(الزمان) تعارف متزامن مع الأعداد الأولى

(الزمان) تعارف متزامن مع الأعداد الأولى

منبر حر للمعارضة في الخارج

عراقية تتقدم الجرائد في جميع المراحل

رزاق ابراهيم حسن

كان الحصار المفروض على العراق قد بلغ في عام 1997 أسوأ مراحله واشدها بؤسا وتشاؤما وظلاما، اذ جاء بعد حربين متروسين وواسعتين ومدمرتين ازهقتا أرواح مئات الالاف من العراقيين وكبدتهم مئات المليارات من الدولارات، وكان العراقيون يأملون انفراج الأوضاع والحصول على مرحلة يسود فيها الاستقرار والبناء بعد حرب الخليج الأولى، واذا بالثانية تطبق عليهم بعد فترة قصيرة من انتهاء الأولى، حيث كان الحصار الذي جاءت به الحرب الثانية ينهك الاقتصاد والناس، ويدفع بالدخول والرواتب الى ادنى الدرجات ويغلق أبواب الحدود على التجارة المتكافئة مع البلدان الأخرى، وفي هذا المناخ الذي لم يعرف العراق ومعظم البلدان له مثيلا كان اغلب العراقيين يتطلعون الى الخروج من بلدهم والسفر الى البلدان الأخرى التي يجدون فيها عملا وسكنا، وقدرة على العيش المناسب والكريم. ومن ضمن العراقيين المتوجهين الى السفر منذ عام 1997 والاعوام السابقة واللاحقة من الحصار الكثير من الادباء والكتاب والصحفيين الى الذين هاجروا قبلهم ولم تكن الأسباب الاقتصادية وحدها من دوافع الهجرة وانما كانت هناك أسباب أخرى تتمثل في تقليص حرية التعبير المحدودة، حيث كانت الصحف القليلة العدد تصدر بصفحات قليلة، وهي صفحات مكرسة لخدمة النظام في المقام الأول وخدمة سياسته وكان العمل في هذه الصحف لا يسد ادنى الاحتياجات، وهذا ينطبق على رواتب واجور الموظفين والمتقاعدين واغلب الشرائح والفئات. ومع انني حصلت على اسفار بلدان اوربية وعربية الا انني لم اضع امامي فكرة الخروج من العراق، فقد كنت اسافر وفكرة الرجوع للعراق نصب عيوني فقد سافرت وحدي الى المانيا وهنغاريا وتركيا واتيح لي ان استرجع علاقتي القديمة مع أصدقاء من مدينتي النجف من زمن الطفولة والشباب، وقد حاولوا اقناعي بالبقاء في المانيا وطلب اللجوء فيها، ولكنني لم استجب لذلك بسبب بمرض زوجتي، وضرورة العودة بالبقاء الى جانبها، وقد حدث ذلك قبل ثلاثة اشهر من صدور قرار بمنع السفر، كما انني رشحت للسفر من الاتحاد العام لنقابات العمال ونقابة الصحفيين مرات عديدة، وخطر ان أقيم في بعض البلدان سواء بالحصول على عمل او عن طريق اللجوء ولكنني لم اقدم على ذلك، فقد وجدت ان من غير اللائق والمناسب ان اخلق مشكلة للجهات التي وثقت بي ورشحتني للسفر، كما انني شديد التعلق ببغداد.

طيبات السفر

 واتصور انني لا استطيع العيش بدونها وكنت احن الى بغداد في اسفار لا تستغرق سوى أسبوعين وهي اسفار يتوفر فيها كل شيء من طيبات السفر فندق جميل وطعام جيد، وجولات سياحية ولقاءات مع أصدقاء من بلدان عربية مختلفة واشغالات مفيدة في ندوات ودورات عن الثقافة العمالية وعن الحركة النقابية ومواضيع ثقافية أخرى. ولم اكن في العراق مرفها وبموقع يتيح لي ما اريده واتمناه، ولم اكن حزبيا او سياسيا لابتعد عن السفر، بل كنت اعمل في مكان متواضع جدا في أعلام الاتحاد العام لنقابات العمال وقبله في مجلة (وحي العمال) وكنت اكتب مقالات أدبية في الصحف العراقية، واكتب تحقيقات وحوارات لصحف عربية تواصلا مع بداياتي واهتماماتي الأدبية، وكانت بعض المقالات تحصل على مكافآت كانت عائلتي في اشد الحاجة اليها في ظروف الحصار الجائر. ولعل هناك من يسأل: كيف ترشح للسفر وانت بهذا الموقع المتواضع؟ ولم تكن على صلة تنظيمية بحزب البعث وسلطته؟ واجيب دون مبالغة: انني من الذين يحاولون سد فراغ في المؤسسة التي اعمل فيها دون منافسة مع احد، ودون الدخول في مشاحنات وافتراءات، كما انني أحاول ان أكون مقبولا او متميزا في أداء أي عمل اكلف به، واكون قادرا على أدائه وكنت إضافة الى ذلك لم ارتكب أي تصرف يجعلني موضع شك وسوء ظن، واعتقد ان هذه الأسباب تجعل الجهات التي اعمل فيها تقدم على ايفادي للمشاركة في ندوات ودورات ثقافية وصحفية ونقابية ولكنني وجدت في واقع شديد القسوة والالم والحزن والضغط ووجدت ان جميع الاواب قد أغلقت.  وان أمورا لم تعد تطاق وان علي ان اغير وضعي وان ابدأ خطوة جديدة، وذلك لا يمكن تحقيقه في العراق واطبق عليه الحصار من جميع الجهات، والذي يعين يوما التهديد بالعدوان عليه، وتعزز حصاره وبدأت المصائب والكوارث، انا  امارس الكتابة ولي مؤلفات فيها شعرا ونقدا تاريخيا وان الادباء والكتاب كانوا يهاجرون البلاد باعداد كبيرة فقد اخترت ان انضم الى هؤلاء المهاجرين وكنت افترض ان بامكاني الحصول على عمل في الأردن فقد سبق ان نشرت مقالات في الصحافة الأردنية ونشرت فيها بعض التحقيقات، كما انني امتلك تاريخا طويلا في الصحافة العمالية وهي مؤلفات عن العمل والعمال والحركة النقابية فضلا عن اصداري بعض الكتب النقدية والمجموعات الشعرية وهي علاقات مع ادباء عراقيين وفلسطينيين ويمكنني العمل في اقسام الاخبار والصحافة الثقافية والتحقيقات، ولم اعلن اية اهداف سياسية لاقدامي على السفر وانما قدمت استقالتي للاتحاد العام للعمال وعلمت من رئيس الاتحاد فاضل محمود وكان معروفا بمساعدة الاخرين ان يزودني برسائل الى قيادات الاتحاد العام للعمال الى الأردن لمساعدتي في الحصول على عمل وكنت افترض انني معروف لدى صحف الاتحاد لانني أنجزت كتابا بتكليف من منظمة حزبية عن عمال الأردن ويعد من المراجع المهمة في هذه المجال ولكنني عندما راجعت مقر الاتحاد وقابلت بعض القيادات ولم احصل على جئت به ولم يحدث ذلك لانني غير معروف وانني ابالغ في تقدير إمكانيات وانما كان الاتحاد يعاني من ازدياد حجم البطالة ولأنه لا يصدر اية صحيفة ناطقة باسمه، وقد راجعت عددا من مقرات الصحف وتوسط لي بعض الأصدقاء العاملين فيهان وقيل لي انهم غير مسموح لهم بتشغيل أي صحفي او عامل عراقي وان العمل بقتصر على الأردنيين فقط. وكان النشر في الصحافة الأردنية شحيحا اذ يمكن ان تتأخر المادة الواحدة لشهر او لثلاثة أسابيع حتى يتم نشرها، وذلك ما يتعلق بالنشر في مجلة أفكار التي نشرت لي عددا من دراسات ومقالات وبعضها نشر بعد رجوعي من عمان الى بغداد وكنت افترض ان احد الكتاب وهو شاعر أيضا ويشرف على الصفحات الثقافية في جريدة اردنية تعد من اهم الصحف في الأردن، كنت افترض انه سيعجل في نشر كتاباتي خاصة وانه كان في العراق وكنت انشر له اكثر من مادة في العدد الواحد من مجلة وعي العمال من اجل ان يحصل مكافآت لمبالغ كبيرة، وقد نشر لي بعض المواد في صفحاته الثقافية ولكنه من جهة أخرى لا يقدم على نشر مادة الا بعد مواعيد كاذبة، اذ اتصل او ازوره للاستفسار عن موعد نشر احدى المقالات او القصائد ويقول انها تنشر غدا ويأتي الغد ويتكرر الموعد  عدة مرات واشتري الجريدة بعدد هذه المرات واعاتبه على تصرفه في الهاتف والزيارة وذلك يتطلب صرف مبالغ مهمة جدا للغريب المقيم في عمان، ولم يكن الادباء والكتاب جميعهم بهذه الصورة وانا وجدت بمن تعرفت عليهم الحب والتقدير والتعاون وفي مقدمتهم الروائي وقد نشرا بعض المقالات الأدبية والتحقيقات الصحفية في بعض الصحف الأردنية ولي علاقات مع ادباء وصحفيين أردنيين وفلسطينيين.

تاريخ طويل

 كما انني امتلك تاريخا طويلا من العمل في الصحف العمالية وطلبت للعمل في الصفحات والصحف المكرسة للعمال وحركتهم النقابية، وعندما وصلت عمان واقمت فيها وجدت ان كل هذه الافتراضات وهمية ولا صحة فيها، فقد راجعت الاتحاد العام لعمال الأردن واتضح لي انه لا يصدر صحيفة معينة وانه يعاني مشكلة البطالة حيث تعم اعدادا كبيرة من العمال وحتى الصحفيين وراجعت عددا من الصحف باحثا عن عمل وتوسط لي بعض الأصدقاء من الادباء والكتاب لايجاد عمل لي وقيل لي انهم لا تشغيل أي عراقي لان الجهات العليا تمنع ذلك وفوجئت ان الذين اجدهم أصدقاء من العاملين في الصحافة الأردنية لا يحضرون على النشر وقد تتأخر المقالة شهرين او اكثر او اقل من ذلك لكي تأخذ طريقها للنشر.

نشر سريع

 ويحدث أحيانا ان يتم النشر بسرعة وقد صدمت من تصرفات احد المشرفين على الصفحات الثقافية في عدد الصحف الأردنية، اذ كان يعمل في العراق وكنت اكثر من انشر له في مجلة وعي العمال الراحل مؤنس الرزاز وزياد أبو لبن وجهاد خميس والمرحوم محمد القيسي واخرين. ولم ولن تأت الأمور كلها بهذا المستوى من التشاؤم وخيبة الآمال وانما كانت الزمان ومؤسسها ورئيس تحريرها الأستاذ سعد البزاز في انتظارنا اذ تعرفت عليها عند باعة الصحف ودلني عدد من الأصدقاء وبالذات الشاعر كاظم الحجام واخرون فزرت المقر وهو يقع في احدى العمارات وتعرفت على زائريه والعاملين فيه ومن ضمنهم الناقد الكبير محمد مبارك وهادي ياسين وعيسى الياسري واخرون لا اذكر أسماءهم وفي اليوم التالي قيل لي ان الأستاذ سعد البزاز يريد الاتصال بي هاتفيا في موعد حدد لي عصرا وهاتفني مرحبا بي وباسهامي في الجريدة وانه ارسل لي مبلغا متواضعا لان الجريدة في ظرف صعب وستصلني مبالغ أخرى في اقرب فرصة. والحقيقة ان العراقي القادم من العراق الى عمان او أي مكان توزع فيه الزمان يجدها متقدمة على الصحافة العراقية في كل مراحلها وخاصة المرحلة التي صدرت فيها، فقد تقلص حجم الصحافة العراقية في ظروف لحصار الى حجم اقرب للنشرة منها الى الجريدة وهي أيضا قليلة الصفحات وذات ورق اقرب للسواد ولكن (الزمان) كانت مفاجئة في ورقها وتصميمها وكثرة صفحاتها على مختلف الكتابات وكانت الصحافة العراقية في ظروف الحصار تضع الصفحات الثقافية الفقيرة في الصفحات الأخيرة وما قبل الأخيرة وهي تقدم مواد صغيرة وبعضها محكوم بمدح السلطة وحزبها ورئيسها ولكن الصفحات الثقافية في جريدة (الزمان) كانت مبهرة ومدهشة اذ يوضع فيها تصميم خاص وتم توزيع المواد بشكل يغطي الاهتمامات الثقافية بكل ما تنطوي عليه من تنوع ونشاط، ومن دراسات ومقالات نظرية وعملية. وصممت الف باء الزمان الثقافية بشكل يلبي كل ما يراد تحقيقه من تطورات ومتغيرات فالصفحات الثقافية تتألف من اربع صفحات ويمكن ان تخصص هذه الصفحات لملاحق يومية ولملفات عن مواضيع وظاهرات وشخصيات وكانت الجريدة تخصص ملحقا يوميا للثقافة بأربع صفحات كانت تختص الصفحة بما فيها الأخيرة للفنون وتخصص عرضا لكتب منتخبة في صفحات أخرى وكانت بقية الصفحات موزعة ينقل بضمن أوسع حرية لمختلف الآراء والاتجاهات وذلك جعلت اكتب للزمان ويكون مندوبا لها في متابعة النشاطات الثقافية وكنت اكرس كل جهودي في عمان لقراءة الزمان والكتابة لها اذ نشرت فيها مقالات ودراسات عن ظاهرات وشخصيات معينة وساهمت في كتابة بعض الاعمدة ونشرت تحقيقات عن موضوعات ومدن عراقية ولم يوجهني احد، ولم يتدخل احد في كتاباتي واختيار موضوعها و(الزمان) متميزة بامتياز في نقد ومعارضة النظام السابق ولها الصدارة في متابعة ونشر اخطائه وسلبياته وتبدو وكأنها تلاحقه من داخل العراق ومن ؟؟؟ السرقة كما شاهدت وقرأت من اعداد (الزمان) في ذلك الوقت ان (الزمان) اجرأ وافضل صحيفة معارضة للنظام السابق وان الصحف التي تصدرها المعارضة تعد سطحية وفقيرة في مقارنتها (بالزمان) والنظام لم يواجه الصحف الأخرى يميل مواجهته (للزمان) اذ تم تشكيل لجنة من النقابة والأجهزة الأمنية لمتابعة ما ينشر في (الزمان) والاسماء العراقية التي تنشر فيها وقد نشرت عدة قوائم بأسماء الذين ينشرون من (الزمان) باعتبارهم من المرتدين وأصدرت اللجنة بيانا تدعو فيها الكتاب والادباء العراقيين بعدم النشر في جريدة (الزمان) وتقديم شكاوى الى الجهات الصحفية العربية واحد من (الزمان) لانها تنشر كتاباتهم دون علمهم وذلك بنقلها من الصحف والمجلات العراقية ورغم ذلك كان عدد الذين يكتبون (للزمان) يزداد ويتعزز باسم كبار الادباء والفنانين مثل يوسف العاني وعبد الرحمن الربيعي وعبد عون الروضان وعباس الياسري وغيرهم.ومع ان (الزمان) ورئيس تحريرها الأستاذ سعد البزاز لا يتدخلان في اختيارات الادباء والمثقفين العراقيين وميلهم الى هذه الجهة او تلك رجوعهم للعراق او طلبهم اللجوء الى بلدان أخرى ومع ان الأستاذ سعد البزاز لا يشترط في كتاب (الزمان) انحيازهم لجهة معينة الا ان موقف السلطة تجاه (الزمان) دفع الأمم المتحدة والجهة المخولة بقبول اللاجئين ومقابلتهم وتدوين المعلومات عنهم، ودفعها الى اعتبار النشر في جريدة (الزمان) وثيقة مهمة واساسية لقبول طالب اللجوء حتى وان كانت المادة المنشورة بعيدة عن السياسة ولا تمس النظام السابق بشيئا وقد سمعت عن بعض الادباء والكتاب العراقيين انهم لم ينشروا في (الزمان) لاجل المكافآت وانما من اجل ان تكون اعداد المنشورة فيها وثائق تعزز من قبول لجوئهم وتتيح القبول أيضا.

وبالرغم من معارضة النظام وملاحقتهم لمن يكتبون في (الزمان) من داخل العراق فقد كانت المواد تصل اليها باستمرار ومن العراق، وكان الحديث عن خصائصها وروعة تصميمها وما تضم من صفحات ثقافية يتعالى من المثقفين والادباء والكتاب العراقيين، وكانت (الزمان) تدخل الأراضي العراقية مع العائدين للعراق بطرق وأساليب غاية في السرية ليطلع العراقيون في الداخل محتوياتها ويطلع الاديب والكاتب في الداخل على ما نشر لها من مقالات وحوارات وتحقيقات وكنت من الذين يكتبون (للزمان) من داخل العراق، ةذلك يحتاج الى وقفة أخرى.

مشاركة