل الأفكار الجديدة المغايرة، فالفلسفة ليست قصرا على فئة او جماعة او انفار معينين من معدن مختلف، بل الفلسفة هي ملك للجميع ومشاعة للكل وهي ليست مجرد حاجة انما هي نتيجة طبيعية كطبيعة انكسار الزجاج في حالة غسله بالماء البارد. ان العقل الإنساني الذي يستهدف الاحاطة بالمعرفة والذي امتاز بقابلية الحركة الفكرية الدائمة المستمرة هو الذي يروم إيجاد النتيجة الجوابية للتناقض الازلي التليد بين المعرفة واللامعرفة.

      الفلسفة معدة مفكرة ناطقة

كما ان محتوى الفلسفة اصبح مثارا لجدل عنيف وتصادمات فكرية متعددة فوجدت المصطلحات والرموز والمبادئ والفرق والتجمعات، كذلك فأن (معنى الفلسفة) اصبح مثارا لجدل اعنف ولفه غموض وابهام جعل الكثيرين في حيرة وذهول من هذا التشعب اللامحدود في تفسير شيء محدود.

وفي الحقيقة علينا وقبل كل شيء ان نوضح حقيقة وجود ضربين من الأفكار حول الفلسفة أولهما يعتبر الفلسفة والتفلسف من اجل الفلسفة، وثانيها يعتبر الفلسفة وسيلة لغاية اعم واشمل.

والذين يعتبرون (الفلسفة من اجل الفلسفة) انما يأتون بادلة اسمية تخضع للخداع الجدلي اكثر مما تخضع للحقائق العلمية وافكارهم تلك لا تصمد امام الرأي المتعارف عليه، ولذا فان تفسيراتهم ملفعة بالغموض وبصفات الانتفاء العلمي، وهم بهذا الشكل انما يزعزعون مكــــــانة الانسان ووجوده الذي يعتبر جوهرا لكل الموجودات الأخرى، انهم يضــــــفون حالة من التقديــــس على الفلسفة لا لشيء الا لغرض اعتبـــــــار الانسان وسيلة لا غاية فيخفون تحت هذا الستار احتقارهم الوضيع للإنسان.

ومن باب اخر فأن شعار الفلسفة من اجل الفلسفة قد يكون سلاحا حادا بيد أعداء الانسان، اننا لو رأينا عددا يحاربنا بسلاح حديث ونحن أيضا مزودون بسلاح اخر مثله او اقوى منه، وجاءنا شخص وطلب منا ان لا نستعمل السلاح الذي بأيدينا لانه لم يخلق للاستعمال بل خلق ملهاة او عبثا او لغاية في نفسه لا يعرفها الا هو، فمعنى ذلك ان هذا الشخص يهيئ للعدو إمكانيات النصر المبين ضدنا.

ان الفلسفة سلاح عملي، وان تجريدها من هذه الصفة انما هو محض اصطناع، بل ان هذا الرأي الديماغوغي نفسه هو في ذاته اخضاع للفلسفة ولكن لمآرب هزيلة كسيحة.

ان الفلسفة من اجل الانسان هو شعار الجد والعمل والواقعية الموضوعية المنصفة، ان الانسان الهمجي العاري ذي الشعر الكثيف والاظافر الطويلة ذلك الانسان الذي لم يعرف سقفا يظله ولا فراشا يرقد عليه، ويجهل معنى الاسرة والمجتمع والمستقبل، وينظر للكون العظيم وهو جاهل به لا يدرك حقيقته، ان هذا الانسان لم يصل الى تلك الدرجة الحضارية الراقية وذلك التقدم المطرد في الطب والعلم والصناعة والزراعة وتلك الرغبة الجياشة في امتلاك المستقبل، ان الانسان لم يبلغ ذلك كله الا بتعقله المستمر وخوضه غمار المعرفة وتبديده قوى الجهل الظلامية المتلبدة فما سلاحه في اكتشاف النار والزراعة والتدخين؟ وما سلاحه في معرفة كروية الأرض وما سلاحه في إيجاد الكهرباء؟ وما سلاحه في مقاومة الأرض؟ هل انه استعمل الحجر سلاحا له في تحقيق ذلك كله، ام ان سلاحه في زعيقه الطرزاني الوحشي؟ لا.. ثم لا.. ان سلاحه هو المعرفة ، العلم.. الفلسفة، فالانسان اذن جعل من ذلك كله وسائل لتحقيق انسانيته.

وإنسانية الانسان ما هي؟ وهل لها وجود قبل تحقيق الاكل والشرب واللبس والسكن ومن ثم النظم الاجتماعية والسياسية المترتبة على ذلك؟ ان انسانا جائعا لا مأوى عنده، تزهقه التعاسة ويعضه الفقر بنابه، وان تأتي اليه لتلقي عليه محاضرة طويلة في الاخلاق والخير والفضيلة والعدالة اتنتظر منه ان يقول لك بأنك احسنت صنعا وقد دخل التهذيب الى تجاويف كيانه؟

وان انسانا لم يأكل منذ ثلاثة أيام، وهو على حاله يرتدي ثوبا مرقعا، هل تحلم بأن يعطيك هذا الانسان فلسفة تمنحك المعرفة والادراك والراحة النفسية؟

لا.. وايم الحق، فأن هذا اكثر من كثير، ولتأخذ صورة أخرى.. هذا طفل حديث الولادة.. انه يصرخ طالبا غذاء، فهل نمنحه كوبا من الفلسفة؟ او قدحا من النظريات؟ طبعا لا.. انه يحتاج الى غذاء، انه كله معده والعقل لا عمل لديه، لانه لايزال في طور النمو الأول، والمعدة هي التي تتكـــــــلم وتصرخ وحدها، فالمعــــــــدة هي أولا وقبل كل شيء، لان الانسان طفل في حدود البرهـــــــة الزمنية وطفل حسب القياس الزمني الانثروبولوجي.

يتبع

مشاركة