(الزمان) تدعو المؤسسات الثقافية والعربية إلى الإحتفاء بذكرى المؤرخ جواد علي

 (الزمان) تدعو المؤسسات الثقافية والعربية إلى الإحتفاء بذكرى المؤرخ جواد علي

أدان إستخدام الدولة للتاريخ أداةً بيدها ووصفه بالمرض المزمن في البشرية جعل الناس يعتبرونه مجرد كذب وتلفيق

سلام الشماع

{ عمره 20 سنة وأصدر كتاباً عن أصنام العرب ثم ألّف موسوعتين عن تأريخهم قبل الإسلام

{ صورة وزعها الشاعر حميد سعيد على أصدقائه تعيد استذكار مآثر أهم مؤرخ في العراق

{ عاد من ألمانيا إلى العراق وانضم إلى ثورة مايس 1941 ليزجّ به في معتقل الفاو

{ كان من قلائل الأفذاذ المختصين باللغة اليمنية القديمة وأعد معجماً للغة السبئية ويعدّه اليمنيون إماماً

مرّت 34 سنة على رحيل أهمّ مؤرخ عراقي من دون أن نسمع أن مؤسسة أو جمعية أو فرداً في العراق فكر أن يحتفي به، ونحن، هنا، نوجه الدعوة للاحتفاء به هذه السنة، إذ يفصلنا عن ذكرى رحيله الـ34 نحو شهر.

إنه العلامة المؤرخ الكبير جواد علي، صاحب (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام)، وهو بعشرة مجلدات، والذي ولد عام 1907 وتوفي ظهر يوم السبت 26 أيلول 1987 بعد مرض عضال لازمه أواخر عمره.

مبعث دعوة (الزمان) للاحتفاء بهذا العلامة صورة وزعها الشاعر حميد سعيد تضمه (الأول من اليسار) والدكتور حسين علي محفوظ، ثم جمال الدين الآلوسي، فعبد الرحمن التكريتي، ومحمد بهجة الاثري، وجواد علي، وكوركيس عواد، وأخيرا الباحث حميد المطبعي.

الصورة التقطت أيام كان حميد سعيد رئيساً لتحرير جريدة (الثورة)، وقد قال عنها الشاعر: “كنتُ استقبل كبار الموسيقيين والمطربين، ومنهم القبانجي وعباس جميل ومحمد نوشي وغيرهم، واستقبل كبار الرياضيين، مثل عمو بابا ومؤيد البدري وغيرهما، واستقبل الشعراء والكتّاب والروائيين، كما استقبل رجال الدين، من جميع الأديان والطوائف، واستقبل وجهاء المجتمع العراقي ورموزه، وهذه اللقاءات، تكاد تكون يومية. وجميع الذين كان يحاورهم الراحل العزيز (حميد المطبعي) وهم كثرُ، كنتُ استقبلهم.. أضف إليهم، كبار المثقفين العرب، الذين كانوا يزورون بغداد، يوم كانت بغداد قبلة مثقّفي العرب والعالم”.

ويضيف: “هذه الصورة تفصح عن طبيعة الحياة المعرفية في العراق، تضم جميع أطياف المجتمع العراقي، يجمعهم العلم والإخاء”.

اللقاء المرعب

مرات التقيت جواد علي في مجالس لكني لم أتحدث معه إلا في لقائي الأول معه الذي أرعبني فيه، إذ كلفني الصحفي الراحل رشيد الرماحي بجلب مقال منه لصالح مجلة (ألف باء) وزودني بعنوانه في شقة بعمارة في منطقة المربعة بشارع الرشيد في بغداد وعندما ضغطت على جرس الشقة انتظرت قليلاً حتى فتح باب الشقة فوجئت بجدار من الكتب فيه فتحة أطل علي منها رأس أشيب منكوش الشعر بملابس داخلية، وعندما شعر جواد علي بالرعب الذي ساورني، ابتسم وناولني المقال ثم ودعته، وعلمت ممن زاره في هذه الشقة أنه اتخذ منها مكاناً لتأليفه وأن لا مجال للدخول إليها بسبب تكدس الكتب فيها.

المهدي وسفراؤه الأربعة

وجواد علي العُقَيلي، الذي نحن بصدد الدعوة للاحتفاء به، مفكر ومؤرخ عراقي، ولد في مدينة الكاظمية شمالي بغداد، وبعد إكمال دراسته في المتوسطة انتقل إلى المدرسة الثَّانوية، وآنذاك لم تكن توجد ببغداد سوى مدرسة ثانوية واحدة، وهي “الثَّانوية المركزية”، وهناك تعرف إلى محمد بهجة الأثري، الذي توفي سنة 1996 وهو مدرس النَّحو والصّرف فيها، واستمر ملازماً له طوال حياته، ويذكر فضله في مقدمات كتبه، ودرس في الأعظمية في كلية الإمام الأعظم أبي حنيفة ثم أكمل دراسته في دار المعلمين العالية (كلية التربية لاحقاً)، وبعد تخرجه منها سنة 1931 عُيّن مدرساً في إحدى المدارس الثانوية، وسرعان ما رُشّح ليكون ضمن بعثة علمية إلى ألمانيا، حيث حصل هناك على شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة هامبورغ سنة 1939 عن رسالته الموسومة “المهدي وسفراؤه الأربعة” بالألمانية.

عاد إلى العراق وصادفت عودته قيام ثورة مايس 1941 ونشوب الحرب العراقية – البريطانية، فانضم إلى الثورة، وبعد فشل الثورة زج به في معتقل الفاو، قبل أن يطلق سراحه ويعود إلى الوظيفة في وزارة المعارف، حيث اختير ليكون أمين سرّ لجنة التأليف والترجمة والنشر، والتي قُدّر لها أن تكون نواة للمجمع العلمي العراقي سنة 1. . وفي 1956 أصبح عضواً عاملاً في المجمع واختير عضواً مراسلاً ومؤازراً في مجامع أخرى عربية وعالمية.

عمل جواد علي في قسم التاريخ بكلية التربية في جامعة بغداد منذ الخمسينات من القرن العشرين، وتدرج في المناصب العلمية في كلية التربية مدرّساً فأستاذاً مساعداً فأستاذاً، حتى تقاعده عام 1972. وفي عام 1957 عمل أستاذاً زائراً في جامعة هارفارد الأميركية. ثم تقاعد فمنحته جامعة بغداد لقب أستاذ متمرس، وهو أعلى لقب يمنح لمفكّر عراقي.حصل على تكريمات وأوسمة منها وسام المعارف اللبناني ووسام المؤرّخ العربي، وحضر ندوات ومؤتمرات عديدة كمؤتمرات المستشرقين التي كانت تعقد في ألمانيا، كما كان عضواً في الجمعية الآثارية الألمانية ومثّل العراق في مؤتمرات عربية ودولية عدة، وكان يتقن اللغات العربية والإنكليزية والألمانية.

المؤرخ الرانكوي

تلك نبذة عن حياته الحافلة بالإنجازات العلمية التي أهمها مؤلفاته المنشورة: التاريخ العام (بغداد 1927) أصنام العرب (بغداد 1967) موسوعة تاريخ العرب قبل الإسلام (ثمانية مجلدات)، طبعها المجمع العلمي العراقي بين سنتي 1956-1960المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام (عشرة مجلدات)، طبعت في بيروت بين سنتي 1968-1974) تاريخ الصلاة في الإسلام (بغداد 1968) تاريخ العرب في الإسلام (بيروت 1969) والمهدي وسفراؤه الأربعة (أطروحته للدكتوراه) في جامعة هامبورغ 1938) كما أن له كتباً غير منشورة، منها كتابه معجم ألفاظ المسند. كما نشر، مع الدكتور أحمد سوسة والأستاذ محمد بهجة الأثري، خارطة الإدريسي المعروفة بصورة الأرض، وطبعت سنة 1951 ولديه عشرات الأبحاث التي نشرها في المجلات العلمية المتخصصة، منها بحث موسّع نشر بالتسلسل في مجلة المجمع العلمي العراقي (1950-1954) حول موارد تاريخ الطبري.

كان الدكتور جواد علي مؤرّخاً رانكوياً، نسبة إلى المؤرخ الألماني ليوبولد فون رانكه والذي يقول إن وظيفة المؤرخ إعادة تشكيل الحدث التاريخي كما وقع بالضبط. وبشأن منهجه هذا أجرى معه الأستاذ حميد المطبعي حواراً في مجلة أفاق عربية قال فيه إن ثمة مشكلات تعترض المؤرخ، منها مشكلة الرجوع إلى المصادر الحقيقية، ومشكلة المؤلفات القديمة باللغات المختلفة، ومشكلة تشتّت المصادر وتبعثرها. يعيب الدكتور علي على المؤرخين أخذهم بالعموميات بدلاً من اعتماد المنهج العلمي، ويقول: إن على المؤرخ أن يدرس التاريخ وفقاً للظروف والحوادث التي وقعت، وليس كما هو الحاضر. ويحذر المؤرخين من تدخّل العواطف وتحكّم المذهبية واصطباغ التاريخ بصبغة عقائدية، حيث يرى أن على المؤرخ لكي يكون تاريخه علمياً منزهاً تجنيب نفسه المذهبية المتزمتة، وعليه نقد الروايات نقداً علميا محايداً، ثم يربط الأخبار بعضها ببعض، وشد أجزائها شداً محكماً بأسلوب يتناول كل الوجوه، واعتبار التاريخ تاريخ بشر، وهو حكم وسياسة، والسياسة سياسة في كل وقت ومكان ولن يختلف فيها إنسان عن إنسان.من آرائه، أيضاً، أن العرب يمتلكون تاريخاً ثرياً، وهم في غنى عن الإضافة إلى تاريخهم وتحميله ما ليس منه. وكان يدين استخدام الدولة للتاريخ أداةً بيدها، ويقول إن هذا مرض مزمن في البشرية، مما حمل الناس على الشك في صحة التاريخ وعدّه مجرد كذب وتلفيق، ويقول: “لا زال التلفيق والتنميق جاريين في التاريخ، ولا سيما في السياسات المذهبية وفي الأمور الشخصية وفي الحروب وفي الجدل بأنواعه، غير أن بوسع المؤرخ في الوقت الحاضر الكشف عن الواقع بفضل تعدد المصادر والمقارنة بينها واستخلاص الحقائق”.وله في الدعوة إلى إعادة كتابة التاريخ موقف، إذ يقول إن تلك الدعوات لم تنبع من فلسفة أصيلة مدروسة، وإنما من ميول ومحاكاة ومحاباة، وهي نابعة من توجيه البيئة والعصر وإخضاع التاريخ لمنطق الرأي السائد في عصر المؤرخ.

وبشأن عوامل تفسير التاريخ التي يجب على المؤرخ أن يتسلح بها، له نظرات، فهو يقول الدكتور جواد علي: إن التاريخ يستمد وحيه من واقع الظروف التي صُنع فيها، وذلك بعد تحليل وعمل فكر وإحاطة بالروايات وبالوثائق الواردة عن الحادث، وأن تدوين التاريخ وفقاً للاجتهاد الذي يتوصل إليه وجدان المؤرخ عنه، وكان يحذر من الرضوخ لمدرسة معينة من المدارس التي تفسر التاريخ وفقاً لديانتها وعقيدتها في تفسير التاريخ، لأن التاريخ لرأي معين معناه أننا نزيّف ونحوّر التاريخ ونصوغه وفقاً لعقيدتنا الضيقة، فهنا إخضاع لحكم جامد يتنافى مع ضرورات المنهج العلمي في تفسير التاريخ.

كان الدكتور علي يوجب على المؤرخ أن يشخص كل جوانب التاريخ، فلا يقتصر على التمجيد والمديح، وفي الوقت نفسه لا يحاول تسقّط العثرات ومواطن الضعف، وأن أن يكون وصافاً عالماً عادلاً، أي أن ينظر إلى منشأ الروايات واتجاه رواتها والزمن الذي عاش فيه صاحب الرواية وناقلها.كما حذر من النظرة القسرية إلى تاريخنا، وأوجب التبصر فيما يكتب في كل بيئة معارضة، وأن على المؤرخ عدم الاقتصار على الجوانب السياسية، بل شمول جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية كلها بالاهتمام، موصياً المؤرخ المعاصر، أن عليه أن يتحدث عن جوانب الحياة كلها، عن الطبقات كلها، عن الخاصة وعن السواد.

سئل، مرة: “ما هو حذرك أزاء التاريخ؟” أجاب: ما نراه في الموارد الإسلامية عن الجاهليين يجب أن يفحص ويدقق بعناية لاحتمال وجود التحامل فيه على العرب، من قبل اناس ظنوا أن في التشهير بهم قربة وحسبة إلى الله، وان محاسن دين الله لا ترقى إلا بتجريد عباد الاصنام من كل حسن وجيد، ومن كل علم وفهم، والإسلام، كما نعلم، ثورة على الشرك، فوجهة نظر رواة التاريخ الجاهلي نابعة من هذا الاتجاه، وما نراه عن الخلافة والخلفاء الراشدين “رضي الله عنهم”، يجب دراسته بكل عناية، فما من خليفة منهم إلا وله مبغضون ومعادون، فالخلفاء أمراء المؤمنين ساسة وحكام أمة ولكل حاكم محب ومبغض، ومن طبيعة الحكم أن يخلق للحاكم معارضة بين الناس، وقد تكون بغير سبب مباشر وتماس بالحاكم، وإنما مجرد تسلمه الحكم.

وعندما سئل، عن أسباب ازدراء بعض المؤرخين للتاريخ، قال: نحن نعلم، إن التاريخ هو من أهم المعارف الحساسة التي تحاول الدول استخدامها آلة بيدها، بتجنيد إعمالها، وبكتابة التاريخ حسب هواها، وهو مرض قديم مزمن في البشرية، حمل كثيراً من الناس على الشك في صحة التاريخ والظن أنه مجرد كذب وتلفيق.. وبين الذين شكوا به عدد من المؤرخين، وقد قيل إن أحد المؤرخين الإنكليز ألقى بمؤلفاته في النار حين رأى حريقاً وهو في بيته فلما نزل ليراه وليبحث عن سبب حدوثه وسأل الناس، وجدهم يختلفون في وصفه وفي تفسيره فحنق على التاريخ وقال: إن تاريخاً يكتب على مثل هذه الروايات لا يكون تاريخاً. وقد الف السنحاوي كتاباً في الرد على من ذم التاريخ، دعاه: (الإعلان بالتوبيخ لمن ذم التاريخ.. وذم التاريخ هو سبب هذا الذي نسب إلى التاريخ..) وعندما سئل عن مذهبه الفقهي، قال إنه ينأى بنفسه عن هذه التسميات ولا يراها تليق بهذا العصر، فالمدارس الفقهية التاريخية كلها محترمة ومقدرة وتنتمي لهذا الدين، ولكني أنتمي للعروبة والإسلام والحضارة الإسلامية بلا مذاهب.

وله في التفسير العلمي والتاريخي للقرآن قول هو: إن التفسير العصري للقرآن وللإسلام يقرّ أن كل جيل يجب أن يفسر الإسلام بعقلية جيله بينما يجب على المؤرخ أن يفسره وفقاً للظروف والحوادث التي وقعت في أيام النبي وأدت إلى صدور أحكامه لمعالجتها وفقا لتلك الظروف.

موسوعتان في تاريخ العرب

المؤرخ الأستاذ الدكتور جواد علي ألف كتابيه الشهيرين (تاريخ العرب قبل الإسلام) بثمانية مجلدات و(المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام) بعشرة مجلدات, وهي من أهم الكتب التي تلقي الضوء على ما يسمى في كتب التاريخ الخلفية التي جاء منها الإسلام أو ما يطلق عليه مؤرخو الغرب جذور الإسلام.

عن ذلك يقول الباحث والكاتب رشيد الخيون: كان كتابا المؤرخ العراقي جواد علي رداً على مصطلح جاهلية العرب، صحيح أن المؤلف لم يفصح بالعبارة ولكن الكتاب بأجزائه العشرة أتى صارخاً بها. عمل المؤلف فيه لفترة أربعين عاما، وقد أشار في المقدمة إلى أنه لم يتلقّ أي دعم ولا مساعدة من أي جهة من الجهات، عمله بنفسه من جمع المصادر إلى فحصها فالكتابة فالتصحيح والبحث عن الناشر، وبعد نشره لم تستغن عنه مكتبة من المكتبات العامة والخاصة، وظل الكتاب حيّا بما احتوى من تاريخ زاخر بالثقافة والاجتماع والاقتصاد، واحتوى تاريخ اليمن والشام والعراق والجزيرة العربية.

العارف باللغة السبئية

أولى الدكتور جواد على اهتماما خاصا باللغة العربية القديمة وبتاريخ اليمن قبل الإسلام, واستوعب في ذلك النقوش والكتابات القديمة, وكان من قلائل الأفذاذ المختصين باللغة اليمنية القديمة وأعد معجما للغة السبئية (أخبرني الشاعر حميد سعيد أنه وجد اليمنيين يعدون جواد علي إماماً من أئمتهم)، بالإضافة الى أبحاث مستوعبة عن مختلف جوانب الحضارة اليمنية القديمة, ولم يثنه المرض المنهك الذي تحمله بجلد وصبر عن متابعة دراساته ونشر أبحاثه فيها الى آخر أيام حياته. بعد هذا كله أليس من حقّ جواد علي علينا أن ندعو الجهات الثقافية في العراق والأقطار العربية إلى الاحتفاء بذكرى هذا العلم الذي قدم إليهم تاريخهم صافياً مما علق به من اشتباهات  وأغراض.

مشاركة